الخميس، 1 أبريل، 2010

وصفة مواجهة التحدي الإعلامي

الأستاذ الدكتور محمد البخاري: وصفة مواجهة التحدي الإعلامي جاهزة.. ولكن من يأخذ بها؟!
كتب- المحرر الثقافي:
أصبح الحاسب الآلي الشخصي المرتبط اليوم بشبكات المعلومات المحلية والإقليمية والدولية، يخزن وينقل وينشر المعرفة بكل أشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية، ليحدث بذلك ثورة حقيقية داخل أنظمة الاتصال والإعلام التقليدية، وأنظمة تراكم المعلومات واستعادتها. وأصبح يساهم في تطوير عملية نقل المعرفة التقليدية داخل المجتمعات بعد أن انتقلت لاستخدام تقنيات الأنظمة المعلوماتية الإلكترونية الحديثة في مجالات العلوم والبحث العلمي والتعليم إلى جانب فروع الأنشطة الإنسانية المختلفة. مما وفر فرصاً كبيرة لرفع مستوى الأداء العلمي والمعرفي وأفسح المجال أمام عملية الحصول على المعارف المختلفة ودمجها وإعادة نشرها، وتسهيل استخدامها في عملية تفاعل دائمة لا تتوقف.. حول قضايا الإعلام وتحديات العولمة في الدول الإسلامية يدور حوارنا التالي الدكتور محمد البخاري الأستاذ في معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية كلية الصحافة بجامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية في جمهورية أوزبكستان
* كيف ترى التحول الكبير في النشاطات الإعلامية في إطار ما أصبح يعرف اليوم بالمجتمع المعلوماتي؟
- هذا التحول أصبح هو الواقع الجديد، وبات بديلاً للطرق الإعلامية التقليدية، ومن المألوف الآن التغير في أساليب وطرق التعليم والإعداد المهني والمسلكي المتبعة حتى الآن في بعض الدول الأقل حظاً في العالم، إلى أساليب أكثر تطوراً وأكثر فاعلية من ذي قبل. ويرتبط هذا التحول بظاهرة العولمة والتكامل المتنامية في النشاطات الإعلامية الضرورية واللازمة لتطور الثقافة والعلوم والتعليم والبحث العلمي.
ولا أحد يستطيع إنكار أن تكنولوجيا وسائل الاتصال والمعلوماتية المتقدمة فتحت آفاقاً جديدة واسعة أمام وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية: المقروءة والمسموعة والمرئية. وأن استخدام شبكات الحاسب الآلي وبخاصة شبكة الإنترنت العالمية قد أتاح سرعة إدخال وتلقي المعلومات وحفظها والتعامل معها، خاصة وأن تلك الشبكات قد ساعدت على انتقال ملفات كاملة تتضمن صحفاً ومجلات وكتباً بكاملها لتطبع في أماكن أخرى بعيدة جداً عن مقرات إدارة تلك الصحف والمجلات ودور النشر.ومن ناحية أخرى أتاحت سرعة الانتشار عبر صفحات WIB في شبكات المعلومات الإلكترونية الحديثة لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية، وساعدها على الإسراع في تقديم مضمون صفحاتها وبرامجها اليومية عبر شبكة الإنترنت العالمية، التي تتيح للمشترك ليس مطالعة الصحف والمجلات والكتب، والاستماع لبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية فقط، بل إعادة استخدم الملفات والمعلومات الواردة عبرها. وهو ما يؤكد تكامل وسائل والاتصال الإعلام الجماهيرية التقليدية مع وسائل الاتصال والمعلوماتية الحديثة، مما يؤكد ويعزز من دورها الفاعل داخل المجتمع المعلوماتي الذي أصبح قائماً في الدول المتقدمة، والقادم بتحد واضح منها إلى الدول العربية والإسلامية والنامية في العالم.
ومن الملاحظ أن تكامل الأداء بين وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية، ووسائل الاتصال والمعلوماتية الحديثة أدى بالضرورة إلى تحسين نوعية الأخبار المقدمة للجمهور الإعلامي، بسبب الازدحام الهائل للأخبار المنقولة من أطراف الاتصال عبر شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت”، وساعد في نفس الوقت على تحسين شكل ومضمون الصحف والمجلات، وأتاح لأطراف الاتصال على الساحة الإعلامية الدولية استخدام الموارد المعلوماتية والتسجيلات الإخبارية والتحليلية الفريدة التي تملكها وسائل الاتصال والإعلام التقليدية وتراكمت لديها عبر السنين. ومن مظاهر التكامل أيضاً قيام وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية بنشر مواد ترشد إلى كيفية استخدام العناوين المعلوماتية الإلكترونية المتاحة في شبكة الإنترنت الدولية.
ولكننا نرى أن هذا التكامل القائم والآخذ بالتوسع يوماً بعد يوم بين شبكات الاتصال والمعلومات الدولية ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية لم يتبلور ولم يدرس بعد بشكل كاف حتى اليوم، وهو يحتاج لدراسة عميقة وتحليل جدي لمعرفة مدى تأثيره على الأمن المعلوماتي الوطني، وفاعليته من الناحيتين السلبية والإيجابية على الدول العربية والإسلامية داخل ما يعرف اليوم بالمجتمع المعلوماتي المعاصر. والرد على التخوفات التي يطلقها البعض، والآمال التي يعقدها البعض الآخر بشكل علمي وتحليلي دقيق.
* ما مدى ضرورة التطوير الإعلامي في ظل هذا الوضع الذي بينتموه؟
- لا بد من تطوير وتحسين قنوات الاتصال عبر شبكة المعلومات الدولية الإنترنت، وفي نفس الوقت تطوير البدائل اللغوية لمواردنا المعلوماتية لجعلها في متناول أكبر ساحة ممكنة من الساحة الإعلامية العالمية وبلغتها العربية، أخذاً وعطاءً، ولتوضيح وجهة النظر العربية والإسلامية من القضايا الراهنة التي يواجهها عالم اليوم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: حملات التحريف والتشويه والتشهير والتضليل التي تقوم بها بعض وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في الدول المتقدمة الموجهة للعالم أجمع ضد الإسلام والمسلمين والعرب، ومشكلة الضرائب التي تفرضها الدول المتقدمة (المستهلكة) على النفط ومنتجاته وآثارها السلبية على اقتصاد دول الخليج العربية المنتجة للنفط.والحفاظ في نفس الوقت على أمن وسلامة الساحة المعلوماتية العربية والإسلامية وتطويرها بما يضمن حواراً ثقافياً متعدد الأطراف بين الأمم والأديان، ويضمن في الوقت نفسه انتقال المعلومات العلمية والتقنية المتطورة من العالم المتقدم إلى المستخدم في العالمين العربي والإسلامي، وليسهم هذا الحوار بدوره في عملية تكامل وتطوير المجتمعات العربية والإسلامية اقتصادياً وعلمياً وثقافياً واجتماعياً. ويضمن للعرب والمسلمين وجوداً أكثر فاعلية على الساحة المعلوماتية الدولية، وليكون لهذا الحوار تأثيراً أكبر على الرأي العام العالمي الذي هو اليوم أسير وحكر لإعلام يسيطر عليه الفكر الصهيوني ويتحكم به.
ومن ناحية أخرى فإننا نرى، أن الصحافة العربية والإسلامية شأنها شأن الدول النامية كلها تواجه العديد من التحديات الخارجية، ويأتي في مقدمتها تحدي العولمة الإعلامية، التي أدت إلى زيادة هيمنة وسائل إعلام الدول المتقدمة، مثال: وكالات الأنباء والقنوات الفضائية والصحف والمجلات وشبكات الاتصال الإلكترونية، عبر شبكة الإنترنت على الصعيد العالمي. وإضعاف قدرة الصحافة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية ليس في الوطن العربي وحسب، بل في الدول الإسلامية والنامية بشكل عام، على المنافسة ومواجهة التدفق الهائل لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للدول المتقدمة. وتعتمد هذه الهيمنة المعلوماتية على العديد من الوسائل والآليات، في مقدمتها بطبيعة الحال واقعة التطور التكنولوجي والقدرات المادية الضخمة وطغيان النموذج الغربي، بالإضافة إلى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الغربية تستخدم كل الوسائل والتقنيات المتاحة لها، مثل حرية تدفق المعلومات، من أجل التغلغل في الدول النامية ومن بينها الدول العربية والإسلامية وفرض هيمنتها المعلوماتية عليها، وتيسير المزيد من التدفق للأنباء والمعلومات من الدول المتقدمة إلى مجتمعات العالم الثالث بأسره، لا لتساعد على تنميته، بل لتكرس التخلف والصراعات الدينية والعرقية فيه.
* خلال الآونة الأخيرة، اتخذت العولمة الإعلامية العديد من المظاهر والتجليات الجديدة .. كيف تنظرون لهذه الهيمنة؟
- لعل أبرزها اتجاه بعض وسائل الإعلام الجماهيرية وكبريات الصحف والمجلات الأمريكية والغربية نحو ترجمة بعض برامجها الإذاعية المسموعة والمرئية وإصداراتها الأسبوعية والشهرية إلى العربية، وبثها وتسويقها وتوزيعها في الدول العربية والإسلامية، وهو ما يمثِّل نموذجاً مصغراً لظاهرة يمكن أن يتسع نطاقها في المستقبل. وإذا لم يتم تطوير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية العربية والإسلامية، فإن قطاعات واسعة من القراء والمستمعين والمشاهدين قد يتجهون لتفضيل البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية والصحف والمجلات الغربية، وبالذات الأمريكية، سواء باللغات الأصلية أو المترجمة إلى العربية ولغات العالم الإسلامي الأخرى كالتركية، والأوزبكية، والأذربيجانية، والتترية، والألبانية، والفارسية، والأوردية، والإندونيسية، والماليزية، وغيرها من لغات العالم الإسلامي، إضافة لسهولة الانتشار ومخاطبة الساحة الإعلامية في الدول العربية والإسلامية ثنائية اللغة التي تستخدم إلى جانب لغاتها القومية إحدى اللغات كالإنكليزية، أو الفرنسية، أو الروسية، وهو ما يمثِّل دافعاً إضافياً أمام الدول العربية لتطوير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العربية التقليدية وتحسين أدائها ليشمل الجمهوريات التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. فهناك فارق أساسي بين متابعة البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية والصحف الغربية بغرض متابعة ما ينشر فيها، والتعرّف على وجهات النظر الغربية الواردة فيها، وبين أن تصبح تلك البرامج والصحف مصدراً رئيسياً أو وحيداً للمتابعة والمعرفة للجمهور العربي والإسلامي، وهو ما نحذر منه بشدة، لخطورته البالغة على تشكيل الرأي العام وانحراف المواقف وابتعادها عن الحقائق التي يعتبرها البعض مبدئية وثابتة، ولكنها فعلياً متغيرة تحت وطأة الإعلام المدروس والموجه بكثافة من الدول المتقدمة نحو دول العالم النامي ومن بينها الدول العربية والإسلامية.
وبالتالي، فإن هذه التحديات تؤكد أنه هناك ضرورات متنوعة داخلياً وخارجياً، للتفكير في مستقبل وسائل الإعلام التقليدية العربية والإسلامية، ومستقبل الاتجاهات الضرورية لتطويرها، والمطلوب هو تقوية وتعزيز وتوسيع أدوار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية العربية والإسلامية في المستقبل من خلال التطوير التكنولوجي والمؤسسي والقانوني والمهني والسياسي والتكاملي بينها، لمواجهة طوفان العولمة بالتكتل سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً، والأخذ بأسباب القوة العسكرية والمعلوماتية.
* يبدر التساؤل ههنا.. وهو كيف يمكن الأخذ بأسباب القوة العسكرية والمعلوماتية..؟
- مثلاً.. على المستوى القانوني والمؤسسي، لا بد من التركيز على معالجة الثغرات القانونية والمؤسساتية التي تحد من انطلاق وسائل الإعلام التقليدية العربية والإسلامية، وذلك من خلال مواصلة الجهود لتبني مشروع جديد لقوانين الصحافة تعده الجهات المختصة بالتعاون مع الخبراء والفقهاء البارزين من الدول العربية والإسلامية، والتحاور بشأنه مع القيادات السياسية والمؤسسات الدستورية، في إطار التجمعات القارية والإقليمية وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية المعنية تمهيداً لإصداره. بالإضافة إلى ضرورة تنقية القوانين والأوامر التنفيذية الحالية من القيود غير المبررة والمعارضة للواقع الراهن الذي تفرضه العولمة والمجتمع المعلوماتي، سواء من أجل الوصول بحرية الصحافة إلى أعلى مستوياتها أو من أجل ضمان التجانس والانسجام التشريعي بين الدول العربية والإسلامية فيما يتعلق بالصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية. وفي الوقت نفسه لا بد من العمل على ضمان التمتع بحق الاتصال بقنوات المعلوماتية والنص على هذا الحق في المشروع القومي والإسلامي لقانون الإعلام، وغيره من التشريعات ذات الصلة في حال صدورها، والعمل على تفعيل ميثاق شرف صحفي عربي إسلامي والدفاع بحزم عن أخلاقيات المهنة، وتشجيع ارتياد مجالات الصحافة الإلكترونية والصحافة المسموعة والمرئية لتدعيم اقتصاديات مهنة الإعلام، واستخدام آليات المناقشة والحوار ونبذ الخلافات وتفعيلها بين الدول العربية والإسلامية في حوار إيجابي وبناء بين وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العربية والإسلامية التقليدية، ودفعها للحوار الإيجابي والفعَّال مع وسائل الإعلام الأجنبية سواء أكانت في الدول المتقدمة أو في الدول النامية الأخرى.
أما على المستوى المهني، فإن التركيز يجب أن ينصب كما نعتقد على النهوض بوسائل الاتصال والإعلام العربية والإسلامية التقليدية، واستعادة ريادتها على الساحتين العربية والإسلامية، والوصول بها إلى أعلى مستويات المصداقية والتنافسية والجدارة على المستويين العربي والإسلامي والدولي، بما يمكنها من مواجهة الإعلام المضاد. وهناك العديد من المجالات التي ينبغي العمل بها، وفي مقدمتها التحديث التكنولوجي وزيادة كفاءة نظم الإنتاج والتوزيع، وتوسيع السوق الاستهلاكية الإعلامية والإعلان على المستوى العربي وضبطها وخاصة فيما يتعلق بالمواد الأجنبية منها بالتحديد، والعمل على تحقيق التوازن المطلوب بينها، والسعي لحل وإنهاء الاختناقات التمويلية الضرورية التي تحتاجها، وضرورة إسهام الدول العربية والإسلامية في الوفاء بمتطلبات تطوير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العربية والإسلامية التقليدية وخاصة من خلال الإعانات والهبات غير المشروطة، وإسقاط الديون وتخفيف العبء الضريبي وإعفاء المؤسسات الصغيرة منه.
ولا بد من نشر الوعي في الأوساط الإعلامية العربية والإسلامية، بمتطلبات النهضة العلمية والتقنية لوسائل الاتصال والمعلوماتية الحديثة بدرجة أكبر تتفق ومتطلبات الثورة المعلوماتية والعولمة، وتشجيع المؤسسات الصحفية على تنويع أنشطتها، وقيام مؤسساتها الصغيرة بأنشطة تعاونية مشتركة فيما بينها، وحثها على الاندماج والتركيز في مؤسسات أو تجمعات إعلامية قوية، ولتكوين هياكل أكبر عندما يكون ذلك مناسباً، لأن الاندماج والتركيز حتمياً لبقائها واستمرارها وازدهارها في عصر العولمة والمجتمع المعلوماتي.
ولا بد من قيام الأجهزة والاتحادات والمؤسسات الإعلامية على المستوى الثنائي، والجماعي على مستوى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وغيرها من المنظمات بتدعيم أجهزتها ومؤسساتها الإعلامية ومراكز البحث العلمية فيها للقيام بوظائف أكثر حيوية وأوسع نطاقاً لمساندة التركيز والدمج بين تلك المؤسسات، بدلاً من مساندة جميع تلك المؤسسات وخاصة الصغيرة منها.
وفي الوقت نفسه، فإن النهوض بوسائل الاتصال والإعلام العربية والإسلامية التقليدية يتطلب أيضاً ابتكار صيغة عامة للمشاركة بين المؤسسات الإعلامية والجماعات المثقفة والعلماء والباحثين في الداخل والخارج، من أجل استنباط أطر جديدة ومتنوعة للتعاون. ولا بد هنا من التركيز على مسائل التمويل وتنظيم الأنشطة المكلفة التي تتطلب درجة عالية من المخاطرة، مثل التوسع في فتح المكاتب الخارجية، ونشر النشاطات الصحفية والإعلامية لتشمل أكبر ساحة إعلامية في العالم، وتغطية الأحداث المهمة في المناطق البعيدة والقيام بالدراسات والبحوث العلمية وعمليات التصنيع والاستيراد والتصدير ذات الصلة بالنشاطات الصحفية والإعلامية، وبحوث التسويق والتوزيع في الداخل والخارج وغيره من النشاطات المرتبطة بالتحقق من الانتشار والتوزيع.
* وكيف ترى سياسة الانغلاق محاولة لمنع الطوفان الإعلامي المتزايد؟
- الأخطار لا تواجه بالانغلاق، بل بالانفتاح وتحصين المتلقي لمواجه سيل المعلومات المتدفقة عليه، والولوج في المجتمع المعلوماتي مرتبط بالعولمة الإعلامية التي تهيمن فيها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للدول المتقدمة، ولا يمكن مواجهة أخطارها في دول العالم الثالث، ومن بينها الدول العربية والإسلامية عن طريق الانغلاق أو منع التدفق الإعلامي الخارجي، وإنما من خلال تحصين المتلقي أينما كان في مواجهة سيل المعلومات والإعلام الجماهيري المتدفق من الدول المتقدمة، بحيث يستطيع المتلقي العربي والإسلامي كغيره من المتلقين في دول العالم الثالث الاستفادة من إيجابيات الإعلام الخارجي، وخصوصاً في مجال العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة، وتحييد سلبياته التي تستهدف كيان الإنسان ووجدانه، كما أنه من الضروري زيادة قدرة وسائل الاتصال والإعلام العربية والإسلامية على المنافسة على الساحة الدولية. ويأتي هذا عن طريق التركيز على كل المجالات والقضايا المهمة التي تمس وجهة النظر والمصالح العربية والإسلامية من مختلف القضايا الوطنية والعالمية، وعدم الاكتفاء بنقل المواقف ووجهات النظر الوطنية إلى الرأي العام العربي والإسلامي فقط كما هي الحال في الوقت الراهن، بل مضاعفة التركيز على الرأي العام العالمي في عملية النقل تلك دون تحريف أو تشويه بشأن تلك القضايا المهمة والملحة من وجهة النظر العربية والإسلامية، والتصدي للمغالطات والأكاذيب والافتراءات التي تنشرها وسائل الاتصال والإعلام في الدول المتقدمة ضد المصالح العربية والإسلامية.
ويتطلب تحقيق تلك الأهداف حشد كل القدرات والإمكانيات الاقتصادية والعلمية والتقنية والمعرفية، والاستعانة بالإنجازات الحديثة لتكنولوجيا المعلوماتية والإعلام وتقنيات الاتصال المتطورة.
* ولكن ثمة مصاعب كبيرة في شأن الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي؟
- لذلك لا بد من إعادة النظر بكل مستويات أنظمة توفير الموارد المعلوماتية العلمية للمجتمع، بما فيها التعليم والبحث العلمي والاقتصاد الوطني بشكل عام رغم محدودية الإمكانيات والموارد المتاحة التي لا تكفي حتى لتزويد المكتبات الوطنية ومراكز المعلومات الوطنية بالإصدارات الدورية العلمية المتخصصة والتقنية، سواء منها المطبوعة أم الإلكترونية محلية كانت أم أجنبية في تلك الدول. ومع ذلك فإننا نلمس تفاؤلاً كبيراً في تلك الدول يتجه نحو إمكانية حل تلك المعضلات في إطار برامج التعاون العلمي الدولي، وإطار الاعتماد المتبادل بين دول العالم من أجل تحسين أداء شبكات الموارد المعلوماتية العلمية الإلكترونية الدولية، وتخفيض تكاليفها، وأجور استثمارها لمجالات البحث العلمي للدول التي تعاني من مشاكل مالية على الأقل. ومساعدة تلك الدول على إقامة شبكاتها المعلوماتية العلمية وبنوك المعلومات الخاصة بها، ومكتباتها الإلكترونية ووضعها تحت تصرف المستخدمين في تلك الدول، وخصوصاً أننا نرى من خلال نظرة سريعة في عالم اليوم أن المؤسسات العامة والخاصة على السواء، في أكثر دول العالم تقوم اليوم باستخدام تكنولوجيا المعلوماتية المتقدمة والحديثة، بغض النظر عن المشاكل المالية والاقتصادية التي تعاني منها تلك الدول. وأن العديد من دول العالم تقوم اليوم بإنتاج مصنفات معلوماتية إلكترونية على اسطوانات مضغوطة وغيرها من التقنيات الناقلة للمعلومات، إضافة لظهور آلاف النوافذ Web في شبكة الإنترنت Internet العالمية، فتحتها وتقوم بتشغيلها المؤسسات الحكومية والعامة والخاصة وحتى الأفراد في مختلف دول العالم. وتحوي تلك النوافذ على كم هائل من المعلومات المتنوعة العلمية والثقافية والتجارية والاقتصادية والسياسية والترفيهية والثقافية وغيرها، إضافة للبرامج التعليمية والتربوية والتثقيفية بما فيها برامج التعلم عن بعد. كما نرى سعي مؤسسات التعليم العالي والمتوسط والمكتبات العامة وحتى المتاحف ووسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية المغمورة في مختلف دول العالم لفتح نوافذها Web الخاصة في شبكة الإنترنت العالمية.
والأهم من كل ذلك أن تنظيم البنية التحتية الأساسية للموارد المعلوماتية العلمية الوطنية، وتنظيم تكاملها الشبكي مع الموارد المعلوماتية الإقليمية والدولية لا بد أن يمر عبر قاعدة قانونية دقيقة تشمل حمايتها عن طريق تنظيم: الضوابط القانونية للملكية الفكرية الخاصة، وحقوق الملكية الفكرية المشتركة، التي تصبح في ظلها أية مادة إعلامية أو أي مصنف معلوماتي إلكتروني في الظروف التقنية الحديثة سهل السحب والنسخ؛ والوضع القانوني للإصدارات الإعلامية الإلكترونية ونشرها؛ الضوابط القانونية لضمان عدم مخالفة مضمون المصنفات الإعلامية الإلكترونية للقوانين النافذة؛ والوضع القانوني للقائمين على تقديم وتقييم الخدمات الإعلامية عبر شبكات المعلوماتية الإلكترونية المسموعة والمرئية؛ والأوضاع القانونية والمالية لموزعي المعلومات، وخاصة المؤسسات الممولة من ميزانية الدولة وغيرها من المؤسسات؛ وفاعلية الرقابة على تنفيذ مشاريع تنظيم البنية التحتية للموارد المعلوماتية العلمية الوطنية، وتكاملها الشبكي الإقليمي والدولي؛ وضوابط الوصول للمعلومات الإلكترونية عن نتائج الأبحاث العلمية الوطنية، وشروط الاستفادة من تلك النتائج خدمة للأوساط العلمية المحلية والإقليمية والدولية.
* هل ثمة شروط لبناء المجتمع المعلوماتي في الدول النامية؟
- أعتقد أن أهمها هو تشكيل ساحة معلوماتية عالمية موحدة. وتعميق عمليات التكامل الإعلامي والاقتصادي لأقاليم ودول وشعوب العالم؛ وإنشاء قاعدة مادية تعتمد على منجزات التكنولوجية الحديثة، ومنها تكنولوجيا المعلوماتية، وشبكات الحاسب الآلي، وشبكات الاتصال المسموعة والمرئية عبر الأقمار الصناعية، ووضعها في خدمة الاقتصاد الوطني، الذي لا بد أن يعتمد على استخدام تكنولوجيا المعلوماتية وإمكانياتها الواعدة؛ وإنشاء سوق معلوماتية واعتباره أحد عوامل الإنتاج مثله مثل استخدام الموارد الطبيعية، وقوة العمل، ورأس المال، لأن الموارد المعلوماتية هي من موارد التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والعمل على تلبية الحاجات الاستهلاكية للمجتمع وهي من منتجات الخدمات الإعلامية؛ وتطوير البنية التحتية للاتصالات المسموعة والمرئية، والمواصلات، وتنظيمها؛ ورفع مستوى التعليم بمستوياته وتخصصاته المختلفة، وتطوير العلوم والتكنولوجيا والثقافة من خلال توسيع إمكانيات نظم تبادل المعلومات على المستوى القومي والإقليمي والعالمي، ورفع مستوى الكفاءة المهنية وتشجيع المواهب الإبداعية؛ وتوفير سبل حماية الأمن الإعلامي للفرد، والمجتمع، والدولة؛ ووضع السبل الكفيلة باحترام وحماية حقوق الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة في حرية الوصول والحصول على المعلومات وتوزيعها.
وتطور المجتمع المعلوماتي يجر وراءه توفير فرص عمل جديدة، لم تكن معروفة من قبل وتحتاج لإعداد مهني خاص رفيع المستوى، وإلى إعادة تأهيل الكوادر المهنية القائمة على عملها بشكل دائم. وهو ما يفرض الحاجة لتنظيم حملة وطنية تعليمية شاملة ودائمة، تشترك في إعدادها وتنفيذها كافة الإدارات والمؤسسات الحكومية والعامة والخاصة والمنظمات المهنية والشعبية والاجتماعية، ومؤسسات التعليم والبحث العلمي والهيئات الاستشارية وغيرها.
ولضمان نجاح الحملة التعليمية الوطنية لا بد من ضمان حصول المشاركين في الدورات القائمة على المعلومات الجديدة في هذا المجال، واستخدام أحدث المنجزات التكنولوجية في مجال الإعلام والاتصال، والتوسع بإدخال الإعلام المرئي ضمن وسائل التعليم عن بعد، والتوسع في تحديث نظام تأهيل وإعادة تأهيل المعلمين والمحاضرين والمدربين القائمين على الحملة الوطنية التعليمية الدائمة والشاملة، لإعداد وتهيئة الإنسان القادر على تقبل واقع المجتمـــع المعلوماتي. ولا بد أيضاً من تدخل الدولة من أجل وضع مستوى مقبول من الأجور والتعرفات الخاصة باستخدام خدمات شبكات المعلوماتية والاتصالات الوطنية والإقليمية والدولية. ووضع تعرفات مخفضة خاصة لمؤسسات البحث العلمي ومؤسسات التعليم العالي وما قبل الجامعي والطلاب والمدرسين، والعاملين في وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية.
ومن الشروط الضرورية لنجاح الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي، الاستمرار في إجراء واستكمال الأبحاث العلمية الجارية في مجالات تقنيات وتكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام وتطويرها، والعمل على تطبيق نتائجها في مختلف مناحي الحياة وخاصة فروع الاقتصاد الوطني مع مراعاة حاجة ومتطلبات السوق المعلوماتية المحلية. والأخذ بنتائج تلك الأبحاث لدى وضع البرامج الخاصة بتطوير عملية إدخال واستخدام المعلومات العلمية والتقنية في خدمة المجتمع المعلوماتي. ومراعاة حاجة جميع الشرائح الاجتماعية من المعلومات الإلكترونية المفتوحة للاستخدام العام، ونوعية وخصائص المعلومات الإلكترونية ذات الاستعمال الخاص والمعنية بالمعلومات الرسمية، وبأسرار الأبحاث العلمية المهمة، والأسرار التجارية والمالية والاقتصادية وكل ما له علاقة بالأمن القومي والمعلوماتي والمصالح الوطنية العليا، وأخذها كلها بعين الاعتبار عند العمل على توحيد مقاييس الانفتاح والتكامل مع الشبكات المعلوماتية الإلكترونية القومية والإقليمية والدولية في ظروف العولمة، وعدم الاكتفاء بالنوايا الطيبة وحدها فيما يتعلق بالساحة المعلوماتية المنفتحة.
نشرت في مجلة الدعوة الصادرة بالرياض العدد : 2203 الخميس 02 شعبان 1430 مصنف ضمن : حوارات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق