السبت، 30 يناير 2010

العلاقات الدولية في عصر العولمة المعلوماتية


العلاقات الدولية في عصر العولمة المعلوماتية

كنبها أ.د. محمد البخاري، مستشار بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية. بتاريخ 7/3/2002 وأرسلت لصحيفة الاتحاد بأبو ظبي.

المعلوماتية بين الواقع والآفاق: تخضع العلاقات الدولية اليوم أكثر من أي وقت مضى لحقائق العولمة الاقتصاد والسياسة المرتبطة إلى حد كبير، وجاء هذا مع ولوج المجتمع الدولي اليوم العصر المعلوماتي الجديد عليه. ولا أحد ينكر أن العولمة الاقتصادية لعبت دوراً هاماً في تطوير الإنتاج السلعي والمعلوماتي على حد سواء، خاصة بعد الانفجار الكبير الذي أدخلته التكنولوجيا الحديثة المرتبطة باستخدام أنظمة الحاسب الآلي المتقدمة وبرامجه المتخصصة بكثرة، وما رافقها من تطور متصاعد لوسائل الاتصال المرئية والمسموعة، والاتصال عن بعد عبر أمواج الأثير. وشبكات الحاسب الآلي العالمية المرتبطة بشبكة "الانترنيت" العالمية وغيرها من شبكات الاتصال المتطورة كانت حقيقة سمة من سمات عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وتميزت تلك الحقبة التاريخية في العلاقات الدولية بارتباطها الوثيق بعولمة الاقتصاد والسياسة العالمية وحدوث تغييرات جذرية أدت بالضرورة إلى وضع أسس لنظام اقتصادي وسياسي عالمي جديد يتفق وبداية مرحلة جديدة من تاريخ البشرية اصطلح على تسميتها بعصر "العولمة".

والعنصر الأهم في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ البشرية مثلته المعلومات الاقتصادية الجديدة التي اتسمت بالتكامل المعلوماتي الدولي عبر شبكاته دائمة التطور، على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن المعروف أن ذلك التكامل كان حصيلة للمخطط الذي وضعته وزارة الدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية Advanced Research Projects Agency (ARPA)، وكان هدفه آنذاك منع أو إعاقة الاستيلاء أو تخريب النظام الأمريكي للاتصالات وتبادل المعلومات في حال حدوث حرب نووية. ونتيجة للجهود الكبيرة التي بذلتها الوزارة أنفة الذكر استطاع المشتغلون في المخطط المذكور إقامة شبكة مؤلفة من عدة آلاف من الشبكات الصغيرة للاتصال عبر شبكات الحاسب الآلي التابعة والمرتبطة بالشبكة الأصلية، لتتمتع تلك الشبكة الكثيفة من وضع أساس ملموس لارتباط متعدد الجوانب لانهائي بين تلك الشبكات التابعة والشبكة الأصل بعضها البعض دون خضوعها لإدارة أي مركز كان. أما في الوقت الحاضر فقد أصبحت تلك الشبكة تتمتع بصفة العالمية لخروجها عن إطارها المحلي داخل الولايات المتحدة وأماكن تواجدها والأماكن التي تتواجد فيها المصالح الأمريكية في أنحاء مختلفة من العالم، وأقيمت حول تلك الشبكة الأم صناعة معلوماتية ضخمة، شملت كل الكرة الأرضية، ولا نبالغ إن قلنا وحتى الفضاء الكوني بعد أن سيطر عليه انفجار إدخال استخدام تكنولوجيا الاتصال عن بعد، والحاسبات الآلية وشبكات الانترنيت التي طغت على كل مناحي النشاط الإنساني على الأرض وفي الفضاء الكوني.

ولكن التأثير الأكبر مثلته عناصر عولمة الاقتصاد الجديدة والمعلومات الاقتصادية في الدول المتقدمة. حيث نجد أنه مع كل عام يمضي تحدث وتوضع في الخدمة الفعلية تقنيات متقدمة جديدة ومتجددة لأنظمة التعامل مع المعلومات وإرسالها واستقبالها والتعامل معها، بما فيها النظم المرئية والمسموعة عبر الهواء وغيرها من تقنيات عصر المعلوماتية. حتى كادت تكنولوجيا الاتصال عن بعد وشبكة الانترنيت العالمية تحتل اليوم الحصة الأكبر والأهم من سوق التجارة التي تشمل أوسع قائمة من المنتجات تشمل المواد الغذائية وبضائع الاستهلاك وغيرها، وحتى منتجات النفط والغاز ومشتقاتهما. ليصبح عنصر رأس مال واحد من أهم ملامح السوق المعلوماتية الاقتصادية في العالم، حيث نجد أن شركة "مايكروسوفت" وحدها تمكنت على سبيل المثال في أواسط عام 2000 من امتلاك رأس مال يقدر بحوالي 400 مليار دولار أمريكي، وهو ما يساوي في بعض التقديرات مجموع رؤوس أموال كل شركات صناعة الطيران والفضاء والسيارات والتعدين في الولايات المتحدة الأمريكية مجتمعة. وبغض النظر عن الانخفاض الحاد المفاجئ الذي سجلته في مؤشر NASDAQ، الذي يسجل حالات تطور الاقتصاد الجديد، فإن انخفاض الاهتمام بهذا الجزء المكون للاقتصاد العالمي، لا يتحدث عن التحول الجذري في الملامح العامة للاقتصاد العالمي الذي يعتبر اقتصاد سوق المعلومات جزء أساسي منه. وببساطة أستطيع القول بأن السوق المعلوماتية قد رفع شأنها بشكل مصطنع في مرحلة معينة لمصلحة البعض لا أكثر، ولا أقل. مما يجعلنا نعتقد بأن ذلك كان من عوامل اقتراب الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تعرضت لها حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الارتفاع المتصاعد بحدة لقطاع تكنولوجيا الاتصال عن بعد الحديثة في عالم الاقتصاد اليوم هو عملياً من أهم عناصر التطور الاقتصادي للكثير من الدول الصناعية المتقدمة. خاصة وأن تكنولوجيا المعلومات الحديثة قد خدمت فعلاً الارتفاع الحاد والمفاجئ للإنتاج السلعي والمعلوماتي على حد سواء، إن لم نقتصر على كل صنوف الاتجاهات الرئيسية للصناعة وقطاع الخدمات بكاملها. ونرى في بعض المؤشرات تقييمات تشتمل على حسابات التجارة الإلكترونية وحسابات إدارة الكلفة الإنتاجية في الدول المتقدمة، والتي تشير بعض المصادر إلى انخفاضها لنحو 10-12 %، إضافة لمؤشرات العديد من الشركات العالمية العابرة للقارات التي تشير إلى ارتفاع الإنتاجية فيها إلى نحو 30-40 % وأكثر.

وفي نفس الوقت نرى أن الدول "المتخلفة" في مجال المعلوماتية كالدول النامية، ومن ضمنها الدول العربية، وغيرها من دول العالم التي لا تهتم بشكل جدي بقضايا تطوير تكنولوجيا المعلومات أصبحت تدريجياً تزداد تخلفاً في كل الحالات عن الدول "الرائدة" في مجال صناعة واستخدام التكنولوجيا المعلوماتية الجديدة. مما يجعلنا نتنبأ بالمصير الذي يؤدي إليه هذا الواقع المرير في المستقبل القريب على مصير تلك الدول، إذ ليس من الصعب أن نتصور بروز استعمار من نوع جديد في العلاقات الدولية الجديدة يمكن تسميته تجاوزاً بـ"استعمار تكنولوجيا المعلومات" وأن هذا النوع الجديد من الاستعمار بالكامل يمكن أن يشكل على المدى المنظور بديلاً ملائماً للتدخل العسكري والاقتصادي والسياسي المكلف للدول الكبرى في شؤون عالم الغد، والذي يمكن أن تشمل قائمته حتى بعض الدول الكبرى المتخلفة نسبياً في مجالات تكنولوجيا المعلومات كالاتحاد الروسي مثلاً. والبرهان على هذا يمكن أن يظهر من خلال نظرة متفحصة في نتائج التطور الاقتصادي العالمي خلال العقود الماضية، والذي رافقه تضييق مقصود على قضايا تلوث البيئة التقليدية، وقضايا الطاقة والصناعة السلعية القامة فعلاً اليوم في دول "العالم الثالث"، لأن تلك الدول النامية سعيدة طبعاً بالاستثمارات الأجنبية التي تصب في اقتصادها المتعثر، ولا تنظر بجدية للآثار السلبية لتلك الاستثمارات الأجنبية، والتي هي مرة أخرى تشكل أداة للتدخل في الاقتصاد والسياسة في تلك الدول، وتستخدمها الدول الكبرى المتقدمة وبنجاح لزيادة تبعية تلك الدول اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً بها. مما يدفعنا هنا للتساؤل أيضاً عن مصير البدائل التي تطرحها بعض تلك الدول لحل مشاكل التطور الصناعي والتكنولوجي في الدول "المتخلفة"، وأي مستقبل مشرق يا ترى ! ينتظر اقتصاد المعلومات الجديد كل الجدة على تلك الدول ؟ ولا بد أن تلك الدول ستتحول شاءت أم أبت إلى دول موردة للخامات والبضائع والمنتجات الصناعية والزراعية المنتجة فيها باستثمارات وطنية وأجنبية، وتدفع قيمتها الدول "المتطورة" من أصل قيمة المنتجات التكنولوجية المتطورة المنتجة في الدول المتقدمة والمصدرة للاستخدام في الدول المتخلفة كما هو ملاحظ من أجل المتعة المكلفة لمستهلكي المعلومات وتكنولوجيتها الحديثة دائمة التطور. وهو ما يجعلنا نجزم في الوقت الراهن بأن هذا الوضع الذي أفرزته العولمة المعلوماتية وتمثله تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد، وشبكة الانترنيت الآخذة بالانتشار والتوسع، قد أصبح أكثر وطأة من البداية التكنولوجية العسكرية التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت جوهراً ليس للتطور الاقتصادي وحسب، بل وأصبحت عاملاً مهماً ومؤثراً في العلاقات الدولية المعاصرة، وأصبحت عاملاً من عوامل التأثير السياسي المتبادل الأكثر فاعلية على مستوى العالم كله.

شبكة الانترنيت والعولمة الاقتصادية: ولا أحد يستطيع أن ينكر أن شبكة الانترنيت العالمية أصبحت في عالم العلاقات الدولية اليوم الموجه الأقوى في كل عمليات التفاعل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي للعولمة. لأن عبارة "الانترنيت" أصبحت تتكرر في الأمثلة الكثيرة التي يأتي بها الكثير من الباحثين لدى تعرضهم لموضوع العولمة بكل فروعها واتجاهاتها. خاصة وأنه خلال العقود الأخيرة فقط أصبحت العولمة مشكلة متشابكة للسياسة العالمية بعد انتهاء عصر المواجهة الصريحة بين الدول المختلفة من حيث الأنظمة العقائدية والاجتماعية والاقتصادية، وبعد أن أزيلت العوائق السياسية، من أمام فتح الأسواق العالمية الضخمة التي كانت في السابق مغلقة أمام واردات الطرف الآخر، ورافق تلك العملية تشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية مما خلق تأثيراً متصاعداً تختلف فيه المعايير وتتفاوت من خلال تلك العلاقات وقوتها. ولكننا هنا لا يجب أن ننكر حقيقة هامة وهي أن للعولمة نواح إيجابية متعددة، تقف في طليعتها حقيقة التقدم السريع للعلوم والتكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد والإدارة الحديثة. وحقائق تطور الإنتاج الفكري والمادي عل حد سواء. وهذه العملية المتكاملة لابد لها من حيث المبدأ أن تخدم تقدم البشرية ورفع مستوى حياة الإنسان في المجتمع الدولي قاطبة، ولابد أن تشجع على ارتفاع مستواه الفكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي. ولكن هنا لابد أن نشير أيضاً إلى أنه ليس للعولمة نواح إيجابية فقط، بل تحمل في طياتها مصادر تهديد فعلية للأمن القومي، ولاستقلال وسيادة بعض الدول. خاصة بد ظهور أصوات تنادي بإنهاء "الفوضى السياسة لمصالح السياسة الخارجية القومية" واستبدالها بـ"عولمة السياسة الخارجية لمختلف دول العالم لتصبح سياسة داخلية للعالم بأسره". وهنا يمكننا بشيء من التأمل أن نتصور ما سيحدث للمصالح القومية الحيوية لبعض الدول الضعيفة في عالم الغد.

ومن المعروف أنه كانت هناك وستبقى على ما نعتقد موازنات في العلاقات الدولية المعقدة، ولكن تلك الموازنات من الصعب أن تصمد أمام الهضم السياسي والاقتصادي الذي هيأ له التفوق العلمي والتكنولوجي مكانة الصدارة في ظروف العولمة، وأن لذلك الهضم ملامح تنزع دائماً نحو التوفيق الذي يرافق دائماً توسيع الهوة والخلاف بين المنتج والمستهلك، إذ أن الفرق بين دخل 20 % من الأغنياء، و 20 % من الفقراء من سكان العالم في عام 1960 كان 30:1، أما في عام 1994 فقد أصبح 78:1. ولكننا هنا يجب أن لا ننسى الوجه الآخر لهذا الوضع غير المتساوي، الذي أصبح في عصر العولمة الاقتصادية عالمياً، فحصة الدول المتطورة تبلغ من الموارد الاستثمارية اليوم 70-80 % في العالم بأسره، وهي مركزة بشكل رئيسي في الدول ذات الدخل المنخفض. ولهذا لابد أن نأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير العولمة الاقتصادية على تعميق حالة عدم المساواة بين دول العالم، والتهديدات الواقعية التي يفرزها النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وفي هذا طبعاً دوراً غير إيجابي لشبكة الانترنيت العالمية يمكن أن تلعبه مع ازدياد الهوة بين الدول المتقدمة والمتخلفة، لتصبح بذلك أداة تسمح لبعض الدول وبعض الاتحادات الاقتصادية العالمية العابرة للقارات بالوصول إلى غاياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، دون استخدام وسائل السيطرة العسكرية المكلفة والخطيرة.

وهنا يبدوا للبعض أنني أريد هنا أن أطلق العنان للتشاؤم من النتائج المرتقبة للعولمة الاقتصادية الآخذة بالاتساع، وخاصة نتائج انتشار تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد المتطورة، بل على العكس فإن ما أريده هو أدعو الدول المتخلفة إلى العمل الجاد في إطار سياسات التعاون الإقليمي والدولي من أجل حل المسائل الحيوية المعيقة لجهود ردم الهوة المتعاظمة والفاصلة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وإزالة العوائق عن طريق ولوج الدول المتخلفة عالم إنتاج وتطوير تكنولوجيا المعلومات بشكل جماعي، وبالاستفادة من الكوادر الوطنية وخلقها وتشجيعها. وعدم الاكتفاء باستيراد واستهلاك تلك التكنولوجيا المتطورة فقط، حفاظاً على المصالح الحيوية لتلك الدول وحماية لأمنها القومي الذي لابد وأن يصبح جماعياً وإنسانياً في التعامل مع الدول الرائدة في هذا المجال الحيوي والهام والمصيري للبشرية جمعاء. ومن العدل هنا أن نشير إلى ما قاله أحد الاقتصاديين الكبار في مجال "اقتصاد المعلوماتية" من أنه " إلى حد كبير تحدد مصير أي مجتمع إمكانية أو عدم إمكانيته إدارة التكنولوجيا، وخاصة التكنولوجيا الإستراتيجية"، وأي مجتمع يستطيع أن يستخدم إمكانيات الدولة لخنق سبل تطوير التكنولوجيا الحديثة أو لازدهارها على السواء، لأنه مع التدخل الحكومي تبدأ عملية تسريع وترشيد التقدم التكنولوجي الذي يمكن خلال بضع سنوات من تتغير الاقتصاد الوطني، الذي ترتفع معه إمكانيات المناعة العسكرية والأمنية والرفاهية الاجتماعية للمجتمع المحلي الذي هو جزء من المجتمع الإنساني. ولأن اقتصاد السوق المنفتح الحالي يتمتع بمستوى رفيع أكثر من أي وقت مضى، ويرافق التغييرات التكنولوجية سريعة التقدم، وهو السوق الذي تعود فيه رجال الأعمال أن يستخدموا كل ما هو جديد في عالم منجزات تكنولوجيا الاتصال عن بعد والمعلوماتية بشكل دائم وواسع وفي كل دول العالم، ضمن الإستراتيجية العامة التي وضعتها الحكومات في الدول التي تساند الأبحاث العلمية، الهادفة إلى تطوير وتطبيق واستخدام كل السبل الممكنة لاستخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية. وبهذا الشكل تصبح تكنولوجيا المعلوماتية في ظروف العولمة الاقتصادية، تكنولوجيا معلومات تخدم إقامة صرح الاقتصاد الجديد الذي يعتمد على المساواة الفعلية القائمة على التنافس المبني على أسس التقدم العلمي والتكنولوجي، ويحتاج لتغييرات جذرية وهيكلية في البنية الاقتصادية، تغييرات تعتمد إلى حد كبير على الفوارق الجوهرية التي تتحكم بعمليات التطور الجارية في كل دولة من دول العالم.

خاصة وأنه لوحظ خلال العقود الثلاثة الأخيرة ارتفاع حجم تدفق رؤوس الأموال العالمية القادمة من الدول الرائدة في مجال اقتصاد السوق واتساع مجالات استخدامها، بشكل تغيرت معه ملامح العلاقات الاقتصادية الدولية جذرياً، بعد أن تجاوزت حصة تلك الدول في الاقتصاد القومي للدول الأخرى عشرات المرات عما كانت عليه قبل عقدين من الزمن. إضافة إلى حقيقة تمكين التكنولوجيا الجديدة لرجال الأعمال من تحويل رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى خلال ثوان ودون عوائق تذكر، لهذا نستطيع القول بأن رأس المال في ظروف العولمة الاقتصادية أصبح عملياً مرتبطاً بالمصالح الاقتصادية للعالم كله. وأن تدفق رؤوس الأموال أصبح عالمياً وأكثر استقلالاً عن أي اقتصاد منفصل آخر.

إضافة لحقيقة أخرى مثيرة للجدل تقول بأن سوق العمل الذي ينظر إليه تقليدياُ كسوق متشعبة، أصبح واقعياً سوقاً عالمية، لأن: الشركات الكبرى أصبح بإمكانها اليوم أن توزع مواقع إنتاجها في مختلف الأماكن في العالم وفق متطلبات السوق المنفتحة عالمياً، وتجنب الأخطار التجارية، ووفق الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية هنا وهناك؛ والشركات الكبرى أصبح بإمكانها استقطاب العلماء والعمال المهرة الذين تحتاجهم من أي دولة من دول العالم، من خلال الحوافز والأجور وشروط وظروف العمل الأفضل التي توفرها لهم؛ والكثيرين من الكوادر المتخصصة في دول العالم الثالث أصبحت تبحث عن العمل الملائم اليوم في السوق العالمية للعمل، وخاصة الكوادر الوطنية في الدول النامية التي تعاني من مشاكل اقتصادية مستعصية، أو في تلك الدول التي تجري على أرضها الحروب والصراعات والنزاعات المسلحة؛ والتطور العلمي، والمعلومات العلمية، والتكنولوجيا المتطورة أيضاً أصبحت جزءاً لا يتجزأ من العولمة الاقتصادية الحديثة، التي تتطلب ظروف المنافسة الشريفة فيها حماية صارمة لحقوق الملكية الفكرية، وتوفير ضمانات أكيدة لتوزيع ثمارها بشكل عادل يحقق لها الأداء الأمثل لدورها الحقيقي الذي يجب أن تلعبه، وهو ما يصعب تحقيقه ف الدول التي لا تتركز فيها مراكز البحث العلمي، ولا تشكل مراكز البحث العلمي فيها القاعدة الصلبة للتطور العلمي على المدى الطويل في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال عملياً؛ وتطور القواعد العلمية وزيادة حجم الموارد المعلوماتية والمادية من أجل إنتاج التكنولوجيا الحديثة وإمكانيات توزيع تلك الموارد في ظروف العولمة الاقتصادية لتصبح من أهم مصادر القدرة على التنافس في السوق العالمية المنفتحة، هي من شروط تعويض النقص الناتج عن الإنتاج المنخفض في بعض الدول، وتساعد على الوصول إلى الأسواق المتكاملة الكبيرة لبعض الدول ذات الإمكانيات السياسية والإدارية المتطورة، أو حتى لمناطق جغرافية بأكملها. لأن المعلومات أصبحت اليوم من الموارد الإستراتيجية الهامة التي يسمح استخدامها من قبل من يملك ومن لا يملك الموارد المادية، والقوى البشرية، ورؤوس الأموال الكافية أن تكون من حوافز المنافسة، لأن المعلوماتية أصبحت أداة رئيسية من أدوات التأثير على مختلف مجالات الفكر الإنساني من خلال قدرتها على تشكيل الإنسان وقناعاته ومواقفه.

ومن الواضح الآن أن تطور مختلف بلدان العالم يعيش في الظروف الراهنة ثورة معلوماتية واتصالية جديدة حقيقية، ويقف في طليعة تلك الثورة التعاون الدولي في إطار الاتحادات العالمية لمستخدمي ومنتجي تقنيات وبرامج الحاسب الآلي دائمة التطور، ويبقى العنصر الرئيسي حتى الآن ودون منافس يذكر للبنية التحتية العالمية الجديدة للمعلوماتية هو شبكة الانترنيت العالمية. وعلى ما يبدو أن ذلك لم يكن محض صدفة عندما اختارت الولايات المتحدة الأمريكية الرائدة في هذا المجال خيار تطوير شبكة الانترنيت وعولمتها، لأنها كانت ولم تزل تسعى من خلالها وغيرها من عناصر العولمة للبقاء الفقرة الهامة في كل النظام العالمي، وعلى امتداد المرحلة الجديدة التي تعيشها عملية تطور العولمة الاقتصادية. وشبكة الانترنيت العالمية اليوم على سبيل المثال هي حقيقة تمثل إحدى ظواهر السياسة الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية من خلال علاقتها المتجددة مع الاتحاد الروسي والمتمثلة بتحجيم تقديم المساعدات المالية إليه، في نفس الوقت الذي تحرص فيه على استمرار التعاون معه في المجالات النووية، والمجالات المساندة والواسعة لتعميم استخدام الحاسب الآلي ونشر شبكة الانترنيت العالمية على أراضيه دون تمكينه من تطوير أية تقنيات حديثة قد تشكل تهديداً لطموحاتها المعلوماتية مستقبلاً. وبغض النظر عن الأهداف المعلنة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والتي تتحدث عن الإسهام في نشر الديمقراطية المعلوماتية وتأمين الوصول إلى المعلومات لكل أطراف معادلة العلاقات الدولية المعاصرة. فعلى ما يبدو أن الخلفية الحقيقية وغير الظاهرة تكمن في تلك المساعدات التي تقدمها له ولغيره من الدول العالم، أنها تضمن كحد أدنى المساهمة في تطوير كل المجالات التي ترتبط بالمصالح الاقتصادية، ومصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية وحدها.

ولكن والهدف السياسي يعتبر عنصراً هاماً في العلاقات الدولية، وشبكة الانترنيت العالمية تعتبر الوسيلة الفريدة للتبادل الإعلامي الدولي. ويعتبر الوصول إلى شبكة الانترنيت العالمية واقعياً هو الوصول إلى العالم الحديث، المتحرر من أي حدود أو حواجز. لأن شبكة الانترنيت العالمية اليوم تتيح الاتصال وتبادل المعلومات بين الأفراد والجماعات والدول أينما كانوا في المحيطات أم في الغابات أم في الصحاري أم في الجبال أم في الفضاء الكوني، إضافة إلى دورها المتزايد اليوم في التجارة الإلكترونية التي تسمح بعقد الصفقات التجارية عبر بورصة نيويورك لرؤوس الأموال أو طوكيو أو غيرها في أنحاء مختلفة ومن أي بقعة من العالم، وتسهيلها لعملية الحصول على آخر الأنباء التي تنشرها مختلف وسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، وإتاحتها فرصة كتابة الأخبار والتحقيقات المصورة وتوزعها إلى مختلف أنحاء العالم دون عائق يذكر. وهو ما يسمح لنا بإطلاق لقب عدو المجتمعات المغلقة على شبكة الانترنيت العالمية. والانتشار الواسع لهذه الشبكة داخل الاتحاد السوفييتي السابق والدول الدائرة في فلكه، كان من غير الممكن لولا الإصلاحات التي بدأت في الاتحاد السوفييتي السابق خلال العقد الثامن من القرن الماضي وأدت في النهاية إلى انهياره المفاجئ في مطلع التسعينات من القرن الماضي. والدرس المستفاد من انهيار النظام السوفييتي السابق والمنظومة الاشتراكية، أنهم كانوا غير مهيئين لمتطلبات العولمة الاقتصادية الجديدة التي أخذت بالتبلور آنذاك، ولا تتلاءم مع الحدود المغلقة في المجال المعلوماتي والسياسي السائد آنذاك. وهو ما يضع الكثير من دول العالم أمام خيارات صعبة لا تقبل التأخير أو التأجيل للولوج في عصر العولمة المعلوماتية من أوسع أبوابها ووضع قواعد إيجابية وقانونية له قبل فوات الأوان.

السياسات القومية وتكنولوجيا المعلوماتية: ومع تزايد الفهم الواسع والمستمر لتفوق الولايات المتحدة الأمريكية في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد وسيطرتها على أسواقها. نرى أن الاتحاد الأوروبي قد بادر إلى اتخاذ خطوات حثيثة لتجاوز التأخر في هذا المجال الحيوي. وأنه حتى نهاية عام 1999 تمكن من وضع إستراتيجيته الأوروبية الخاصة لتطوير "السوق المعلوماتية الأوروبية"، وبذلت محاولات نشيطة للحاق بالولايات المتحدة الأمريكية من قبل اليابان. وتضمنت السياسات القومية في مجال تكنولوجيا المعلوماتية إجراءات ملموسة في الصين، والهند، والعديد من دول العالم. ولكن ما يثير للانتباه حقاً النموذج الهندي في مجال السياسة القومية لتكنولوجيا المعلوماتية، حيث تضمنت السياسة الحكومية الهندية خلال العقود الأخيرة خيار رعاية ومساندة الدولة لإقامة صناعة وطنية لبرامج الحاسب الآلي المعدة للتصدير، وللتعاون مع الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال الاتصالات المرئية. ووفق التقديرات المنشورة فإن رأس مال الشركات الهندية العاملة في هذا المجال بلغت في عام 2000 أكثر من 25 مليار دولار أمريكي، وبلغت صادراتها من البرامج المنتجة حوالي 3 مليارات دولار أمريكي. وهي أرقام تدعو الدول النامية للتأمل والتفكير على ما أعتقد. وإذا تحدثنا عن تجربة الاتحاد الروسي في المجال المعلوماتي الدولي فإننا نراها لم تزل متواضعة جداً، ولا تلبي لا المصالح الوطنية ولا مصالح الاتحاد الروسي كدولة عظمى، ولا متطلبات الإمكانيات التقنية والعلمية الروسية، ولا مستوى التطور الثقافي لشعوب الاتحاد الروسي، وهذا الوضع تعترف به حتى السلطات الاتحادية الروسية نفسها، وهو ما أشار إليه الرئيس فلاديمير بوتين عندما ذكر في معرض مناقشته لموضوع التكنولوجيا المتقدمة في الاتحاد الروسي أنه "دبت الحياة فيها ولكن ومع الأسف، فإن مستوى تطور الاقتصاد الجديد لا يتفق وأهميته من أجل البلاد". وعلى ما يبدوا أنه في الاتحاد الروسي لم يزل هناك فاصل بين إمكانيات الدولة المتوفرة لتطوير التكنولوجيا الجديدة واحتياجات المصالح الوطنية في هذا المجال الهام.

ومن قراءة لبيانات وزارة الاتصالات والمعلومات في الفيدرالية الروسية، نجد أنه في الفيدرالية الروسية حالياً حوالي 3 ملايين نسمة تستخدم خدمات شبكة الانترنيت العالمية، وهذا الرقم يمثل حوالي 2 % من عدد السكان. وتتوقع تلك البيانات أن يزداد عددهم ليبلغ 6 ملايين نسمة خلال السنوات الخمس القادمة، وأن يبلغ عددهم حتى عام 2010 أكثر من 26 مليون إنسان. وحسب معطيات الوزارة المعنية فإن حجم الخدمات المعلوماتية في المجال المعلوماتي للاتحاد الروسي لشبكة الانترنيت العالمية قد ارتفع في عام 2000 مقارنة بعام 1999 إلى نحو مرتين تقريباً وبلغ 460 مليون دولار أمريكي. وفي عام 2000 بلغ حجم إسهام تكنولوجيا المعلومات وخدماتها بما فيها خدمات شبكة الانترنيت العالمية من مجموع الناتج القومي حوالي 4,7 مليار دولار أمريكي. ولكن المحللين يعتبرون ذلك أقل بكثير عن 4 % وأكثر من الناتج القومي المميز لمؤشرات الدول المتطورة الكبرى. ومنذ وقت قريب وضع مشروع قدم للحكومة الفيدرالية الروسية يتضمن برنامجاً فيدرالياً يهدف إلى تطوير استخدام التجارة الإلكترونية، ويسهم في خلق الظروف الضرورية من أجل انتشار استخدام التجارة الإلكترونية، وتطبيق إجراءات تفسح المجال أمام التجارة الإلكترونية من أجل أن تساهم في التطور الاقتصادي للاتحاد الروسي، وزيادة عدد فرص العمل المتاحة للكوادر الوطنية المدربة والإسهام في عملية رفع مستوى حياة المواطنين، وخطط في المرحلة الأولى للبرنامج والتي تستمر من عام 2002 وحتى عام 2003، اتخاذ إجراءات عملية لإنشاء قاعدة قانونية توفر الظروف المثالية للاستثمار في مجال تطوير البنية التحتية اللازمة في مجال التجارة الإلكترونية. وفي المرحلة التالية والتي تستمر حتى عام 2006، القيام بكل ما يمكن تطبيقه من إجراءات عملية لتطوير وتوسيع استخدام شبكات الحاسب الآلي، والارتفاع بعدد المستفيدين من خدمات شبكة الانترنيت العالمية إلى 15 % من عدد السكان، وتحقيق انتقال الجهات الحكومية إلى استخدام تكنولوجيا التجارة الإلكترونية الحديثة.

ومن التجربتين أنفتي الذكر نلاحظ أن التجارة الإلكترونية أخذة بالتوسع والانتشار بالتدريج في العلاقات الدولية، وأن ذلك الانتشار مرتبط إلى حد كبير بالوعي الذي تبديه الحكومات لأهمية تكنولوجيا المعلوماتية وسعيها للدخول في عالم تكنولوجيا المعلوماتية وهو سعي لا يقل أهمية عن مساعي "سباق التسلح" للدفاع عن المصالح القومية العليا. وفي الوقت الحاضر نرى أن الآلاف من الساحات التجارية الإلكترونية الضخمة العاملة في الدول المتطورة والأقل تطوراً على حد سواء في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، تتناول في نشاطاتها مجالات متعددة، منها تسويق الخامات والمنتجات الزراعية والغذائية، والنفط والغاز، ومجالات الاتصال المسموع والاتصالات المرئية، ومجالات البناء والخدمات المعلوماتية، والتأمين والنقل، والصناعات الكيماوية، وغيرها من مجالات العلاقات الاقتصادية الدولية. ونرى أن الشركات الوطنية بما فيها شركات النفط والغاز، آخذة أكثر فأكثر بتطوير إمكانيات مواردها المعلوماتية عبر شبكة الانترنيت العالمية، وإدخال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد في مجال العمل والإدارة. وهناك الكثير من الأمثلة الوطنية للاستخدام الفاعل للتكنولوجيا الجديدة، التي يؤدي استخدامها إلى تحسين الإنتاج وترشيد عملياته، وتحسين نوعية المنتجات وتسويقها إلى حد كبير.

وبرأيي أن الاتجاه الأكثر قابلية للتطور في مجال تطوير تكنولوجيا المعلوماتية والتجارة الإلكترونية في العلاقات الدولية للدول النامية ومن بينها الدول العربية هو الشروع في: التوسع في إنتاج مكونات وبرامج الحاسب الآلي، وتشجيع منتجيها على التصدير، وإقامة أنواع من الشراكة مع الشركات العالمية الرائدة في هذا المجال؛ وتطوير إنتاج بدائل للبرامج المستوردة، وبدائل لبعض مكونات نظم شبكات الاتصالات المرئية والمسموعة، والاتصالات بالألياف البصرية وغيرها؛ وتشجيع مؤسسات التعليم العالي والقطاع الخاص لممارسة أعمال البحث العلمي والاختراع في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، ومضاعفة الإسهامات الحكومية فيها؛ وتحفيز إقامة وتطوير الشركات الوطنية العربية الكبيرة القادرة على العمل، والمتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، و في الوقت ذاته تشجيع دخول رجال الأعمال العرب، وقطاع الأعمال الحرة عالم تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد؛ وإدخال مبادئ تقنيات تصميم وإنتاج وصيانة تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد في مناهج التعليم قبل الجامعي وتعريبها؛ وتشجيع التأليف والنشر وإصدار الدوريات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية المتخصصة بقضايا تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد. وأخيراً فإن تطور العمل في مجالات تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد لا يعتبر فقط من الحلول الناجعة لبعض مشاكل الاقتصاد الوطني في بعض الدول العربية وحسب، بل ويوفر للأمن القومي العربي فرصة أكبر للتكامل والمنعة والقوة تعادل مدى وحجم ارتفاع الاقتصاد القومي العربي بشكل عام.

وهنا يجب أن نأخذ باعتبارنا مساعي الدول العربية للتكامل الاقتصادي ليس بينها وحسب، بل ومع الاقتصاد العالمي، الذي تشكل السياسات الحكومية العربية في مجال المعلوماتية محوره، ويجب أن تأخذ تلك السياسات في اعتبارها خبرة السياسات المعلوماتية للدول المتطورة في العالم، والتي يمكن أن تسهم في ردم شيء من الهوة التي تفصلها عنها. وحسب رأي الكثيرين من المحللين، أن أهم شركاء المستقبل للدول النامية في مجال التكنولوجيا الجديدة هي الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعاني اليوم من عجز كبير في المبرمجين المدربين، وتملك أضخم سوق معلوماتية دولية، منتشرة عملياً في كل أنحاء العالم. وأن الشركات الأمريكية تستطيع أن تستوعب البرامج المنتجة في بعض الدول النامية لو رغبت ذلك، وأنها تستطيع توفير فرص تسويق لمنتجات تلك الدول من مكونات تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد وبرامجها، وتصديرها إلى الأسواق الغربية. والدول النامية ومن بينها الدول العربية تستطيع بالكامل أن تسد العجز الذي تعاني منه الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول المتقدمة من المبرمجين والعاملين المتخصصين الفائضين لديها، والمتوفرين في سوق العمل العالمية. خاصة وأن بعض تلك الدول تتمتع بمستويات رفيعة من التعليم المتخصص لدى القسم الأعظم من سكانها، إضافة إلى أنه لبعض تلك الدول منجزات ملموسة في مجال العلوم الأساسية التي يمكن أن تكون في خدمة الاقتصاد العالمي المعاصر.

وختاماً أقول أن الكثير يتوقف على الحكومات وعلى الإرادة السياسية الصلبة، لإنشاء البنى التحتية اللازمة، والقواعد القانونية الكفيلة بإقامة مؤسسات قومية تسمح للدول العربية مجتمعة بتحقيق إمكانيات علمية وتقنية رفيعة، تستطيع أن تشغل مكانتها الملائمة في السوق العالمية للتكنولوجيا العالمية المتقدمة. وهي خطوة أولى من المهام الكثيرة التي من دون حلها سيزداد تخلف الدول العربية عن الدول "الرائدة" في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، وتهدد اقتصادها بالتبعية والخضوع الدائم للمستورد من المنتجات المعلوماتية والتكنولوجية من الدول المتقدمة. ولا أعتقد أنه هناك من يستطيع أن يسمح بأن تتخلف الدول العربية عن عملية العولمة المعلوماتية والاقتصادية والسياسية، ولا أن يسمح بتعريض مصالح الأمن القومي العربي لأية أخطار يصعب حلها في المستقبل. ولهذا أرى أنه لابد من الدعوة للشروع وفق الإمكانيات المتوفرة والمتاحة وبأقرب وقت ممكن لوضع مشروع قومي وإقراره والبدء في تطبيقه من أجل تطوير تكنولوجيا المعلوماتية في الوطن العربي، آخذين بعين الاعتبار حاجات السياسات الخارجية للدول العربية ومسايرتها لمراحل تطور العلاقات الدولية في العالم المعاصر.


آفاق التعاون العربي الأوزبكستاني


آفاق التعاون العربي الأوزبكستاني

كتبها أ.د. محمد البخاري: عربي سوري مقيم في أوزبكستان، ويعمل مستشاراً لرئيس جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية في العلاقات الدولية، وعضواً في هيئة التدريس بقسم العلاقات الدولية، بكلية العلاقات الدولية والاقتصاد. بتاريخ 17/8/2002. ونشرت في العدد رقم 42 نوفمبر 2002 من مجلة تجارة الرياض.

للعلاقات العربية الأوزبكية جذوراً تاريخية مشتركة تعود لبدايات الفتوحات العربية الإسلامية في منتصف القرن السابع الميلادي، عندما ضمت منطقة ما وراء النهر إلى الخلافة العربية الإسلامية في العهد الأموي. ولكن هذا لا ينفي أن العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين العرب وشعوب آسيا المركزية كانت قائمة قبل الفتوحات الإسلامية بوقت طويل، خاصة مع بلاد الشام والرافدين. ولكن الذي حدث مع مطلع القرن الثامن الميلادي أنهم أصبحوا معاً داخل دولة واحدة امتدت حدودها في وقت ما من المحيط الأطلسي غرباً إلى أسوار الصين شرقاً.

ويحمل التاريخ حقائق كثيرة عن توجه جيوش الفتح الإسلامي العربية شرقاً عام 633م، بعد سيطرتها على الدولة الساسانية في فارس، منطلقة منها لنشر الدعوة الإسلامية في ما وراء النهر. واعتبارا من عام 674م انتشرت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة عبيد الله بن زياد داخل المنطقة. ولكن المنعطف الكبير حدث بعد تعيين قتيبة بن مسلم الباهلي والياً على خراسان عام 705م حيث دخل بخارى فاتحاً عام 709م، وخوارزم وسمرقند عام 712م، وما أن حل عام 715م حتى خضعت المنطقة الممتدة حتى وادي فرغانة شرقاً للخلافة العربية الإسلامية.

ويفسر الباحثان الأوزبكيان المعاصران بوري باي أحميدوف، وزاهد الله منواروف، أسباب سرعة إنجاز الفتح الإسلامي وانتشار الدين الجديد في المنطقة، بالخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين الحكام المحليين، والاهتمام الكبير الذي أبداه القادة العرب المسلمين بالمنطقة، بعد أن استقرت الأمور لصالحهم في خراسان. ويشيران إلى أن العرب "لعبوا دوراً تقدمياً في المنطقة، وغالباً ما كانوا يلجأون في تعاملهم مع سكان المنطقة إلى السبل السلمية، ويعفون من يعتنق الدين الإسلامي من الخراج والجزية". وينوهان إلى حقيقة هامة جداً، وهي أنه لا مجال لمقارنة الفتح العربي الإسلامي، بالغزو المغولي أو الروسي أو البلشفي. لأن الإسلام لعب دوراً إيجابياً أدى إلى توحيد المدن والدول والقبائل والشعوب المختلفة، وإلى تطوير العلاقات بين تلك الشعوب. إضافة للأثر الإيجابي الكبير الذي أضفاه الإسلام على العادات والتقاليد المحلية وحتى على أخلاق وسلوك الناس في المنطقة بأسرها، والذي تم بفضله القضاء على العيوب الاجتماعية الكثيرة التي كانت سائدة آنذاك. وأشارا أيضاً إلى الدور الهام الذي لعبته اللغة العربية قي تعريف شعوب آسيا المركزية واطلاعهم على مؤلفات علماء اليونان القدامى، والمخترعات الصينية.

ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر الدور الكبير الذي لعبته شعوب آسيا المركزية، وخاصة الأوزبك في تطوير الثقافة العربية الإسلامية وإسهامهم في تطوير الحضارة الإنسانية في القرون الوسطى. لأن أسماء الأعلام الإسلامية الكثيرة من أبناء شعوب آسيا المركزية معروفة، أمثال: عالم الفلك أحمد الفرغاني (توفي عام 850م)، وعالم الرياضيات محمد بن موسى الفرغاني (783م-850م)، والفيلسوف الكبير أبو نصر الفارابي (873م-950م)، والطبيب الموسوعي أبو علي حسين بن سبنا (980م-1037م)، والعالم الموسوعي أبي ريحان البيروني (973م-1048م)، والموسوعي فخر الدين الرازي، والنحوي والمحدث الكبير الزمخشري (1075م-1144م)، وشيخ المحدثين الإمام البخاري، وغيرهم الكثيرين.

وفي ما يخص إسهام العلماء الأوزبك في الحضارة العربية الإسلامية والعالمية الذي استمر لقرون طيلة، ولم تزل أثاره ماثلة للعيون حتى الآن. وهم الذين ارتحلوا من ما وراء النهر طلباً للعلم متنقلين مابين دمشق وبغداد والبصرة والقاهرة. وخير مثال على ذلك ما خلفه إمام المحدثين أبو عبد الله إسماعيل البخاري (809م-869م)، من تراث يضم أكثر من عشرين مؤلفاً في علوم الحديث أشهرها الجامع الصحيح الذي يضم 7250 حديثاً نبوياً شريفاً. وما خلفه غيره من علماء الحديث الشريف أمثال: السمرقندي (785م-868م)، والهمذاني 1048م-1140م).

وعبر مئات السنين استقرت في ما وراء النهر بعض الهجرات العربية، مما أدى إلى حدوث تفاعل واندماج كامل بين العرب وبين شعوب آسيا المركزية، وأدت تلك الهجرات إلى قيام تجمعات سكانية محلية من أصول عربية لم تزل موجودة حتى الآن وخاصة في ولايات بخارى، وسمرقند، وقشقاداريا، وسورخان داريا في جمهورية أوزبكستان، ولم تزل حتى الآن تحتفظ بطابع حياتها المتميزة رغم فقدانها للغتها الأصلية.

ومن مطالعة المصادر التاريخية الكثيرة نلمس أن العلاقات العربية بشعوب المنطقة أخذت تضعف بالتدريج منذ الاجتياح المغولي للمنطقة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وما نتج عنه من قيام دولة مغولية في المنطقة أسهمت إلى حد كبير في إضعاف تأثير اللغة والثقافة العربية في ما وراء النهر. دون أن تتمكن الدولة المغولية من المساس سلباً بالثقافة الإسلامية، بسبب اعتناق المغول أنفسهم للدين الإسلامي الحنيف. واستمرت العلاقات بالضعف حتى بعد قيام الدولة التيمورية التي أسسها الأمير تيمور "تيمور لانك" (1336م-1405م) والتي امتدت حدودها على أنقاض الدولة المغولية لفترات معينة من ما وراء النهر إلى إيران وأفغانستان والقوقاز وبلاد الرافدين وبلاد الشام وشمال الهند. واتخذت تلك الدولة أيام ازدهارها من سمرقند عاصمة لها. وقامت جمهورية أوزبكستان المعاصرة على القسم المركزي منها، أو وسط ما كان يعرف في مطلع القرن العشرين بتركستان الروسية.

وأدى تفكك الدولة التيمورية في تركستان إلى قيام ثلاث دول مستقلة في المنطقة هي: بخارى، وخيوة، وقوقند. وهو ما سهل الطريق أمام أطماع الإمبراطورية الروسية للتوسع في المنطقة. حيث قامت الإمبراطورية الروسية بعد أن أطبقت جيوشها الجرارة المزودة بأحدث الأسلحة آنذاك على المنطقة بأسرها، بقطع كل الصلات التي كانت تربط بين تركستان (التي أصبحت تعرف منذ ذلك الحين بتركستان الروسية) والعالمين العربي والإسلامي، وجاء الحكم الشيوعي السوفييتي للمنطقة في مطلع القرن العشرين ليشدد من قبضته الحديدية على المنطقة، لتقتصر العلاقات العربية مع دول المنطقة على العلاقات الرسمية التي كانت تمر عبر موسكو فقط. وكان من النادر جداً كما أشار الباحث الأوزبكي زاهد الله منواروف أن تتصل طشقند مباشرة بالعواصم العربية، لأن الاحتلال الروسي والبلشفي قضى على أية إمكانية يمكن أن تسمح بإقامة علاقات مباشرة بين أوزبكستان والدول العربية. ويتابع أنه رغم ذلك فإن الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت العرب والأوزبك استمرت، وعلى أساسها قامت العلاقات العربية الأوزبكستانية بعد الاستقلال.

ولذلك لم يكن غريباً أن قيل بأن العرب قد فوجئوا باستقلال جمهورية أوزبكستان في سبتمبر/أيلول عام 1991. لأنهم كانوا أمام واقع الهيمنة السوفييتية على جمهورية أوزبكستان، إضافة لضعف علاقاتهم معها، ولم يكونوا ليتوقعوا أبداً استقلالها، ولهذا كان تقارب الدول العربية مع أوزبكستان بطيئاً جداً في البداية. لأن الدول العربية كانت حريصة على استكشاف الطريق إلى أوزبكستان دون أن تؤثر علاقاتها المحتملة معها، على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي قبل انهياره المفاجئ، ومن ثم على العلاقات مع الاتحاد الروسي بعد استقلال الجمهوريات السوفييتية الخمس عشرة وقيام رابطة الدول المستقلة مكانه. خاصة وأنها رافقت فترة صعبة من التاريخ كان العرب فيها منشغلين بتداعيات حرب تحرير الكويت من الاجتياح العراقي، والحلول الدولية المنتظرة لقضية الشرق الأوسط والتمهيد لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.

ومع ذلك نرى أن كماً هائلاً من المؤتمرات والندوات قد انعقدت في العديد من الدول العربية بحثت كلها عن أفضل السبل لإقامة علاقات مع جمهوريات آسيا المركزية ومنها طبعاً أوزبكستان، ولكنها لم تسفر عما كان منتظراً من تلك العلاقات. ورغم سرعة الدول العربية بالاعتراف الدبلوماسي باستقلال جمهورية أوزبكستان، تلبية لقرار مجلس جامعة الدول العربية في آذار/مارس 1992، الذي حث الدول العربية على تنشيط الاتصالات بدول آسيا المركزية وفتح سفارات فيها، وإقامة تعاون معها في كل الميادين، وإقامة مراكز ثقافية عربية فيها، فإننا نرى أن مصر والأردن وفلسطين والجزائر والسعودية والكويت فقط افتتحت سفارات لها في العاصمة طشقند، وكانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي أقامت مركزاً ثقافياً عربياً في أوزبكستان، بينما لم تفتح أية دولة عربية مركزاً للاستثمار وللدراسات المالية والاقتصادية والقانونية الذي يعتبر وجوده أمراً مهماً لتنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية، ولهذا استمرت العلاقات الاقتصادية والسياسية ببطئها الشديد الذي لا تتجاوب والعلاقات التاريخية، والعلاقات الاقتصادية المطلوبة في عصر العولمة الذي تتصدره الولايات المتحدة الأمريكية وتهيمن من خلاله على العلاقات الدولية في عالم القطب الواحد.

وعند الحديث عن المصالح الأوزبكستانية العربية المشتركة، لا بد أن نشير إلى حقيقة تظهر واضحة نتيجة لأي عمليات بحث ومراجعة للبحوث والدراسات التي أجرتها مؤسسات البحث العلمي، ومراكز صنع القرار العربية والأوزبكستانية للموقف الجديد الذي تكون في آسيا المركزية بعد استقلال جمهورياتها الخمس. وأظهرت شبكة المصالح المشتركة التي تجمع بين أوزبكستان والدول العربية. وأن هذه الشبكة من المصالح المشتركة تحتم على الجانبين بناء مجموعة من السياسات التي تضمن حماية تلك المصالح المشتركة. ونعتقد أنه لا بد من أن تعتمد الدول العربية في علاقاتها مع أوزبكستان على:

أولاُ: التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهورية أوزبكستان، لأنه بدا واضحاً بعد استقلال جمهوريات آسيا المركزية، أنه هناك تنافساً شديداً بين القوى الإقليمية والعالمية المختلفة، للتأثير على نمط التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهوريات آسيا المركزية. وهو ما أسماه بعض المراقبين "بالمباراة الكبرى الجديدة"، تمييزاً لها عن المباراة الكبرى التي كانت قائمة في تركستان بين بريطانيا العظمى والإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وما سيترتب عن النتيجة النهائية لتلك المباراة الكبرى الجديدة من تأثير مباشر على آسيا المركزية والدول العربية في آن معاً. سيما وأن أوزبكستان تقع في قلب المنطقة التي تربط آسيا بأوروبا، وأن ما يحدث فيها لابد وأن يؤثر بشكل ما على الأحداث الجارية في المنطقة العربية خاصة والشرق الأوسط عامة.

وقد تنبأ الباحث المصري إبراهيم عرفات بأن النزاعات الإقليمية في آسيا المركزية، أو نشوء سباق للتسلح فيها، أو إنشاء منطقة منزوعة السلاح النووي فيها، لابد وأن يكون له انعكاسات مباشرة على الأمة العربية، ومن ثم توقع أن يكون من مصلحة العرب أن تتبع دول آسيا المركزية وفي مقدمتها أوزبكستان منهجاً مستقلاً للتطور يعتمد على رؤية الشعب والنخبة الحاكمة للمصالح الوطنية، وألا تهيمن أية قوة إقليمية أو عالمية معينة على دول آسيا المركزية.

ثانياً: المصالح الاقتصادية وهي الأهم برأيينا لأننا إذا أخذنا في اعتبارنا الأهمية الكبيرة للموقع الإستراتيجي المتميز لأوزبكستان وامتلاكها لكميات مهمة من الموارد الطبيعية والخبرات البشرية والتكنولوجية المتطورة. نرى أن أوزبكستان على ضوئها يمكن أن تكون الشريك المحتمل والمهم لاستثمارات مشتركة عربية أوزبكستانية، يمكن أن تقوم على أساس الموارد المالية العربية، والثروات والقدرات والخبرات الأوزبكستانية، بحيث تسمح تلك الاستثمارات بتنويع البدائل الاقتصادية التقليدية بين الدول العربية وأوزبكستان، ومن خلالها الاستفادة من الخبرات والمقدرات العربية والأوزبكستانية في آن معاً. وقد نوه بعض الباحثين العرب إلى ذلك عندما تنبؤا بأن تمثل الكتلة الاقتصادية الجديدة في حال قيامها، عمقاً حضارياً واستراتيجياً، لما تتمتع به جمهوريات آسيا المركزية من قدرات علمية وإستراتيجية مبشرة، إضافة للقدرات التسليحية الكبيرة عند بعضها. والمنحى الذي لا بد وأن يتخذه التنافس بين القوى في الجوار الإقليمي (روسيا، والصين، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وإيران، وباكستان، والهند، وإسرائيل)، والذي لابد وأن ينعكس على موازين القوى الإستراتيجية في آسيا المركزية وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها.

ثالثاُ: هناك مصالح إستراتيجية خاصة لأن أوزبكستان تعمل على التكامل مع المجتمع الدولي منذ استقلالها، وأخذت بنتيجته تلعب دوراً بارزاً في آسيا المركزية، وأخذت تسهم بقسطها في تسوية النزاعات الإقليمية، وخاصة الصراع الدائر على الأرض الأفغانية. إضافة لمبادرة رئيسها إسلام كريموف لإعلان آسيا المركزية منطقة منزوعة السلاح النووي. وقد بات من الواضح أن أوزبكستان تمثل القوة الأساسية في آسيا المركزية. وأن أية علاقات مع دول آسيا المركزية لابد وأن تمر عبر أوزبكستان بحكم دورها التاريخي والحضاري في العلاقات مع دول المنطقة.

رابعاً: على الدور الذي تلعبه أوزبكستان في إبراز الوجه المعتدل للإسلام في مواجهة حركات التطرف الديني الذي رافق استقلال جمهوريات آسيا المركزية، وأدى ظهور حركات دينية إسلامية متطرفة، هدفها الصدام مع النظم السياسية الدستورية القائمة، ومحاولة تغيير تلك الأنظمة بطرق غير ديمقراطية، عن طريق استخدام القوة والعنف المسلح لبلوغ الهدف الذي وضعته لنفسها. وقد أشار إليها الرئيس إسلام كريموف عندما حدد مصادر تهديد الأمن والاستقرار في أوزبكستان. وأصبح معروفاً اليوم أن بعض تلك القوى والتيارات كانت مدعومة من قبل بعض القوى المتواجدة على الساحة الأفغانية، ومن بينها كانت عناصر عربية تعرف باسم "الأفغان العرب"، وتناقلت الأنباء أخبار الدور المدمر الذي لعبته تلك القوى في أفغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها. وهو ما يثبت فهمها الخاطئ للإسلام والشرع الإسلامي، وأدى انتشارها إلى دول الجوار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واستقلال جمهوريات آسيا المركزية، إلى تهديد الأمن السلام ليس في آسيا المركزية وحسب، بل وأمن وسلامة الشعوب العربية، وإلى تهديد مستقبل العلاقات العربية مع دول المنطقة أيضاً، وأثبتته أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من ردود أفعال على الصعيد المحلي والدولي. ومن هذا المنطلق كان من مصلحة العرب الحقيقية توضيح الوجه الحقيقي للإسلام أمام شعوب آسيا المركزية، عن طريق التعاون الوثيق مع الحكومات الشرعية لدول المنطقة، ونشر الثقافة الإسلامية الحقيقية بوجهها المتسامح والمعتدل من خلال العلاقات الثنائية الاقتصادية والثقافية والسياسية. ومن خلال الروابط الثقافية العربية الأوزبكستانية، وهو ما تسعى إليه أوزبكستان نفسها. والنشاطات التي تقوم بها ممثلية هيئة الإغاثة الإسلامية الكويتية في أوزبكستان خير مثال على ذلك.

ويرى المحللون أن لأوزبكستان مصالح مع الدول العربية لا تقل عن مصالح الدول العربية مع أوزبكستان. ومن نظرة متعمقة في السياسية الخارجية الأوزبكستانية فإننا نرى أن القيادة الأوزبكستانية قد توصلت لجملة من المصالح المهمة تجعلها تلتقي مع الدول العربية منها أن الدول العربية تعتبر ميداناً لتنويع البدائل في السياسة الخارجية الأوزبكستانية، لأنه على ضوء التنافس الدولي حول آسيا المركزية، يظهر ما للدول العربية من أهمية كامتداد حضاري وثقافي وجغرافي قريب ووثيق الصلة بأوزبكستان، التي تتمتع كما سبق وأشرنا بإمكانيات اقتصادية هائلة كمصدر للاستثمارات وللبضائع الاستهلاكية، وكسوق لليد العاملة والتكنولوجيا والمنتجات الأوزبكستانية. فضلاً عن أنه ليس للعرب أية تطلعات إقليمية أو سياسية في أوزبكستان.

ومن هذا المنطلق فإن علاقات التعاون القوية مع الدول العربية تحقق لأوزبكستان مصلحة جوهرية في توسيع بدائلها المتاحة لرسم سياسة خارجية مستقلة تحقق لها علاقات دولية متوازنة ومستقرة، تضمن مصالحها الوطنية، وتخلق لها مجالاً استراتيجيا جديداً يمكنها من خلال دعم المجموعة العربية من التعامل على قدم المساواة مع القوى الأخرى في العالم، تراعى فيه أيضاُ مصالح المجموعة العربية. ومن المؤكد أنه كلما زادت البدائل المتاحة أمام أوزبكستان في العلاقات الدولية، كلما زادت قدرتها على الحركة في مجال العلاقات الدولية، بشكل يؤمن لها أفضل الشروط في التعامل مع الشركاء الدوليين.

والدول العربية وخاصة الخليجية كمجموعة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تشكل قوة اقتصادية ومالية تستطيع أن تقيم استثمارات رابحة في أوزبكستان، تمكن أوزبكستان في نفس الوقت من استغلال مواردها بشكل فعال. إضافة لامتلاك بعض الدول العربية للخبرات الفنية اللازمة لأوزبكستان لإتمام عملية بناء الدولة الفتية، وبالذات خلال مرحلة التحول الاقتصادي إلى اقتصاد السوق، والمستمرة حتى الآن، وما يترتب عنها من بناء نظم اقتصادية ومصرفية، إضافة لفرص التدريب التي يمكن أن تتيحها أوزبكستان وبعض الدول العربية لبعضها البعض في مجال إعداد الكوادر في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والزراعية.

إضافة لحقيقة هامة أخرى وهي أن الدول العربية بالنسبة لجمهورية أوزبكستان هي الساحة والمدخل المهم للاضطلاع بدور ثقافي وحضاري فعال في العالمين العربي والإسلامي. خاصة وأن أوزبكستان تملك تراثاً ثقافياً ودينياً وحضارياً، سبق وأشرنا إليه، وكان له أثر بالغ في تطور الحضارة العربية الإسلامية. وهو ما يؤهلها لتضطلع بدور حضاري متميز في العالمين العربي والإسلامي.

وانطلاقاً من المصالح المشتركة والمتشابكة نرى أن العرب والأوزبك قد بدأوا فعلاً بصياغة جملة من السياسات التي يمكن أن تكفل تحقيق وحماية مصالحهما المشتركة على الصعيدين الإقليمي والإسلامي والدولي. وكان من المنطقي أن تكون تلك الصياغة نقطة البداية لإنشاء وتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية بين الدول العربية وأوزبكستان. خاصة وأن الرئيس إسلام كريموف ومن أجل هذا الهدف بالذات قام ضمن أولى جولاته بعد الاستقلال بزيارة رسمية شملت كلاً من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية عام 1992، وأتبعها بزيارة لفلسطين عام 1998، تم خلالها الاتفاق على تبادل العلاقات الدبلوماسية، والتوقيع على مجموعة من الاتفاقيات الثنائية أكثرها لم يرى النور بعد. ونعتقد أن السبب كان في عزوف القادة العرب لأسباب كثيرة عن زيارة أوزبكستان منذ استقلالها وحتى اليوم، باستثناء الرئيس ياسر عرفات الذي كان القائد العربي الوحيد الذي زار أوزبكستان منذ استقلالها وحتى اليوم.

إضافة لضعف التمثيل الدبلوماسي العربي المقيم في أوزبكستان كما سبق وأشرنا، ففي أوزبكستان اليوم سفارات لمصر والسعودية والأردن والجزائر وفلسطين والكويت معتمدة ومقيمة في طشقند، وللمغرب واليمن سفير معتمد غير مقيم. ولأوزبكستان سفارات معتمدة مقيمة في مصر والسعودية وفلسطين، إضافة للتمثيل القنصلي المقيم في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وجدة بالمملكة العربية السعودية. كما ويمثل السفير الأوزبكستاني في القاهرة بلاده كسفير غير مقيم في الأردن.

وفي إطار العلاقات الدولية نرى أن الدول العربية تدعم المبادرة الأوزبكستانية لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة النووية. وهو ما ظهر أثناء مشاركة بعض الدول العربية في أعمال المؤتمر الدولي الذي عقد في أيلول/سبتمبر 1997 في طشقند لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة النووية، وأعلن الوفد المصري خلاله أن إنشاء تلك المنطقة يعتبر حافزاً لإنشاء منطقة مماثلة في الشرق الأوسط.

كما وبدأت الدول العربية ببناء علاقات اقتصادية مع أوزبكستان، إلا أنها لم تزل محدودة رغم أهميتها. ولابد أن الأسباب تعود لتراجع الموارد المالية لدول الخليج العربية، ولعدم إلمام المستثمرين العرب بالفرص الاستثمارية الكبيرة المتاحة في أوزبكستان. وهي نفس الأسباب التي نعتقد أنها وراء إحجام الدول العربية الخليجية عن الدخول بقوة في السوق الاستثمارية الأوزبكستانية، مكتفية بالأنشطة قصيرة الأجل في التجارة والمقاولات. أما بالنسبة لباقي الدول العربية فالمعضلة الرئيسية هي في نقص مواردها بالعملات الأجنبية، ولو أننا لا نعتبرها سبباً لأن المشكلة كان يمكن حلها عن طريق التبادل التجاري بالتقاص، الذي تحميه الدولة من قبل الجانبين ودون الحاجة للقطع الأجنبي. ومن صيغ الصفقات المتكافئة بين الدول العربية وأوزبكستان نورد ذكر الاتفاقية الموقعة عام 1992 بين مصر وأوزبكستان بقيمة 30 مليون دولار أمريكي.

وفي المجال الثقافي والديني فقد نشطت كلاً من الكويت والسعودية ومصر، من خلال الدور الذي يؤديه كلاً من الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في السعودية، وهيئة الإغاثة الكويتية الإسلامية التي افتتحت لها فرعاً في طشقند كما سبق وأشرنا. إضافة لقيام أوزبكستان بإنشاء صندوق الإمام البخاري الدولي، الذي يخطط حالياً لإنشاء فروع له في مختلف الدول العربية والإسلامية.

وأخيراً لا بد أن نؤكد على حقيقة هامة في عالم العلاقات الدولية المعاصرة الذي تهيمن فيه العلاقات الاقتصادية، وهي أن الاستثمارات المدروسة والناجحة والتي تضمنها الدولة، وتراعى فيها المصالح الوطنية لكلا الجانبين هي الطريق الأمثل لتوسيع وتعزيز العلاقات العربية الأوزبكستانية. فالاستثمارات وخلق المصالح الاقتصادية المشتركة، هي من أفضل السبل التي يمكن أن تبنى على أساسها مبادئ التعاون العلمي والثقافي والسياسي الذي يعزز من الشخصية العربية في المنطقة، ويعزز من شأن الأقلية ذات الأصول العربية من أبناء المنطقة، وهي الأقلية شبه المجهولة اليوم في آسيا المركزية في الإحصائيات الرسمية على الأقل.

والاستثمارات الإنتاجية في المجالات الزراعية، والثروة الحيوانية، والصناعية هي الطريق الأمثل الذي يمكن أن تشجع أطراف المعادلة في العلاقات الثنائية المشتركة بين الحكومات العربية القادرة وحكومات دول آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان، على دفع التعاون العلمي والثقافي بين مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي نحو العمل المشترك، وخاصة من خلال تمويل البحوث العلمية المشتركة لخلق جو بناء يساعد على الحوار والتفاهم والعمل المشترك نحو إزالة ما علق بصورة العرب من تشويه ورثته دول المنطقة عن العهد البائد، وتستغله اليوم بعض الجهات المشبوهة للتأثير السلبي على العلاقات المشتركة العربية الأوزبكستانية، وخاصة خلال العقد الأخير، واشتد قوة وشراسة بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تقصير البعض، والتسرع والحماس الزائد للبعض الآخر، وجهل الآخرين لحقيقة ما يجري في تلك الجمهورية الفتية. ناهيك عن الغياب شبه الكامل للإعلام العربي عن ساحة آسيا المركزية وضمنها أوزبكستان.

هذا إن لم نتحدث صراحة عن كثرة الاستثمارات الهزيلة والاستثمارات الانتهازية لتجار الشنطة العرب الذين جاءوا للمنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لانتهاز الفرص، وتجار الشنطة الأوزبك الذين توجهوا إلى بعض الدول العربية بتشجيع من الطلاب العرب الكثيرون الذين كانوا يدرسون في مؤسسات التعليم العالي الأوزبكستانية بمنح الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، وتحولوا بعد انهياره كما خيل لهم إلى تجار يمارسون تجارة الاستيراد والتصدير، بجهل تام لأصول التجارة والاستثمار الاقتصادي الدولي، مما أوقعهم في أخطاء خلقت مشاكل وعراقيل للاستثمارات العربية الجادة، وأحرجت سفارات الدول التي ينتمون إليها وحتى السفارات العربية التي لا ينتمون إليها أيضاً، وكانت تلك الأخطاء من العوامل المساعدة على تشويه صورة الدول العربية وخاصة تلك التي لم تفتح لنفسها سفارات في المنطقة بعد.

ولتبديل الصورة غير الواضحة بعد في العلاقات العربية الأوزبكستانية لابد من الاستثمار، لأن الاستثمارات العربية في مشاريع التنمية الحكومية الاقتصادية الإنتاجية الأوزبكستانية في المجالات الزراعية، والثروة الحيوانية، والبتروكيماوية، والصناعية، وفي مجال النقل الجوي والبري وبالسكك الحديدية تخلق نوعاً من الاعتماد المتبادل والثقة بين الدول العربية ودول آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان التي لا تملك منافذ على البحر. وتعزز من الشخصية العربية داخل المجتمع الأوزبكستاني متعدد القوميات وتعزز من أواصر الصداقة والتفاهم والتعاون المشترك بين الشعوب والحكومات، وتخلق مصالح اقتصادية، من صالح الجانبين الدفاع عنها وتعزيزها لما فيه مصلحة الطرفين.

ولأوزبكستان مصالح وطنية إستراتيجية تتفهم أهمية تطوير التعاون مع الدول العربية لا بد من الاستفادة منها لتعزيز التعاون العربي الأوزبكستاني المشترك. وتنطلق تلك المصالح الاستراتيجية من جملة حقائق سياسية واقتصادية ودينية وثقافية ثابتة، ربطت العرب بشعوب آسيا المركزية عبر تاريخ طويل ومشترك كما سبق وأشرنا، ولم تتمكن روسيا القيصرية ولا القيادة السوفييتية من بعدها من القضاء عليها. إضافة للظروف المثالية المتاحة للاستثمار في أوزبكستان وتؤهل أية علاقات تجارية واقتصادية ومالية للتطور الناجح لمصلحة كل الأطراف المشاركة في معادلة الاستثمار، لو صبت تلك الاستثمارات في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي أعدتها الحكومة الأوزبكستانية للنهوض باقتصادها الوطني بشكل علمي ومدروس.

لأن أوزبكستان تملك ثروات زراعية وحيوانية ضخمة، إضافة للاحتياطي الكبير من الثروات الطبيعية، وتنتج العديد من المنتجات الصناعية اللازمة للدول العربية كالتعدين والآلات والمعدات الزراعية والجرارات والسيارات والطائرات والمواد الأولية اللازمة لصناعات كثيرة، إضافة لمصادر الطاقة المتنوعة الكافية لتطوير البنية الأساسية للاقتصاد الوطني المستقل، والكوادر التقنية والفنية والعلمية المدربة تدريباً جيداً، والخبرة الكبيرة في مجالات الري والزراعة في المناطق الصحراوية. وهي بحد ذاتها تشكل قاعدة صلبة لأي تعاون أو شراكة بين أوزبكستان وأية دولة عربية في المستقبل، وتعتبر مجالاً واسعاً لتوظيف رؤوس الأموال العربية.

وعند الحديث عن الثروة الزراعية نرى أن أوزبكستان تشغل اليوم المركز الرابع في الإنتاج والمركز الثاني في تصدير القطن بين دول العالم المنتجة للقطن، إذ يبلغ إنتاجها من هذه المادة الإستراتيجية الهامة حوالي أربع ملايين طن سنوياً. إضافة لإنتاجها لأكثر من ثلاثين ألف طن من شرانق الحرير الطبيعي، ناهيك عن التنوع الكبير في المحاصيل الزراعية التي تشمل إنتاج أكثر من ثلاثة ملايين طن من الخضراوات والفواكه، يمكن تجهيزها وتصنيعها وتصدير أكثر من نصفها للأسواق الخارجية. ومنها الأسواق العربية لو وجدت المستثمرين العرب الراغبين في ذلك. إضافة للثروة الحيوانية الضخمة التي يمكن أن تصبح المصدر الرئيسي لتزويد أسواق دول الخليج العربية باللحوم لو أحسن الاستثمار المشترك فيها.

وأما ما يتعلق بالثروات الباطنية التي تشمل الذهب والفضة وغيرها من المعادن الثمينة، إضافة للغاز الطبيعي والبترول. فأوزبكستان تشغل المركز الرابع في إنتاج واحتياطي الذهب في العالم، وتستخرج سنوياً حوالي 70 طن من الذهب، وتشغل المركز الثاني بين دول رابطة الدول المستقلة، بعد جمهورية روسيا الاتحادية التي أنتجت 130 طناً من الذهب عام 1995. كما ويستثمر جزئياً مناجم لـ 96 معدناً من بينها التيتان، والمنغنيز، والفضة، والنحاس، والزنك، والسترونتيوم، واليورانيوم، وغيرها من الثروات الباطنية. والاستثمارات العربية يمكنها أن تسهم في تلك المجالات اليوم من خلال دعم الجانب الأوزبكستاني في التعامل مع المصارف الدولية الممولة. ولأن الاستثمار في أوزبكستان أصبح اليوم يعتمد على قاعدة قانونية صلبة وملا ثمة للمستثمرين الأجانب، وتضمن مصلحتهم ومصلحة تطوير الاقتصاد الوطني الأوزبكستاني، وتضمن تفعيل الاتفاقيات الثنائية في مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والنقل الموقعة بين الحكومة الأوزبكستانية وبعض الحكومات العربية ولم تر النور بعد. لأن تلك القاعدة القانونية مجهولة للكثير من المستثمرين العرب على ما نعتقد بسبب انعدام وجود مكاتب علمية للاستشارات والدراسات الاستثمارية والقانونية العربية في أوزبكستان، بين المكاتب العلمية للدراسات الاستثمارية الأجنبية والمشتركة المعتمدة والكثيرة في طشقند، والتي على ما نعتقد أن لا مصلحة لها بتشجيع أية صورة من صور التعاون الاقتصادي العربي الأوزبكستاني وهذا مفهوم لأن السوق الاستثمارية تعتمد قبل كل شيء على روح المنافسة، والسعي لاحتكار السوق الاستثمارية قدر الإمكان. فهل تبادر المؤسسات الاستثمارية العربية لفتح مكاتب لها في أوزبكستان يا ترى ؟ حرصاً منها على عدم إضاعة أية فرصة للاستثمار الخارجي الناجح قبل فوات الأوان. وهو سؤال نتركه لأصحاب القرار !!

السبت، 09 جمادى الثانية، 1423، الموافق 17 أغسطس، 2002


الجمعة، 29 يناير 2010

العولمة وقضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة


العولمة وقضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة

كتبها أ.د. محمد البخاري: مواطن عربي سوري مقيم في أوزبكستان، دكتوراه في العلوم السياسيةCD. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD (صحافة)، أستاذ مادة التبادل الإعلامي الدولي بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية. عام 2005.

العولمة وقضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة كان موضوع الأطروحة التي دافعت عنها أمام المجلس العلمي المتخصص في أكاديمية بناء المجتمع والدولة التابعة لرئيس جمهورية أوزبكستان يوم 8/7/2005 للحصول على الدرجة العلمية "دكتوراه العلوم CD في العلوم السياسية " الاختصاص: 23.00.03 – الثقافة السياسية والأيديولوجية؛ والاختصاص 23.00.04 – المشاكل السياسية للنظم العالمية والتطور العالمي.

النقاد الرسميون: تيمور عبد اللاييفيتش جوراييف: دكتور في العلوم الفلسفية، بروفيسور. وزاهد الله إلهام خوجاييفيتش منواروف: دكتور في العلوم السياسية، بروفيسور. ونارز الله قاسيموفيتش جوراييف: دكتور في العلوم السياسية، بروفيسور.

الهيئة المرشحة: معهد الدراسات الإستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان.

وتناول موضوع البحث تطور ومكانة ودور وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية ووسائل الاتصال والتبادل الإعلامي في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية من وجهة نظر ضرورة دراسة الاتجاهات الأساسية للتبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية؛ ومبادئ الصحافة الدولية؛ والعلاقات الدولية؛ والعلاقات العامة الدولية كهدف من أهداف التبادل الإعلامي الدولي.

وكان الهدف من البحث دراسة مسائل الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي، والتبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية والسياسة الحكومية الخارجية، ومراحل تطور التبادل الإعلامي الدولي المعاصر ودوره في التفاهم الدولي. ومحاولة كشف النواحي العملية والنظرية لمفهوم وطبيعة التبادل الإعلامي الدولي من خلال العمل مع وسائل الإعلام الجماهيرية ووسائل الاتصال في إطار الدبلوماسية الشعبية والعلاقات الدولية، ودراسة تأثير مختلف حقائق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العالمية الحديثة والمعلوماتية على عمليات تعبئة الرأي العام الدولي من خلال الحوار الثنائي ومتعدد الأطراف في إطار العلاقات الدولية كعنصر من عناصر الوظيفة الدبلوماسية. وتحليل التبادل الإعلامي الدولي من وجهة نظر الأمن القومي والأمن الإعلامي ومبادئ الاستخدام الأمثل للمعلومات من قبل الأجهزة الحكومية. وتحديد مفهوم التخطيط الإعلامي، وطبيعة عمل الحملات الإعلامية والمراكز الإعلامية الدولية.

واعتمدت طرق البحث المستخدمة في الأطروحة على نتائج بحوث الباحثين العرب والأوزبك والأجانب، والمبادئ النظرية للبحوث في مجال العلوم السياسية، ونظريات العلاقات الدولية، والحقوق، والصحافة الدولية، وطرق البحوث السياسية لمراحل تطور ودور التبادل الإعلامي في العلاقات الدولية مع الاعتماد على المواد الإعلامية المنشورة.

أما نتائج البحث وحداثته فاعتمدت على أنه وللمرة الأولى تتم محاولة لتحليل مكانة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من النواحي التاريخية والسياسية ضمن إطار العلاقات الدولية على عتبة القرن الحادي والعشرين. وإظهار تأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة على تطور العلاقات الدولية، وخاصة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ودراسة دور التبادل الإعلامي الدولي ضمن إطار عملية تحول التبادل الإعلامي الدولي إلى أحد الأشكال الرئيسية لنشاط الدول على الساحة الدولية، وهو الذي احتل مكانة هامة في السياسات الخارجية للدول. مع إبراز المكانة المتميزة لدور التبادل الإعلامي الدولي في نشاط أهم المنظمات الدولية والإقليمية. ومحاولة التنبوء بمستقبل التعاون الإقليمي والدولي في مجال الأمن الإعلامي، والتحدث عن الطرق الممكنة للتكامل والتعاون على أعلى المستويات بين الدول ضعيفة التطور والدول النامية في العالم ضمن المنظومة الإعلامية الدولية. ولأول مرة بذلت محاولة لتحليل ورصد مبادئ الوضع الراهن وآفاق مستقبل تطور النظام الدولي للتبادل الإعلامي في العلاقات الدولية المعاصرة، مع استخلاص الصعوبات التي تعترض طريق التطور المتصاعد للتعاون الإعلامي ذو المنافع المتبادلة، وتعزيز المواقف المستقبلية في العديد من قضايا العلاقات الدولية المعاصرة.

وانطلقت الناحية العملية للبحث من أن تطور وأهمية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في نهاية القرن العشرين رافقتها عملية تشكل الدول المستقلة الحديثة وانتهاء المرحلة الطويلة "للحرب الباردة" بين الشرق والغرب. وأن الدراسة العلمية لآليات الاعتماد المتبادل والتأثير المتبادل لهذه الدول والدول المتطورة في العالم في إطار المجتمع الدولي يمكن أن تفيد في دراسة تاريخ أي منطقة أو دولة في العالم، ومن دون شك أنها تتمتع بأهمية نظرية، لأنها تخدم وتغني النظريات التي تعتمد عليها الدول في العلاقات القانونية والسياسية الدولية. كما وظهرت للبحث خصائص متميزة لأنها أظهرت تأثيرات العولمة وتميز بعض المناطق والدول عن غيرها من المناطق والدول في العالم، وتأثيرها على الغير بغض النظر عن عوامل البعد الجغرافي. كما وأنها تفيد في دراسة عملية التبادل الإعلامي، ودور مختلف دول العالم في العلاقات السياسية والإعلامية الدولية، مع التركيز على خصائص تحول تلك الدول إلى أطراف تتمتع بكامل الحقوق في المجتمع الدولي خلال القرن العشرين.

وظهر مستوى التطبيق العملي والفاعلية الاقتصادية من خلال المواد التي نشرها الباحث عن موضوع البحث ضمن 40 مادة نشرها في أوزبكستان، وسورية، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والكويت، واليمن. كما وتم تدريس مواد تتعلق بموضوع البحث في الدورات الخاصة التي شملت طلاب مرحلة البكالوريوس ومرحلة الماجستير في كلية العلاقات الدولية بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وكلية الصحافة في الجامعة القومية الأوزبكية، وكلية الصحافة الدولية بجامعة اللغات العالمية خلال الأعوام الدراسية 1995/1996 - 2004/2005، وفي قسم الصحافة بجامعة قره قلباقستان الحكومية في العام الدراسي 1998/1999. بالإضافة إلى ذلك تم إلقاء محاضرات في المؤتمرات العلمية النظرية السنوية لأساتذة وأعضاء هيئة التدريس في معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية التابع لوزارة التعليم العالي والمتوسط التخصصي بجمهورية أوزبكستان.

أما مجالات التطبيق العملي لنتائج البحث فأظهرت أنه يمكن استخدامها في النشاط العملي للهيئات الحكومية والمنظمات الاجتماعية، التي تعمل في مجال قضايا السياسة الخارجية والإعلامية. وفي التعليم العالي التخصصي لإعداد المتخصصين في الدراسات الشرقية، والصحافة، والتاريخ، والمتخصصين في العلوم السياسية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاقتصادية الدولية ضمن إطار دراسة مسائل تأثير المعلوماتية والتبادل الإعلامي الدولي على عولمة نظم العلاقات الدولية والعلاقات الاقتصادية الدولية.

وقد جرى الدفاع عن الأطروحة في مبنى أكاديمية بناء المجتمع والدولة التابعة لرئيس جمهورية أوزبكستان يوم الجمعة 8/7/2005 أمام المجلس العلمي المتخصص والذي يضم في صفوفه نخبة من المتخصصين في العلوم السياسة والقانون الدولي من بينهم أعضاء في البرلمان الأوزبكستاني، ومرشح سابق لمنصب رئيس الجمهورية، ورئيس سابق للجنة الانتخابات المركزية في البرلمان الأوزبكي. ونتيجة لعملية التصويت السري الذي تم بعد المناقشات حصلت على الدرجة العلمية "دكتوراه العلوم CD في العلوم السياسية" الاختصاص: 23.00.03 – الثقافة السياسية والأيديولوجية؛ والاختصاص 23.00.04 – المشاكل السياسية للنظم العالمية والتطور العالمي بإجماع أصوات أعضاء المجلس العلمي المتخصص.

ومن بين المصطلحات المستخدمة في البحث: الأمن في المجال الإعلامي، السياسة الحكومية الخارجية، العولمة، مهام التبادل الإعلامي الدولي، الثورة المعلوماتية، الاستقلال الإعلامي للدولة، المعلوماتية، الأسلحة المعلوماتية، الحرب المعلوماتية، الحملة الإعلامية، العلاقات الدولية، التبادل الإعلامي الدولي، المجتمع الدولي، الصحافة الدولية، العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية، التفاهم الدولي، التدفق الإعلامي الدولي، التعاون الدولي، احتكار وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية، الأمن الإعلامي الدولي، التقدم العلمي والتكنولوجي، مجالات الصراع الجديدة، الأمن القومي والأمن الإعلامي، الدبلوماسية الشعبية، العلاقات الاجتماعية، النظم السياسية والاجتماعية، عمليات التبادل الإعلامي الدولي، مبادئ الصحافة الدولية، الاستخدام الأمثل للمعلومات، عمليات تشكيل الرأي العام، تنظيم التدفق الإعلامي، وسائل الإعلام الجماهيرية ووسائل الاتصال، التبادل الإعلامي الدولي المعاصر، تعبئة الرأي العام، عناصر الوظائف الدبلوماسية.

لأن الحديث عن التبادل الإعلامي الدولي في حياة الأمم المعاصرة، وفي ظل النظام الدولي الراهن أًصبح واحداً من أكثر الموضوعات إثارة للاهتمام، وذلك نظراً للإمكانيات الهائلة القائمة والمحتملة للتبادل الإعلامي الدولي على ضوء التطور الهائل في وسائل الاتصال الإلكترونية. التي تنبأ لها البعض بأنها ستمكن الإنسان في نهاية القرن العشرين من الحصول على أية معلومات يريدها بمنتهى السرعة واليسر والسهولة. وهو ما حدث فعلاً عبر شبكات الكمبيوتر العالمية، والقنوات التلفزيونية الفضائية، ووسائل الاتصال الأخرى من هاتف محمول وفاكس وتلكس وبريد إلكتروني... الخ. والتي أصبحت تستخدمها فعلاً وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، لمخاطبة العقول أينما كانـت، ومهما تباينت، وبأية لغة يفهمها الإنسان المعاصر الذي تميز بسعة الأفق والمعرفة، بفضل المعلومات التي وضعتها بين يديه وسائل الإعلام الجماهيرية أينما كان.

كما وسمحت تقنيات الاتصال الحديثة للتدفق الإعلامي الدولي أن يكون تبادلاً إعلامياً دولياً، تسيطر فيه الدول المتطورة بفضل إمكانياتها المادية والعلمية والتقنية. ولو أن أية دولة أو أية جماعة مهما كان حجمها وإمكانياتها تستطيع ولوج عالم التبادل الإعلامي الدولي بالحرف والصوت والصورة دون عوائق تذكر. وقد التفتت الدول والتجمعات الدولية اليوم، بعد أن تجلت لها حقيقة الثورة المعلوماتية خلال العقود الثلاثة الماضية، إلى التركيز على أهداف ووظائف التبادل الإعلامي الدولي، وردم الهوة بين الدول المتطورة والغنية، والدول الأقل تطوراً والمتخلفة والفقيرة.

وأصبح المدخل لدراسة مشاكل الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي، تدارس قضايا الإعلام والاتصال، والسعي لإقرار نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي، يهدف أساساً إلى الحد من اختلال التوازن بين الدول المتقدمة والدول النامية. ويجعل من التبادل الإعلامي الدولي المفتوح مجالاً للحوار بين الأمم والثقافات، لا السيطرة كما يرغب منها البعض.

خاصة بعد أن أحدثت ثورة المعلومات الناتجة عن التطور العلمي والتقني الهائل لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، تغييرات جوهرية داخل المجتمعات في مختلف الدول، بفارق سجل نسب التطور في كل مجتمع من مجتمعات الدول المتطورة والأقل تطوراً والدول النامية في العالم. والدولة وكما كانت الحال منذ القدم هي العنصر الأساسي في العلاقات الدولية، رغم التأثر الواضح الذي بدرت ظواهره تزداد وضوحاً كل يوم، من خلال تأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المتطورة في عملية التبادل الإعلامي الدولي. ورغم ذلك تظل الدولة دون سواها العنصر الرئيسي في وضع وتنظيم وضبط آليات العلاقات الدولية ومن ضمنها عملية التبادل الإعلامي الدولي. خاصة وأن مفهوم قوة الدولة على الساحة الدولية، كان ولم يزل مرتبطاً منذ البداية بقوة وتماسك الدولة من الداخل، والذي تعززه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الوطنية من خلال تأثيرها على الجمهور الإعلامي وتكوينها للرأي العام.

ومما لاشك فيه اليوم أن ثورة وسائل الاتصال الحديثة، وما نتج عنها من امتداد وانتشار لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بأشكالها التقليدية والحديثة، قد تركت بصماتها على دور الدولة الذي بدأ يضعف في مجتمع عصر التدفق الحر للمعلومات عبر تقنيات الاتصال الحديثة من الجانبين. ولم يعد بالإمكان التحدث اليوم عن السيادة الإعلامية ضمن الحدود السياسية للدولة، وعن التحكم بعملية تدفق المعلومات لداخل تلك الحدود، وبالتالي الانفراد بتشكيل عقول مواطني الدول بما يضمن الولاء التام للدولة، بنفس الطريقة التي كانت مطروحةً به قبل انهيار المنظومة الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي السابق. خاصة وأن تأثير ثورة المعلومات قد شمل سلباً الدولة بكل مكوناتها من حدود سياسية معترف بها، وشعب وحكومة وأصبحت السيطرة على عملية تدفق المعلومات شبه مستحيلة بعد أن تحولت المعلومات إلى عناصر غير ملموسة وغير مرئية، يسهل تنقلها واختراقها لأي حدود سياسية أو جغرافية كانت، مهما بلغت نوعية وكمية ودرجة إجراءات الحماية ضد اختراق التدفق الإعلامي الحديث.

ولا أحد ينكر الدور الذي لعبته الصحافة المطبوعة في بلورة الشخصية القومية للأمم، عندما وفرت للشعوب إمكانية المشاركة في عنصري الزمان والمكان عن طريق اشتراك أبناء الشعب الواحد في قراءة صحيفة تتحدث بنفس اللغة، وتحمل على صفحاتها نفس الزوايا والأبواب وتصدر في مكان وزمن محدد، مما دعم الشعور القومي لدى هذه الشعوب. أما اليوم فقد تقلص البعد الجغرافي، وزال الفاصل الزمني، وأصبحت تقنيات الاتصال الحديثة تقفز من فوق الحواجز وتخرقها. وما كان مستحيلاً في عالم الاتصال بالأمس، أصبح اليوم واقعاً ملموساً، وكأن مصدر المعلومات والقائم بالاتصال والجمهور الإعلامي مهما باعدت المسافة الجغرافية بينهم، داخل ساحة إعلامية واحدة تعجز الدول عن التحكم بها، مما ترك بدوره أثاراً بالغة على الشعور الوطني والتماسك الاجتماعي، والولاء للدولة من قبل المواطنين المنتمين للدول المعرضة للاختراق الإعلامي.

ويمثل الاستقلال السياسي للعديد من دول العالم إثر انهيار المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي السابق، أحد خصائص النظام الدولي الجديد الذي أخذ بالتبلور منذ العقد التاسع من القرن العشرين. ورغم ذلك فإن الظروف العالمية الراهنة تظهر اتجاه بعض الدول إلى تبني هيمنة وتأثير بعض الدول المعينة، على هذا النظام الدولي الجديد الآخذ بالتبلور. بينما تتجه دول أخرى لرفض تلك الهيمنة والتأثير عليها، إضافة للسعي الحثيث للعديد من شعوب المناطق المضطربة والداخلة ضمن الحدود السياسية لبعض الدول، إلى الاستقلال السياسي عنها والتمتع بالسيادة القومية على أراضيها.

وقد كان لمعادلة القوى تأثيرها على التبادل الإعلامي الدولي، كنتيجة للتقدم التكنولوجي والعلمي في مجال تقنيات الاتصال دوراً، فقد أصبحت الدول أكثر ارتباطا وقرباً من بعضها البعض أكثر من ذي قبل، وأصبح للتبادل الإعلامي الدولي والاتصال دوراً متميزاً في العلاقات الدولية، خاصة فيما يتعلق بمكونات الشخصية القومية لمختلف الشعوب، وتشكيل وتوظيف السياسة الخارجية للدول، ووسائل السياسات الدولية بشكل عام. ويمثل عدم التوازن والتفاوت في الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي، بين مختلف دول العالم، أحد الأبعاد الهامة في السياسة الدولية. وهذا يؤكد أن التدفق الحر للمعلومات لا يعد أكثر من مجرد تدفق في اتجاه واحد، وليصبح التدفق حراً لا بد من تحقيق شيء من التوازن الحقيقي بين الدول.

وقد يحدث عدم التوازن داخل دورة التبادل الإعلامي الدولي بأشكال مختلفة، مثلاً:

- بين الدول المتقدمة والدول الأقل تقدماً والدول النامية؛

- وبين الدول ذات النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة؛

- وبين الدول المتقدمة المنتمية لنفس المنظومة السياسية، وخاصة من حيث الإمكانيات، بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة؛

- وبين الدول النامية نفسها، والدول الفقيرة ذات الدخل المنخفض، والدول الغنية ذات الدخل المرتفع من عائدات الموارد الطبيعية مثلاً؛

- وبين الأنباء المشجعة والأنباء السيئة.

وكل هذه الأشكال من حالة عدم التوازن، لا تقتصر فقط على التدفق الإعلامي والاتصال والتبادل الإعلامي الدولي فقط، بل تتعداها إلى جمع وإعداد ونشر المعلومات لأغراض التطور العلمي، ونقل التكنولوجيا المتطورة الجديدة، وحاجات الاقتصاد الوطني ... الخ. وبالتالي يؤدي هذا إلى اتساع الفجوة بين الدول المرسلة، أي منابع التدفق الإعلامي الدولي، وبين الدول المستقبلة، أي المستهلكة للمادة الإعلامية الدولية.

وقد دعت الدول المنتسبة لبعض التكتلات الدولية، كمنظمة الدول غير المنحازة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والمنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وغيرها من المنظمات، إلى استقلالية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، وإلى تحقيق التوازن في تدفق الأنباء والتخفيف من آثارها السلبية، ونادت هذه الدول بإقامة نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي، ليحل مكان النظام القديم، من خلال بناء نظام دولي للاتصال أكثر حرية ومرونة، وأكثر عدلاً وفاعلية وتوازناً، نظام جديد مبني على أسس المبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص بين مختلف دول العالم.

ويرتبط التدفق الإعلامي، ونظام الاتصال الدولي، والتبادل الإعلامي الدولي، بمفاهيم متداخلة، مثل (حرية الإعلام)، و(التدفق الحر للإعلام)، و(التدفق المتوازن للإعلام)، و(النمو الحر للوسائل الإعلامية).

وهناك بعض الصعوبات الناتجة عن بعض التصرفات السياسية، التي تعيق حرية التبادل الإعلامي الدولي، ويمكن تداركها بسهولة لو توفرت النوايا الحسنة، مثل استخدام العنف الجسدي ضد الصحفيين، والتشريع القمعي، والرقابة المجحفة، وإدراج أسماء الصحفيين في القوائم السوداء، ومنعهم من النشر، وحظر انتقال الصحف والمجلات والكتب ومنع استيرادها، أو تصديرها في بعض الأحيان من قبل الدول المتقدمة، خوفاً من تسرب التكنولوجيا المتطورة.

وقد أستخدم مبدأ التدفق الحر للإعلام كوسيلة سياسية في الصراع بين الدول الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، والدول الرأسمالية المتطورة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إبان سنوات الحرب الباردة. ووسيلة اقتصادية من قبل الدول الغنية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية الموجهة للدول النامية. ولهذا رأت الدول النامية في مبدأ التدفق الحر للإعلام، تأكيداً لسيطرة عدد قليل من الدول الصناعية المتقدمة على سيل المعلومات المتدفقة إلى الدول النامية. وترى أن حرية الإعلام تعني أن يكون تدفق المعلومات باتجاهين، تأكيداً للعدالة في التبادل الإعلامي الدولي.

وقد أدى مبدأ التدفق الحر للإعلام، إلى تدفق أحادي الجانب للمعلومات والرسائل الإعلامية، والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية، وبرامج الكمبيوتر والمنتجات الثقافية من الدول المتطورة صناعياً إلى الدول الصغيرة الأقل تطوراً والدول النامية، مما عزز من سيطرة مراكز القوى في العالم، وأحكم سيطرتها على عملية التدفق الإعلامي من الشمال الغني إلى الجنوب الفقير.

والتدفق الإعلامي باتجاه واحد الذي يعتمد على أنماط تاريخية وثقافية معينة، يؤثر حتى على بعض الدول الداخلة في إطار إقليم جغرافي واحد، إذ نرى في أوروبا أن بعض الدول تسيطر على سيل المعلومات المتدفقة من القارة الأوربية، وتتجاهل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية لهذه الدول المسيطرة، الإنجازات الضخمة والنجاحات التي حققتها بعض الدول الأوربية الصغيرة، أثناء بثها للمعلومات من خلال عملية التبادل الإعلامي الدولي.

وعلى هذا الأساس فإنه يمكننا استنتاج ما يلي:

- أنه هناك سيل جارف من المعلومات بين شمال القارة الأمريكية، والقارة الأوربية؛

- وأنه هناك اتجاه واحد للتدفق الإعلامي، يتركز من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها، يستقبل من خلاله العالم أكثر من 90 % من المواد الإعلامية عبر لندن وباريس ونيويورك.

ويظهر هذا بوضوح في عدم التوازن في إنتاج الصحف والمجلات والكتب وبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية، وغيرها من المواد الإعلامية، ونشرها وتوزيعها عبر الشبكات الدولية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ويعكس في نفس الوقت الوضع الحقيقي للتبادل الإعلامي الدولي. وكانت ردة فعل الدول المتقدمة والمسيطرة على وسائل الاتصال والتدفق الإعلامي بشكل عام، على مساعي مجموعة الدول غير المنحازة لتقوية وضعها في إطار التبادل الإعلامي الدولي غير مرضية.

ويعد التدفق الإعلامي في اتجاه واحد، انعكاسا لسيطرة النظم السياسية والاقتصادية للدول المتطورة والمسيطرة في العالم، والتي تؤكد دائماً على تبعية الدول الأقل تطوراً والدول النامية للدول المتقدمة، من خلال تركيز وسائل إعلامها الدولية على الأزمات والصراعات والصدامات العنيفة.

كما ويعد التدفق الإعلامي الدولي رأسياً، بدلاً من أن يكون أفقياً كونه أحادي الجانب، يأتي من الأعلى من الدول المتقدمة، إلى أسفل للدول الأقل تطوراً والدول النامية. وكل ما سبق ذكره يظهر معادلة القوى في التبادل الإعلامي الدولي، في إطار العلاقات الدولية.

ومن الظواهر الواضحة في التبادل الإعلامي الدولي، بعد التطور الهائل لوسائل الاتصال والإعلام الحديثة، طرح المعلومات كسلعة وخدمات تتمثل في نقل وحفظ واسترجاع البيانات والمعلومات. واحتلال الأنشطة التجارية حيزاً كبيراً من المساحة الإعلامية. وهو ما تظهره الصحف والمجلات وبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية وبرامج الكمبيوتر في القنوات والشبكات العالمية، مما يقلل من القيمة الثقافية والاجتماعية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، ضمن عملية التبادل الإعلامي الدولي.

وللصحافة الدولية جوانب مختلفة في إطار العلاقات الدولية، من خلال اضطلاعها بدورها ضمن إطار السياسة الخارجية للدولة. ويمكن القول بأن السياسة الخارجية لأي دولة هي نتاج لعدة عوامل مشتركة، داخلية وإقليمية ودولية. وتتناول العوامل الداخلية التراث الثقافي والتاريخي والفكري، والأوضاع الاجتماعية والسكانية، والإمكانيات الاقتصادية والعسكرية، إضافة للتركيبة السياسية.

وترتبط العوامل الإقليمية، بالنظام الإقليمي السائد في الإقليم الذي تنتمي إليه هذه الدولة، ومدى تأثر السياسة الخارجية للدولة بهذا النظام، وتفاعل عناصر القوى داخل الإقليم، وعلاقة النظام الإقليمي بالنظام العالمي. كأقاليم جنوب شرق آسيا، وآسيا المركزية، والعالم العربي، وحوض البحر الأبيض المتوسط، وحوض الكاريبي، وغيرها من الأقاليم. أما العوامل القارية فترتبط بتفاعل عناصر القوى على مستوى القارة بكاملها، والأنظمة السائدة فيها وإمكانية تأثيرها على السياسة الدولية كما هي الحال في الاتحاد الأوروبي ومنظمة الوحدة الإفريقية مثلاً.

وتتناول العوامل الدولية، النظام الدولي وخصائصه، وتطوره وأبعاده، والعلاقة بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة، والدول الغنية والدول الفقيرة، وعناصر قوى الأطراف المختلفة ومدى تأثيرها على السياسات الخارجية لدول العالم. واعتماداً على كل تلك الحقائق يتم رسم وتشكيل السياسة الخارجية للدولة من قبل أجهزة رسم السياسة الخارجية للدولة، وكثيراً ما تكون هناك مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية، وكثيراً ما يفوق دور المؤسسات غير الرسمية على دور المؤسسات الرسمية، وإن كان ذلك يختلف باختلاف النظم السياسية ودرجة التطور في مختلف أنحاء العالم.

ويلاحظ أن السياسة الخارجية الحديثة، لم تعد تعتمد على فرد، بل أصبحت تعتمد على فريق عمل متكامل، مزود بأحدث تقنيات الاتصال التي تمكنه من الوقوف على تطور الأحداث فور وقوعها، مما أفسح المجال لصاحب القرار في مجال السياسة الخارجية، ليعتمد على فريق عمل من المستشارين المتخصصين في تخصصات متنوعة، فتعرض عليهم الموضوعات التي تدخل ضمن إطار تخصصاتهم، وفي بعض الأحيان يعرض الموضوع الواحد على أكثر من مستشار بتخصصات متعددة لها علاقة بالموضوع قيد البحث، وبناءً على ذلك توضع عدة بدائل تعالج موضوع واحد مع شرح للمساوئ والمحاسن التي ترجح كل بديل عن غيره، تاركين القرار لصاحب الحق في اتخاذ القرار في مجال السياسة الخارجية للدولة.

ورغم اعتماد السياسة الخارجية للدولة على الدراسة والأساليب والمناهج العلمية الحديثة المتطورة والمنطقية في اتخاذ القرار، إلا أن هذا لم ينفي دور المؤسسات الديمقراطية من برلمان وأحزاب وتجمعات سياسية واستفتاء شعبي، لإضفاء الشرعية على قرار معين في إطار السياسة الخارجية للدولة.

وكثيراً ما تكون هناك سياسة خارجية معلنة للدولة، وسياسة فعلية غير معلنة ولظروف معينة قد تختلف السياسة المعلنة عن السياسة الفعلية غير المعلنة، وقد يعلن عن السياسة الفعلية بعد زوال الظروف التي حالت دون إعلانها.

وتدخل السياسة الخارجية للدولة حيز التنفيذ فور اعتمادها، بإتباع كل الوسائل المتاحة سياسياً واقتصاديا وعسكرياً وإعلامياً واجتماعيا وثقافياً، ويدخل في إطار الوسائل السياسية التمثيل الدبلوماسي المعتمد، والمقابلات والزيارات الرسمية، والمعاهدات، ودبلوماسية القمة التي يلجأ إليها في المسائل الملحة والهامة والمصيرية. ويساعد على ذلك اليوم التطور الهائل لوسائل المواصلات والاتصالات التي قصرت المسافات بين الدول، ووفرت الوقت والجهد. فانتقال صورة وثيقة رسمية عبر الأقمار الصناعية من جهاز فاكس موضوع في كندا إلى جهاز مماثل له موضوع في آسيا المركزية مثلاً يستغرق دقائق لا أكثر، وعبر شبكات الكمبيوتر ثوان لا أكثر مع إمكانية تخزين وتعديل واسترجاع وطباعة المعلومات المرسلة والمستقبلة عبر شبكات الكمبيوتر والبريد الإلكتروني مرات ومرات.

ومن الوسائل المتبعة في تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، اتفاقيات التعاون الاقتصادي والمالي، وتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارة الخارجية، وتقديم الهبات والمساعدات والقروض المالية، وإقامة المشروعات الاقتصادية المشتركة، وإرسال الخبراء الاقتصاديين. وهو ما يسمى بدبلوماسية المساعدات الاقتصادية لتحقيق أغراض سياسية معينة.

فكيف ومتى بدأت ملامح هذا الوضع بالتكون؟ هذا السؤال الذي حاولت الإجابة عنه من خلال البحث الذي تناولت فيه موضوع الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي في محاولة لسد شيء من الفراغ الذي تعاني منه المكتبة العربية في هذا المجال الهام.

وقد تناول البحث في الفصل الأول منه استعراضا موجزاً للصحافة المطبوعة والمسموعة والمرئية ووظائف الصحافة الدولية، ومشاكلها ودوافعها. بينما تناول الفصل الثاني: عرضاً موجزاً لأكثر النظريات الإعلامية انتشارا في العالم. أما الفصل الثالث: فتناول مراحل نشوء وتطور وكالات الأنباء العالمية، التي لم تفقد مكانتها بعد التطور العاصف لوسائل الاتصال، بل على العكس من ذلك مكنتها وسائل الاتصال الحديثة المتطورة من مضاعفة اختراقها للساحة الإعلامية الدولية وزادت من دورها في عملية التبادل الإعلامي الدولي إن كان في جمع المعلومات، أم في إعدادها بمادة إعلامية، أم في طريقة عرضها، أم في اختيار قناة الاتصال الأكثر فاعلية لإيصالها للمتلقي أينما كان، بأقل فاقد وأكثر فاعلية وتأثيراً. وللمقارنة أوردت بعض وكالات الأنباء الآسيوية والإفريقية، واتحادات وكالات الأنباء ووكالات الأنباء المتخصصة. وتناول الفصل الرابع: مراحل نشوء وتطور الصحافة المطبوعة الدولية في بعض دول العالم المتقدمة والنامية كنماذج للمقارنة بينها. واستعرض الفصل الخامس: التدفق الإعلامي الدولي، والتبادل الإعلامي الدولي ودورهما في التعاون الدولي وتكوين وجهات النظر، وأساليب وتقنيات وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية كمصدر للتبادل الإعلامي الدولي وفاعليته من الجوانب الثقافية والتقنية. واستعرض الفصل السادس: موضوع التبادل الإعلامي الدولي ضمن إطار العلاقات الدولية، وإطار السياسة الخارجية للدولة، ومشاكل التبادل الإعلامي الدولي ودوره في التفاهم الدولي، وخصائص التبادل الإعلامي الدولي وتأثيره على اتخاذ القرارات، والاحتكار في التبادل الإعلامي الدولي. وتناول الفصل السابع: التبادل الإعلامي الدولي في عصر العولمة، ومفهوم الدولة في عصر "العولمة"، والتبادل الإعلامي الدولي من وجهة نظر الأمن القومي، وكوظيفة للدبلوماسية الرسمية، والمستشارون والملحقون الإعلاميون، والوظيفة الدولية للتبادل الإعلامي الدولي، ودور العلاقات العامة الدولية (الدبلوماسية الشعبية) والإعلان فيها، وأخيراً التخطيط الإعلامي والحملات الإعلامية الدولية.

أملا أن يلبي هذا الجهد العلمي المتواضع بعضاً من حاجة الباحثين وطلاب الصحافة والعلاقات الدولية للمعلومات في هذا المجال، للاستفادة منها في دراساتهم وبحوثهم عن مشاكل الإعلام والاتصال الدولي.

ومما سبق نرى أن هناك مشكلة حقيقية ماثلة للعيان تهدد الأمن الإعلامي الوطني والقومي للدول الأقل تطوراً والنامية، وتعاني منها الدول العربية والإسلامية، وتهدد الأمن الإعلامي الإقليمي والدولي، وتعيق التفاهم الدولي، وتضع البشرية أمام مسؤولية التصدي لها وتقديم الحلول الناجعة لمعالجتها، قبل أن تصبح مفاتيح المشكلة حكراً على البعض مستعصية على البعض الآخر، ويؤدي استخدامها لاندفاع البشرية إلى تطوير أنواع جديدة من السيطرة الإعلامية والمعلوماتية والأسلحة الفتاكة التي أصبح الاتجاه فيها يتطلع نحو الفضاء الكوني من قبل دول تتحدث دائماً عن حقوق الإنسان وتستخدمه ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتستثني نفسها منه وتتجاهل حق الإنسان الأساسي الذي وهبه له الله عز وجل، ألا وهو الحق في الحياة الحرة الكريمة البعيدة عن التسلط والفرض والإكراه.

وأرى أن يجري البحث عن الحلول في إطار التفاهم الدولي والعلاقات الدولية انطلاقا من مبدأ الاحترام المتبادل، واحترام السيادة الوطنية، وفي إطار الدبلوماسية الدولية داخل أروقة منظمة الأمم المتحدة، وعلى مستوى منظماتها المتخصصة، والمنظمات الإقليمية التي هي أدرى بمصالحها الوطنية الإقليمية المرتبطة بالمصالح الإنسانية لعالم اليوم. وهذا يحتاج قبل كل شيء إعادة النظر في السياسات الإعلامية الحالية، وتحديد مواقف الحكومات والقوى السياسية من المشكلة وفق منظور المصالح الوطنية العليا لكل دولة، وتوحيدها على ضوء المصالح القومية للدول العربية، والإسلامية التي تجمع الدول الإسلامية والمسلمين في العالم قاطبة، والمصالح الإنسانية التي تجمع شعوب العالم بأسره.

وهنا يبرز دور جامعة الدول العربية وأجهزتها المتخصصة، ومجلس تعاون دول الخليج العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من التجمعات الإقليمية والدولية، والدبلوماسية الثنائية بين الدول، في تنسيق الجهود والمواقف والعمل الجماعي من خلال المنظمات الدولية، ومن خلال مواقف محددة من المشكلة، التي يمكن أن تساعد على إيجاد أطر للعمل الجماعي لمواجهة المشكلة، من ضمن إطار الشرعية الدولية لتحقيق أوسع تعاون دولي مفيد وواقعي وممكن يساعد على حل مشاكل الأمن الإعلامي الوطني والقومي والإقليمي والدولي. ويضمن تنفيذ الإجراءات الجماعية المتخذة لحل المشاكل الجديدة والصعبة الناتجة عن دخول الإنسانية عصر "العولمة المعلوماتية". وتوفر الأمن الإعلامي الوطني والدولي الواقعي الذي يضمن سيادة المصالح الوطنية ومساواتها لجميع دول العالم صغيرها وكبيرها، فقيرها وغنيها. ويتصدى لأي عدوان خارجي أو إجرامي أو إرهابي يتعرض له المجال الإعلامي من قبل أي كان، ولأي دولة من دول العالم.

وهذا على ما أعتقد لا يعفي الدول العربية والإسلامية القادرة، من واجب إعادة النظر في سياساتها الإعلامية والشروع بإنشاء مؤسسات متخصصة للقيام بالدراسات والأبحاث الضرورية التي تمكنها من مواجهة وامتلاك ناصية تقنيات وتكنولوجيا سلاح القرن الحادي والعشرين "السلاح الإعلامي"، لتقدمه دعماً للدول الشقيقة عند الضرورة، ولمواجهة عدو شرس ينتشر كالأخطبوط في كل أنحاء العالم ويتربص بالجميع ويملك أفتك صنوف الأسلحة التي تفتقت عنها العبقرية البشرية، ومن بينها طبعاً "السلاح الإعلامي" الذي برع في استخدامه، لشل قدرة خصومه على المواجهة، وخداع الرأي العام العالمي، وإقناعه بحقائق محرفة تخالف حتى الثوابت التاريخية والثقافية والشرعية غير القابلة للجدل.