السبت، 18 مارس، 2017

تشكيل علي هولا في ذكرى رحيله..فنان الضوء والإيقاع اللونـي النابـض


طشقند 18/3/2017 أعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "تشكيل .. علي هولا في ذكرى رحيله..فنان الضوء والإيقاع اللونـي النابـض.." نشرت صحيفة الثورة الدمشقية في زاويتها "ثقافة" يوم الجمعة 17-3-2017 مقالة كتبها: أديب مخزوم، وجاء فيها:


تمر الذكرى السنوية الرابعة عشرة لرحيل الفنان التشكيلي علي هولا، وتبقى لوحاته، التي أبرز من خلالها، قدرة على التنويع والتفاعل، مع بعض الاتجاهات الفنية الحديثة، في ذاكرتنا، ولقد تميز بغزارة الانتاج، رغم رحلة حياته الفنية القصيرة (1970- 2003) ولا نزال نشاهد له لوحات جديدة، لم تكن معروفة، على صفحته، التي تشرف عليها أسرته.

ولقد قدم في بعض لوحاته، الأشخاص في فضاء المنظر الطبيعي، بأسلوب تقني لافت، واستخدم اللطخات اللونية السميكة، وبالتالي تعامل مع الأشكال على أنها غير ثابتة، وأنه يمكن تعديلها، بحيث تستجيب للرؤى الفنية الحديثة، بعيداً عن الصياغة الواقعية التقليدية، فالتأليف كان يخرج من مشاعره وأحاسيسه ورؤاه الفنية، مركزاً لإبراز الإيقاع اللوني والغنائية التعبيرية، والموسيقا البصرية التي كانت إحدى ثمرات بحثه التشكيلي الذي توصل إليه، على الصعيدين التكويني والتقني.‏‏


حركات الأشخاص‏‏
والمعرض الذي رأيناه قبيل رحيله بفترة قصيرة، بدا مشغولاً بانفعالية بارزة، ورغم تعبيريته الصارخة في بعض اللوحات، وجدنا لوحات أخرى واقعية مشغولة بأعصاب هادئة، تخفف من انفعالية ذلك الحضور اللوني العفوي، المسيطر على بقية لوحاته. فقد كان أكاديمياً متحرراً، وملوناً جريئاً، وعارفاً لأبجدية وجماليات الفن الحديث. كان فنان الطرب والإيقاع اللوني، كما كان وقبل أي شيء آخر، الفنان الذي يمتلك حساسية خاصة، في معالجة حركة الأشخاص، في فضاء المنظر الخلوي، وضمن مناخ لوني وتشكيلي مميز وخاص.‏‏

ورغم كل العفوية والانفعال الذي رأيناه في بعض لوحاته، بقي اهتمامه منصباً على إبراز التناسب والتناسق في شخوص لوحاته، وكان يتنقل بين الدقة الواقعية، وبين العفوية التعبيرية، ولوحاته تشدنا ليس بموضوعها المحبب فحسب، وإنما بمعالجتها التقنية العفوية، التي تجعل لمسات اللون متراقصة في فضاء المشهد، لاسيما حين كان يتجه لاضفاء حركات لونية مصاغة بحرية ومجسدة بالاحساس مباشرة، وبالتالي فهذه الحركات السريعة، التي تحدد عناصر الطبيعة والأشكال الإنسانية والزهور وغيرها، تبدو غنية بعجينتها وبتعبيريتها ومكثفة بالأحاسيس العميقة وإيحاءات المد الانسيابي، الذي يلغي الثرثرة التفصيلية، على حساب إظهار حداثة المناخ التكويني والتلويني.‏‏


هكذا نقع في لوحاته على أسرار ومكامن المشهد، حيث كان يختبره ويبدل في وضعياته وإضاءاته وطرق معالجته، من منطلق الحفاظ على الخط الأسلوبي، وكل ما تستلزمه اللوحة الناضجة من توازنات في التأليف والتلوين، وهو في تنقله من لوحة إلى أخرى كان يتجنب أسلوب القفز أو الانقلابات المفاجئة، إن كان لجهة معالجة اللون أو لجهة صياغة الخطوط والظلال الملونة.‏‏


وإذا كانت الاتجاهات التعبيرية والوحشية لما بعد غوغان وماتيس وفلامنك ودوفي.. قد قدمت له الحرية التعبيرية في معالجة اللمسة الغنائية، فإن المناخ اللوني الشرقي قدم له الوهج والبريق والإشراق الضوئي.‏‏


فقد كان بمثابة الزاهد المأخوذ ببريق الألوان المحلية والأجواء الشرقية التي بلورت تلقائيته وعفويته، وساعدته على تحقيق الانفلات المبكر من قيود المنظور التسجيلي التقليدي، فاللون الحار على سبيل المثال كان يضعه على سطح اللوحة بعنف تلقائي واضح، الشيء الذي يؤكد نبض الحياة الشرقية التي تعصف وبشكل ملتهب في لمساته اللونية بحركاتها العنيفة والصارخة.‏‏


التقاء وافتراق‏‏
ولقد أفسحت له دراسته الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة، المجالات الشاسعة لرحلة الكشف التلقائي عن الأفكار التشكيلية، التي كانت تحمل تطلعات الحداثة، ضمن إطار الواقعية التعبيرية أحياناً والواقعية الانطباعية أحيانا أخرى، وحيث استعاد في لوحاته مجد اللمسة اللونية التلقائية والعفوية، وتوصل إلى لونية محلية متوهجة ومختزنة في ذاكرته البصرية، وكان همه في جميع مراحله البحث عن البحور اللونية الشرقية، وهنا تبرز نقاط الالتقاء والافتراق عن المناخ اللوني الأوروبي.‏‏

هكذا ازدادت قناعته يوماً بعد آخر، بضرورة التعلق بالوهج اللوني الموجود في حياتنا اليومية أو في المشهد المحلي العام. وهو في لوحاته يبقى على ارتباط بالواقع والصورة حتى حين يصل إلى حدود التبسيط والاختزال والاختصار. وفي جميع مراحله الفنية بقيت الطبيعة المحلية مطبوعة في مخيلته وظاهرة في لوحاته، فهو لم يقدم لنا لوحات تجريدية أوروبية، وإنما قدم لوحات مرتبطة بهاجس بيئوي وتطلع حيوي نحو الاستعانة بالطبيعة والبيوت والمرأة السورية.‏‏


واهتم الراحل علي هولا في إبراز الضوء، بعيداً عن توكيد المنظور، حيث قدمه في أكثر الأحيان على أنه يشع من اللمسات اللونية المتراقصة، أو من أماكن موزعة بآلية عفوية، مبدلاً بين لوحة وأخرى، صيغته اللونية والضوئية، حيث تمازجت الطبيعة مع ذاته، فبدت الأشجار والخضرة طيعة، وقابلة للتجاوب مع أحاسيسه العميقة. ولقد غاب خط الرسم (فاللون هو الذي يرسم الشكل) وتحولت اللوحة إلى مزيج من الضربات والحركات اللونية المتجاورة والمتداخلة والموضوعة فوق بعضها البعض، في خطوات الوصول إلى معطيات اللون والضوء والشكل كلغة جمالية حديثة، باحثاً عن المزيد من العفوية والانفعالات المفرطة، التي نجدها في إيقاعات حركات الألوان المتتالية والمتراقصة التي توحي بالموسيقا، وتكشف بالتالي عن حلمه بإضافة الحيوية والحركة إلى اللوحة، وصياغة الايقاعات اللونية والغنائية البصرية، التي تبرز حيوية الحركة وتناسق التأليف والتلوين.‏‏
facebook.com/adib.makhzoum‏‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق