الجمعة، 21 مايو، 2010

المواهب الخيرة والمعطاءة تخلد أعمال الباحثين العلميين

المواهب الخيرة والمعطاءة تخلد أعمال الباحثين العلميين
أقيمت في مركز الفنون القومية بطشقند منذ فترة أمسية لإحياء الذكرى الـ 95 لميلاد غالينا أناتوليفنا بوغاتشينكوفا (1915- 2007)، العضوة في أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان، والعالمة التي تخصصت وكرست حياتها العلمية لدراسات فن العمارة القديمة في أوزبكستان. وجرى خلال الأمسية تقديم آخر كتاب أصدره لها صندوق منتدى الثقافة والفنون الأوزبكستانية، وحرره وأعده للإصدار عضو أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان إدوارد ريتفيلادزي وحمل عنوان "الهندسة المعمارية في عهد ألوغ بيك".
وأعادت هذه المناسبة لذاكرتي ذكريات لقائي الأول بهذه العالمة الكبيرة الذي جرى في مطلع ثمانينات القرن الماضي بمكتبها في الطابق الثاني بمعهد الفنون بطشقند وكان من ضمن اللقاءات والحوارات التي أجريتها بمعهد الفنون خلال إعدادي مواد لمقالة عن الفنون الجميلة في أوزبكستان، نشرتها بمجلة الحياة التشكيلية الدمشقية في عددها المزدوج 17/18 الصادر عام 1985.
وأذكر كيف استغلت غالينا بوغاتشينكوفا فرصة لقائها مع صحفي سوري في طشقند لتتحدث وبدفء عن ذكرياتها وانطباعاتها عن مشاهداتها للآثار المتميزة في سورية خلال الزيارة التي قامت بها لسورية في سبعينات القرن الماضي ولقاءآتها مع علماء الآثار السوريين، وعن جهودهم المبذولة من ضمن سياسة الدولة للحفاظ على الآثار السورية الغنية والتي اعتبرتها خلال حديثها معي ثروة عالمية بجذورها التاريخية المتميزة.
وغالينا أناتوليفنا بوغاتشينكوفا معروفة في العالم كباحثة بارزة في فن العمارة والفنون الجميلة والتطبيقية القديمة ومرحلة القرون الوسطى في آسيا المركزية. وعرفت كإنسانة تتمتع بمعارف موسوعية واسعة، وخصصت حياتها لدراسة التراث العلمي الغني لأجداد الشعب الأوزبكي وأصدرت أكثر من 700 عمل علمي، نشرت بالكثير من لغات العالم كالانكليزية، والفرنسية، والألمانية، والإيطالية، وغيرها من اللغات. وشغلت دراسات فن العمارة في عصر الأمير تيمور والتيموريين من بعده مكانة هامة في التراث العلمي التي خلفته غالينا بوغاتشينكوفا. ومن ضمنها كان كتابها الجديد الذي قدم للقراء بعد وفاتها بسنوات عن "فن العمارة في عهد ألوغ بيك".
وتضمن الكتاب فصولاً حملت عناوين "فن العمارة في عهد ألوغ بيك"، و"ثلاث أقوال عن الآثار في سمرقند"، و"شاهي زيندة"، و"مسجد وضريح بيبي خانم"، وغيرها. وتضمن ملخصاً لسيرة حياة الحاكم والعالم العالمي البارز ميرزة ألوغ بيك، ووصفاً مفصلاً لنشاطاته المعمارية في سمرقند، وبخارى، وشهرسابرز، وتركستان. وأشارت في كتابها إلى أن فكرة إنشاء مجمع ريغيستان تعود لألوغ بيك، الذي بنى أول مدرسة في موضع يقع غرب ساحة ريغيستان. بالإضافة لمبادرته ببناء واحد من أفضل المراصد الفلكية في ذلك الوقت، والذي عكف فيه ميرزة ألوغ بيك لتأليف جدوله الفلكي الشهير الذي يبهر بدقته حتى العلماء المعاصرين اليوم.
ونتيجة لاعترف العالم بأعمال غالينا بوغاتشينكوفا. انتخبت عضواً في أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان، والأكاديمية الدولية لفن العمارة في الدول الشرقية، وللعضوية الفخرية في أكاديمية العلوم بجمهورية طاجكستان، وانتخبت عضواً مراسلاً بمعهد فن العمارة في ألمانيا، وعضواً مراسلاً بمعهد الشرقين الأوسط والأدنى الإيطالي، وحصلت على الدكتوراه الفخرية من جامعة ستراسبورغ الفرنسية. وحصلت أعمالها على تقدير ومكافآت حكومات العديد من الدول. وهي العالمة الوحيدة في أوزبكستان التي حظيت بوسام "السعفة الأكاديمية" الفرنسية الذي تقلدته عام 1995.
وشارك في حفل تقديم كتابها الجديد "فن العمارة في عهد ألوغ بيك" تلاميذها السابقون وزملائها في العمل، وحشد من الضيوف، واستمتعوا جميعاً بمشاهدة فلم وثائقي تحدث عنها وعن أعمالها، وتبادلوا ذكرياتهم حول الأحداث التي أحاطت بهذه المرأة الرائعة.
وأشار نائب رئيس أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان سيد أحرار غلاموف إلى أن كتب غالينا أناتوليفنا بوغاتشينكوفا قدمت تاريخ أوزبكستان في اليابان، وكوريا، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، وإنكلترة، والكثير من دول العالم، واعتبرها كلها تراث ضخم يضم مئات الأعمال التي تحدثت عن فن العمارة القديمة في آسيا المركزية، وخاصة أوزبكستان. واعتبر الكتاب الحالي "فن العمارة في عهد ألوغ بيك" الذي قام بتحريره عضو أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان إدوارد ريتفيلادزي واحتفل بتقديمه خلال الأمسية، إضافة جديدة لتلك الأعمال القيمة. واعتبر أعمالها إسهاماً كبيراً في تطوير العلوم العالمية لأنها كلها تحدثت وأثبتت للعالم الإسهام الكبير والدور الهام لعلماء آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان في تطور الحضارة العالمية.
وقال محرر الكتاب عضو أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان إدوارد ريتفيلادزي في كلمته جئت إلى طشقند بدعوة من غالينا أناتوليفنا بوغاتشينكوفا، ومنذ ذلك الوقت بقينا دائماً معاً، وشاركت معها بكتابة كتاباً علمياً كبيراً حمل عنوان "شمال طاهرستان، باكتيريا"، وفي كتابة الكثير من المقالات، التي نشر بعضها في دول أجنبية. وعملنا معاً في البعثات العلمية، ودرست عندها دائماً تاريخ فن العمارة، وتاريخ الفنون. وكتبت عنها الكثير من المقالات العلمية. وأعمل جاهداً في هذه الأيام لإصدار كتابي الجديد الذي يحمل اسم "ذكريات بيضاء". ومن بين ستة فصول تضمنها الكتاب ثلاثة منها خصصتها لغالينا بوغاتشينكوفا. ومن تلك الفصول فصلاً يحمل عنوان "لأول مرة في أوزبكستان وأول بعثة أثرية مع غالينا أناتوليفنا بوغاتشينكوفا"، ولا غرابة في أني استطيع التحدث عن غالينا أناتوليفنا بوغاتشينكوفا، عدة ساعات، لأنها كانت إنسانة عظيمة، وعالمة عظيمة اهتمت جيداً بتلاميذها. وعبرت بمهارة عن العلوم، لأنها كانت عظيمة ولم تتوقف أبداً عن البحث والتدقيق والإبداع، مما جذب إليها أجيالاً مختلفة من الباحثين، واعتبرها كلها من صفات المواهب الخيرة والمعطاءة التي تتمتعت بها هذه العالمة.
وبقي أن أقول أني أكتب هذه السطور علها تذكر بعض علماء الآثار السوريين اللذين التقوا بها خلال سبعينات القرن الماضي، بإنسانه غيبها الموت ولم تزل أعمالها العلمية شاهداً حياً على جهدها العلمي الكبير. أ.د. محمد البخاري، طشقند 21/5/2010.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق