السبت، 14 مارس، 2015

سوريا وتستمر المغالطات المحرضة والمشوهة (مادة تستحق القراءة بعمق)


على مايبدوا أن نفس تلك القوي التي نجحت بالتسلل عبر باكستان إلى أفغانستان بغزوة استيطانية مستمرة حتى الآن، ونجحت بتدمير اقتصادها وبنيتها التحتية ولحمتها الوطنية وشردت أبناءها، نحجت هذه المرة بنقل تجرية ذلك الغزو الإستيطاني عبر تركيا، التي أصبحت تقوم بالدور الباكستاني على ما يبدو، ودول الجوار الأخرى إلى سورية والعراق بعد أن نجحت بنقله إلى دول إسلامية وعربية أخرى في العالم، وفي هذا السياق أعجبني ما نشرته جريدة الوطن العمانية في عددها الصادر اليوم 14/3/2015  تحت عنوان "رأي الوطن: سوريا .. وتستمر المغالطات المحرضة والمشوهة" في افتتاحيتها التي جاء فيها:


لم يكن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مجبرًا على الوقوف على المنبر ليلقي خطبته الوعظية العصماء حول الأزمة السورية والتي حاول خلالها استجداء عينيه علها تسعفه ولا تحرجه ولو بدمعة واحدة لتجعل مضامين خطبته مقبولة لدى المتلقين، خاصة حين حاول أن يقلب موازين ما أصبح ثابتًا من الحقائق بعد أربع سنوات على المؤامرة الكونية التي تستهدف سوريا وعموم المنطقة، وذلك عندما أراد تبرئة ساحة الإرهاب وعصاباته وداعميها من أي دور لهم في الكارثة، وسوق الاتهامات التي عرَّاها الزمان والمكان والشعب السوري ذاته، ضد الحكومة السورية بعدم تجاوبها مع مطالب السوريين ومقابلة هذه المطالب بالرصاص.
لكن حين نضع سياقات التصريحات والخطب التي تصاغ في دوائر التآمر والاستخبارات وتوزع على الأتباع ليحفظوها عن ظهر قلب ويرددوها متى استوجب الموقف ذلك، نكتشف المغزى الحقيقي من إلقاء مثل هذه الخطب والتصريحات في مثل هذا التوقيت والموقف. فخطبة بان كي مون التي حاول عبرها توظيف الأمم المتحدة ودورها ومكانتها ـ حسب تصوره وفهمه طبعًا ـ في خدمة الجهود القائمة من قبل معسكر التآمر والعدوان على الشعب السوري بدعم الإرهاب، جاءت هذه الخطبة متزامنة مع إعلان الولايات المتحدة أنها تبحث في نوع الدعم المحتمل الذي يمكن أن تقدمه للإرهاب ولعصاباته التي اصطلحت على تسميتها بـ”المعارضة المعتدلة” لستر دورها المباشر في إيذاء الشعب السوري من خلال الإيعاز إلى العصابات الإرهابية التابعة لمعسكر التآمر والعدوان بقيادة واشنطن بالاستمرار في الاستيلاء على منازل المواطنين السوريين وإعمال الأساليب الصهيونية ذاتها ضد الشعب الفلسطيني بالقتل وتهجير من بقي ونهب ما فيها من ممتلكات وتدميرها إما مباشرة أو التحصن فيها لإجبار الحكومة السورية على استخدام القوة لإخراجهم منها، وكذلك الاستمرار في تدمير المؤسسات الخدمية التي تخدم الشعب السوري، ومواصلة ضرب المواقع الأمنية والعسكرية وتدميرها واستنزاف قدرات الجيش العربي السوري. كما جاءت خطبة بان كي مون ومعها تصريحات ودعوات المنظمات التابعة للمنظمة الدولية متزامنة مع التقدم الميداني للجيش العربي السوري.
كم هو مخجل ومحزن أن يكون للأمم المتحدة دور مثل هذا بالتغطية على دور قوى كبرى في مجلس أمنها وعلى دور أعضاء بها في دعم الإرهاب والإصرار على إبادة الشعب السوري وإفراغ سوريا منه بعد تدميرها لصالح قوى الظلام والاستعمار والرجعية، بدل أن تفعِّل دورها وميثاقها ومعاهداتها من أجل استقرار الشعوب والأمن والسلم الدوليين. وكم هو مخجل ومحزن أن تمارس عبر أمينها العام مثل هذه التمويهات والتشويهات وأساليب التحريض والترويج المؤججة للإرهاب والتآمر، وأن لا تحترم إرادة الشعب السوري واختياره قيادته والذي قال كفى حين خرج جماعات ووحدانًا متحديًا تهديدات معسكر التآمر والعدوان وعصاباته الإرهابية باستهدافه إذا خرج للتصويت في الانتخابات الأخيرة التي أجمع فيها على شخص الرئيس بشار الأسد الذي لو كان ـ كما قال بان كي مون ـ يقتل شعبه لما اختاره الشعب السوري وكان سبب صمود سوريا وبقائه في قيادة المعركة ضد المؤامرة الإرهابية.
وإذا كان الأمين العام للأمم المتحدة صادقًا في خطبته التي ألقاها على الملأ، فإن عليه أن يتبع قوله بالفعل، بالمطالبة الصريحة بتخلي دول معسكر التآمر والعدوان عن دعم الإرهاب وتعرية مواقفها، لا التغطية عليها بمثل هذه الخطب الرنانة في الوقت الذي يجري فيه معسكر التآمر والعدوان تحضيراته لمضاعفة دعمه للإرهاب وحماية عصاباته بهدف إلحاق المزيد من جرائم القتل والدمار بالشعب السوري وبوطنه. وعلى الأمين العام للأمم المتحدة مراجعة وضع سوريا وحال الشعب السوري قبل المؤامرة ليعرف ما إذا كان المواطن السوري جائعًا ومتسولًا ومحتاجًا لدولار واحد مغسول بالدم وتفوح منه روائح التآمر والعدوان والعمالة والخيانة، وليعرف هل كانت سوريا قبل المؤامرة مديونة بدولار واحد لأي مؤسسة من مؤسسات الاستعمار والاستعباد العالمي البغيض.
وفي نفس العدد نشرت تحت عنوان "السوريون والعام الخامس من الحرب الكارثة" مقالة للمفكر السوري البارز علي عقلة عرسان، جاء فيها:

ستون يومًا وأربعمئة وألف يوم مرت على سوريا الوطن والشعب والدولة، ولكل يوم منها ثقل أيام وأيام، ذاك هو عمر الأزمة التي أصبحت كوارث منذ الخامس عشر من آذار/ مارس ٢٠١١ تواصل توالدها وتمددها وتوقدها نارًا ودمارًا وقتلًا وتشريدًا وحقدًا وكراهية.. ثم فتنة مذهبية تكبر وتكبر حتى أصبحت تغطي العراق ومساحات من أرض الشام، وها هي تعرِّس في اليمن، وتفتح حرب السنة والشيعة في أماكن من الوطن العربي والعالم الإسلامي، في غياب لحكم العقل والدين وقيم الإنسان ووعي المسلمين وأنواع التشريعات والقوانين..!! أربع سنوات مثقلات بالدم والرعب والإرهاب والمجاعات والفجائع، مكللة بالبؤس المادي والمعنوي، السياسي والاجتماعي.. غطت سوريا من أقصاها إلى أقصاها وفي كل الاتجاهات الأصلية والفرعية، وشوهت وجهها القومي والإنساني وأعطتها وجهًا غير وجهها الحضاري.. وما زالت دوامة الموت والتشويه تلك تفعل فعلها وتزداد قسوة ووحشية ودموية؟! ستون يومًا وأربعمئة وألف يوم والخنادق تتوالد خنادق، والبنادق تستبدل بصواريخ، والقذائف تتواكب مع البراميل المتفجرة والكل يفتك بسوريا الشعب والوطن، وموسم حصاد الأرواح يمتد عبر الفصول الأربعة.. فهل من عاقل يصدق ما نحن فيه وما نستسلم له من جنون، وهل من وطني بأي معيار يقبل أو يسوِّغ ما وصلنا إليه وما نندفع في دروبه من أفعال؟! وهل هناك من يفسر أو يتفهم كيف أفضت معالجة سياسية قاصرة لمطالب قد يكون في ظلالها مثالب، أدت إلى أن يتسلح بها تآمرٌ أو… أو… ينفذ من بواباتها إلينا، ونتوغل في ذلك غير مدركين لما يمكن أن يؤول إليه الحال.. وأنه كان يمكن، بل لا بد من أن، نجهض التآمر بأفعال بناءة وعقول حاكمة وبصائر نافذة بدلًا من أن يحمل غيرنا ونحمَّل رايات المتآمرين ومشاريعهم ونرويها بالدم السوري الذي تقابل في خنادق؟! والأدهى الأمرّ في ذلك ومن ذلك، أن كل بوارق الأمل في تغليب العقل على هذا الجنون بالتوصل إلى حل سياسي، بعد كل هذه المآسي والفواجع، تغيب كلما لاحت، وتدفن كلما رفعت رؤوسها، وتغيِّب معها آمال الناس بأمن من جوع وخوف، ويتصاعد العنف لترفع فوق كل مستنقع دم رايات تستدعي الدم بمنطق الانتقام والجهل والتطرف وبجاهلية جهلاء لا تعفي الأذكياء والأغبياء من تحمل المسؤولية عنها.. حيث تُنكأ الجروح وتنزُّ القروح ويستنفَر ما في التاريخ من عداوات، وما في بعض الأنفس من أمراض مستعصية على العلاج، فيستمر القتل والتدمير والنزوح، وتضيع أجيال وأجيال في رمال الفقر والجهل والتيه، وتبعث العداوات، ويتجدد عزم الغواة والبغاة المتقاتلين على مزيد من الاقتتال بوحشية فاقت تصور من يتابع المشهد السوري طوال تلك الأيام السنوات، ومن يعرف عن سوريا وشعبها ما يعرف من تاريخ ثقافي وحضاري وقيم تعايش وتفاهم وتعاون؟!
وفي مفتتح العام الخامس من عمر الحرب، ها هو كل من ادعى ويدعي حبَّنا، وكل من قال إنه يريد حريتنا وتحريرنا واغترب أو كان مغتربًا “من أجلنا؟!”، وكل من نَفَر واستنفر ليدافع عنا ويحمينا من مدعي الحب الحرية والتحرير و.. إلخ، ها هم جميعًا بين قاتل يقتلنا، وتاجر يبيعنا في السوق ويشتري بنا، وباحث عمن يرتهنه ويرتهن ما تبقى منا ومن وطننا وشعبنا ومستقبلنا، لدى من يناديه ويناجيه ويرتجيه ويرى فيه أقرب إليه منا.. ها هم يفعلون ذلك ليواصلوا دروب الحروب، وليبقى من يتعلق “بحبنا وبمهمة تخلصنا وإنقاذنا” في موقعه ومُعْتَصَمِه.. بينما ندفع نحن السوريون لجميع أولئك الفرقاء، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ثمن “حب هو الخيانة” و”إنقاذ هو الإهلاك” وخلاص لن يأتي”.. وفوقه كل ما يبغون من حطام الدنيا وجاهها ومتعها المحلَّلة والمحرّمة، وقيمة الفتك المتبادل، وما يلحق بالقيم والروح والهوية والدين والإنسان من تهافت وذل.. ندفع لهم دمنا وكل ما تبقى لنا في عيش هو الشقاء الذي ينحرنا؟! والمضحك المبكي، المفجع المضني، أن المخلصين يرون من معتَصماتهم المحمية بمهجنا والمسورة بجثثنا.. أنهم المخلِّصون المخْلِصون؟! ويتشامخون بين الثرى والثريا بقامات وهامات وطموحات لا يحدها حد ولا تلحق بها بطولات الأبطال في تاريخ الأمم والشعوب، ويستهينون بتضحية من ضحى بطموحه من أجل وطنه وبمكانته حتى لا يلحق بشعبه الضرر ويدخله في الأزمات.. إنهم يرون ذواتهم فوق الشعب والوطن والحق والعدل والعقل والأرواح المستباحة التي حرم الله قتلها إلا بالحق.. ويرون أنفسهم الوطن والشعب والعدل والحق؟! ويستمرون، وهم في أبراجهم المشيدة وفيما بناه لهم الآخرون من أبراج يعيشون فيها آمنين.. يستمرون في تخليصنا من أنفسنا، وفي إفراغ بلادنا منا، ويسفحوننا شقاء في مدى المدى، ويتابعون تباهيهم بالنضال والصمود والذود عن الحقوق والحدود، وكسر القيود وفي إقامة سدود حول الوطن تحميه من الطامعين به والمعادين له.. ويخوضون سباقات فيما بينهم في زوارق تمخر عباب دمنا، لتصل بهم إلى الحكم والزعامة والسيادة والقيادة و.. و.. حيث تتجدد بوصولهم إلى “هناك.. هناك..؟!”كل أشكال الانتهاك، وكل ألوان الطغيان والظلم والفساد والإفساد، وممارسة أنواع الإبادة لحماية السيادة، ويتم ذلك باسم الله والشعب والوطن والقانون والشرعية والدولة المدنية، وبما يمكن أن يتفتق عنه العقل الذي ينمو في الشرير ويعجز عن الخير، ويجد من الكلام والأسباب والمعاذير ما يعجز عن الإتيان به من يمارس إرهاب الدولة وما يبيحه ويستبيحه التكفير؟!
أفٍّ.. أفٍّ.. أفما آن لنا أن نرى، ونحن في خضم محنتنا، حقائق الأشخاص والأحداث والأمور، وقد لفت ما حدث ويحدث لنا وفي بلدنا الأعمى والأصم، أعمى البصر والبصيرة وأصم السمع والعقل..؟! أما آن أن يتحرك الإنسان فينا وفي غيرنا ممن يلغون في دمنا ويسببون شقاءنا، خشيةً من الله وتعاطفًا مع الإنسان؟! أما آن أن يسأل المرء نفسه، في أي موقع أو خندق أو معسكر من معسكرات الصراع الدموي الوحشي القائم: لماذا، وبأي حق، وما هي النتائج النهائية لفعلي القتل والجنون اللذين يكتسحان الجميع، ويسببان الرعب والشقاء للناس والتدمير للأوطان؟! أم أننا خسرنا حتى آخر خلية حية في ضمير حي لإنسان حي يعلي شأن الحقيقة وقيمة الإنسان في الحياة، والحياة التي وهبها الله للإنسان، فيرى البلدان والناس والقيم أحق بالبقاء من انتفاشه وانتفاخه حقدًا قاتلًا وتورّمًا خبيثًا وادعاءً فارغًا، وتعلقًا بالإفناء بدلًا من تعلقه بالإحياء والمحافظة على البقاء؟!
سوريا فقدت حتى اليوم ما يتجاوز المئتي ألف من مواطنيها ـ ومن فقدتهم حسب الأمين العام للأمم المتحدة بان يمون ٢٢٠ ألفًا ـ ودمر من عمرانها ومنشآتها ومؤسساتها ومعاملها ومصانها ومزارعها وحقولها وقدراتها كافة ما يصعب حصره، وما يحتاج إلى سنوات وسنوات إلى تعويضه، وتخلفت عن ركب الحضارة عقودًا زمنية أعادتها إلى الوراء مما يجعل تقدمها يتم حسب معادلة عددية في الوقت الذي يتقدم فيه العالم حسب متوالية هندسية، وفق المنطق الرياضي.. ويعيش ٨٠٪ منها في بعض الأيام في الظلام بسبب انقطاع الكهرباء، هذا عدا التقنين الذي يصل إلى ساعات في اليوم مما يعطل ويخرب، نتيجة لتدمير مولدات الطاقة الكهربائية أو انقطاع الوقود الذي لا بد منه للتشغيل، بسبب العمليات التي يقوم بها مسلحون.. ودخل اقتصادها في عنق الزجاجة، وتدنت عملتها “الليرة السورية” حتى بلغت خمس ما كانت عليه من قيمة قبل الأزمة/الحرب، وتواكب ذلك الانخفاض مع ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني، حيث يعيش الناس في أماكن كثيرة منها غلاء فاحشًا يفاقمه جشع تجار الأزمات والحروب والمرتبطين بهم ممن يشاركونهم ويحمونهم.. وفي أماكن أخرى كثيرة أيضًا يعيش أناس لا يجدون ما يأكلون، ويجد آخرون بعض الطعام والكساء مما تجود به عليهم مؤسسات خيرية دولية أو شبه دولية.. وقد أصبح سوريون في مواقع من لجوئهم أو نزوحهم أو تشردهم داخل وطنهم، مثل “محميات بؤس بشري”، يزورها المهتمون والباحثون والمشاهير الذين تعنيهم مشاهدة الغرائب والعجائب ولفت الأنظار إليهم..؟! هذا عدا القنابل الاجتماعية الموقوتة التي منها البطالة وفقدان ما يقرب من ١٥٠ ألف امرأة فقدن المعيل أو فرصة الزواج أو تحملن مسؤولية أيتام، وأعداد غفيرة من المعوقين والعجزة نتيجة الحرب.. و.. و..؟! أفلا يوقظ هذا كله، وما خفي وعظُم مما لا يليق الدخول في الكلام عنه وفيه.. أفلا يوقظ ضمائر نائمة أو ضامرة أو متكلّسة، وعقولًا غافية أو غافلة ويستبعد أخرى عاجزة أو عليلة، وقلوبًا قاسية أو متحجرة.. فتستجيب لحلول سياسية ـ إنسانية ـ أخلاقية.. تمهد لبداية نظر في معالجة قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وإنسانية ملحة.. بدلًا من النخراط في الحالة الدموية الوحشية المستشرية.. وتضع حدًا لمأساة بشرية تجاوزت حدود الاحتمال، وهي تحمل مخاطر ومآسٍ أكبر وتكبر باستمرار وتنذر بالتمدد خارج الجغرافية السورية..؟! أفلا يستدعي الوضع المأساوي للسوريين أن يتوقف التدخل الخارجي، والإعداد لمراحل جديدة من الحرب المدمرة، حيث تقوم دول بتدريب عناصر مقاتلة من السوريين وتسليحهم حسب برامج تستمر سنوات، لمتابعة الاقتتال في سوريا؟! أليس الأفضل من ذلك مساعدة السوريين على حلول سياسية عادلة بنوايا صادقة بدلًا من تدمير ما تبقى من البلد وإفناء أو تشريد ما تبقى من الشعب؟! ألم تعد هناك مسؤولية دولية جديرة بأن يعلق عليها شعب أو بلد أملًا بمصداقية أخلاقية بدلًا من العبث السياسي المدمر، واللعب بمصائر الشعوب؟! لماذا لا نجد عن دول العالم الكبيرة المؤثرة الحاكمة المتحكمة بالقرارات الدولية سرعة وقدرة ومبادرات ناجزة عندما يتعلق الأمر بالعدوان والنهب والقتل والتدمير، ولا نجد شيئًا يذكر من ذلك كله عندما يتعلق الأمر بالحقوق والعدالة والسلام والأمن والفقر والجوع.. إلخ.. أسئلة تضع الشوك في الحلق ولا تجعل الإنسان يرتاح إلى حل عادل أو يركن إلى أمل يصبح فعلًا ناجزًا..؟!
وفي هذا المناخ الدولي والإنساني، الإسلامي والعربي والسوري، نطرح السؤال الآتي: أليس من واجب الإنسان، الجدير بذينك الاسم والصفة، بل من واجبه، أن يلتفت أولًا إلى نفسه يعالج أمراضها ويكبح جموحها ويقوِّم مساراتها، ويلزمها الحق؟! أليس من واجبه أن يخلص لشعبه ووطنه فلا يتآمر عليهما أو يوردهما المهالك أو يفنيهما من أجل ذاته وطموحاته وشهواته؟! إن عليه أن يفعل شيئًا من ذلك ليصبح مؤهلًا لتعامل عاقل أخلاقي عادل ومسؤول مع أخيه الإنسان، شريكه في الشرط الإنساني والمصير الإنساني..!! ألا يتوجب على السوري، صاحب المسألة السورية المعقدة، أن يعالج نفسه وينظر في مواقفه أولًا، ويحد من عنفه.. بمعنى أن يكف شره ويكبح جماح نفسه وألا يطلق العنان للنزعات الشريرة أو يشجعها ولا للغرور والتطرف في التفكير والتصرف، فيغذي من النزوع ما يخالف الشرع والعقل والقانون؟! نعم ذلك مقدم على ما سواه.. ومن هنا يحتل السؤال الآتي موقعًا متقدمًا ويستحق أولوية وأهمية: أليس من الأولى أن لا يغرس السوري شوكًا في عين أخيه السوري، قبل أن يسهم في قلع الشوك من كفه، ليأتلفا ويتعاونا؟! إن من حق السوريين جميعًا، بل من واجهم أن يسألوا عن مواطنهم ووطنهم، وأن يهتموا بهما، وأن يشاركوا في إيجاد حلول لأزماتهما لينعم الجميع بالأمن وبخيرات الوطن ويتفاهما على كل ما من شأنه أن يعز المواطَنة والشراكة في المصير.. ليس للسوري وطن غير وطنه، ومن يختار منهم غير ذلك فله حق الاختيار ولكنه ينتزع نفسه عمليًّا من سوريته، إنه يفعل ذلك بنفسه، ومن ثم فلا يجوز له أن يفرض نفسه على الوطن والشعب، لأنه في أبسط الأحوال والمعطيات والمنطقيات والحقوق والواجبات، تخلى عنهما واختار غيرهما. وليس من حق أحد أن يحتكر سوريا بالمعنى السياسي ولا بأي معنى آخر، مهما كان موقعه وحرصه وعبقريته وسنده، فيفرض عليها ما يشاء ويختار لها خياراته أو خيارات لا تراها ولا تقررها.. ولكن يبقى من حقه بل من واجبه أن يشارك في ذلك بما يتيحه القانون لا بما يمليه التعصب أو التطرف أو امتلاك القوة بالاستقطاب أو بالاستقواء بالآخر، سواء أكان الآخر من داخل الوطن أو من خارج التاريخ والجغرافيا.. فسوريا ليست ملكًا لشخص ولا لفئة ولا لحزب ولا لطائفة.. ولا.. ولا.. إلخ، سوريا للسوريين كافة.. وعلى من يحمل أفكارًا أو يعتنق مبادئ ألا يعمد إلى أفعال من شأنها أن تنتزع من السوريين قرارهم وتزجهم في أزمات ومشكلات وحروب و.. إلخ. إن على أي سوري، لا سيما في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها البلد والشعب، أن يراجع نفسه وحساباته ومواقفه وتصرفاته في ضوء المصلحة العامة والممكن المقبول، وأن يكف عن أي نزوع مريض ينتابه، وإلا فإن عليه أن يراجع مصحةً من نوع متخصص في هذه الحالات والشؤون. إن سوريا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى كل فرد من أبنائها، وإلى كل دقيقة من الوقت، وكل جهد مخلص يبذله إنسان يريد لها الخير ويعمل على وقف العنف والقتل والإهاب والقتل والتدمير وسيل الدم وأشكال المعاناة.. وعليها أن تبذل كل مسعى وتسلك كل طريق يؤدي إلى ذلك.. ولا يعني هذا أن تقبل من ثبتت خيانته ومن قتل الشعب وفرط بالحق.
فليكن العام الخامس الذي ستدخله الأزمة/الحرب بعد غد، عام الأمل والعمل بكل الوسائل والطاقات، لوقف الحرب، وعودة المهجرين، وتوسيع دوائر الوفاق والاتفاق والمصالحة، ولم شمل الأسر، وتمتين لحمة المجتمع، وتعزيز المواطنة والأمن والسلم وكيان الدولة وسيادتها.. على أسس راسخة من العدل والعقل والحرية المسؤولة والمواطَنة في ضوء التشريعات والشرائع والقوانين، وليكن البناء على ثوابت وطنية وقومية وأخلاقية ودينية.. لنعيد بناء ما خربته الحرب بالإنسان وفق ثقافة تبني ولا يدمرها ما ثبت عدم صلاحه من فكر وعمل وتوجه وممارسة، ومن أشخاص كان دأبهم التخريب والفساد والإساد وتحميهم حاميات من الادعاء والمعية والافتراء في أحيان كثيرة. وليكن على رأس ما نعمل له بجد وفقه وأفضلية تتقدم كل أولية ما عدا وقف نزف الدم: نزع فتيل الفتنة الطائفية “الشيعية السنية، السنية الشيعية”. المعلنَة بأقوال وأفعال والكامنة بأشكال.. وذلك ابتداءً من إخماد نارها في الأنفس، والتأسيس لفقه ينفيها، وإقصاء القائلين بها، وأصحاب الغلو مهما كان موقعهم، وإقصاء المتاجرين ببضاعة دينية بهدف الربح المادي والسياسي والمذهبي و.. إلخ، عن مواقع القرار ومواقع التأثير في الرأي العام.. فصوت أولئك ينبغي ألا يعلو على صوت الإيمان الحق والإسلام السمح، وينبغي ألا يسمح لأحد بأن يدخل الناس من مداخل الفتنة، وألا يحول خلافات سياسية دارت حول الخلافة الإسلامية أو سواها إلى ثوابت دينية أو معتقدات راسخة يلتمس لها ما يسوغها أو يثبتها في الأنفس وفي حياة الناس وعباداتهم ومعاملاتهم.. نعم الإسلام دين ودولة، ولكن ليس من الدين ولا من مصلحة الدولة أن يتحول الخلاف السياسي أو الصراع السياسي إلى دين، ولا أن تصنع له قوائم ودعائم دينية.. فمن نختلف عليهم تاريخيًّا من الخلفاء والصحابة لا يقبلون خلافاتنا ولا يقبلون عليها، وقد كانوا جميعًا أوفياء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يخالفه أحد في شيء ولم ينازعه أحد على شيء.. وقد كان الخلفاء الراشدون الأربعة أوفياء لسنة الرسول ولسماحة الإسلام، وكانوا متحابين في الله ومتعاونين وينصح بعضهم بعضًا، وكانت بينهم وبينهم قرابة ومصاهرة وتعاون وخدموا عقيدتهم بإخلاص.. وكل شهد له الرسول بخير، وهم من الموعدين بالجنة في حديث أو أحاديث. وعلى من يدفع باسم الإسلام أو يدافع عنه، داخلًا في خلاف حولهم ومن أجلهم، أن يرجع إلى سيرتهم في ضوء القرآن والمحافظة على سنة الرسول محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وفي ضوء العبادات والسلوك والمعاملات.. ومطلوب في هذا المجال أن ننهي هذا التيه لمصلحة الانقاذ من أي ضلال يؤدي إلى استمرار الفتنة والقتال.
والله سبحانه وتعالى من وراء القصد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق