الاثنين، 14 ديسمبر، 2009

الإعلام والمجتمع في عصر العولمة 1 من 4

أ.د. محمد البخاري
الإعلام والمجتمع في عصر العولمة
2002
المحتويات: المقدمة الفصل الأول: الطريق نحو المجتمع المعلوماتي: خصائص المجتمع المعلوماتي؛ مشاكل قيام المجتمع المعلوماتي في الدول النامية؛ المجتمع المعلوماتي ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية العربية. الفصل الثاني: التبادل الإعلامي ووسائل الإعلام الجماهيرية الدولية: مشاكل الصحافة الدولية في الدول النامية. الفصل الثالث: نشأة وتطور وكالات الأنباء العالمية: وكالات الأنباء الوطنية في آسيا وإفريقيا؛ الاحتكار الإعلامي الدولي. الفصل الرابع: نشأة وتطور الصحافة الدولية: نشأة وتطور الصحافة الدولية في أوروبا وأمريكا الشمالية؛ نشأة وتطور الصحافة الدولية في آسيا وإفريقيا. الفصل الخامس: نظريات الصحافة الدولية. المراجع. المحتويات.
المقدمة: مع بداية التسعينات من القرن العشرين ومع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ودول ما كان يعرف بالكتلة الشرقية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي السابق، وعلى ضوء التطورات الهامة التي جرت على جميع الأصعدة العلمية والتقنية والتكنولوجية في العالم، وخاصة تكنولوجيا وسائل الإعلام والاتصال والاستشعار عن بعد، انطلقت بشدة شعارات تدعو للتكامل بين المجتمعات الصناعية المتقدمة، وفتح باب المنافسة الحرة وإزالة العوائق أمام انتقال الخبرات والبضائع ورؤوس الأموال في الأسواق العالمية المفتوحة. ورافق تلك الشعارات بشائر ميلاد المجتمع المعلوماتي الذي يمكن أن تشارك في بنائه كل عناصر التركيبة الاجتماعية، في عملية تفاعل معلوماتي باتجاهين أخذاً وعطاء. واعتبر الكثيرون أن ميلاد المجتمع المعلوماتي يبشر بالتحول من تقديم الخدمات الإعلامية للمتلقي السلبي في عملية الاتصال، الذي يتلقى سيل المعلومات الموجهة إليه ولمجتمعه دون مشاركة إيجابية منه في اختيار أو إعداد أو في أساليب نشر تلك المعلومات عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية المختلفة، إلى مشاركة عناصر التركيبة الاجتماعية القادرة كلها في عملية اختيار وإعداد وتخزين وتوجيه ونشر والاستفادة من المعلومات، والمشاركة المؤثرة والفاعلة في عملية التبادل والتفاعل الإعلامي داخل المجتمع الواحد بكل عناصره وشرائحه، وبين المجتمعات المختلفة بشكل عام، بما يوفر فرص الحوار، والتفاهم، والتفاعل البناء لصالح تقدم الإنسانية جمعاء. ومعروف أيضاً أن الأساليب الإعلامية المستخدمة والمنتشرة بشكل واسع حالياً، لم تكن إلا نتاجاً للتقدم العلمي في مجال وسائل الاتصال والإعلام، ونتيجة للأبحاث العلمية التامة في مجال الإعلام بفروعه المختلفة: الاقتصادية والسياسية والعلمية والزراعية والصناعية والتجارية والثقافية وغيرها من فروع المعرفة الإنسانية، التي جرت خلال النصف الأول من القرن العشرين ولم تزل مستمرة في التطور في العالم المتقدم كله حتى اليوم. وكان وكما هو معروف أيضاً نشر تلك المعلومات يتم بالطرق التقليدية عبر الكلمة المطبوعة، والمسموعة والمرئية أحادية الجانب أي من المرسل عبر قناة الاتصال إلى المستقبل، دون أن تكون هناك أية إمكانية للتفاعل الإيجابي بين المرسل والمستقبل عبر الطرق التقليدية السائدة لنقل لتلك المادة الإعلامية التي حملتها إليه شتى وسائل نقل وتخزين وإيصال المعلومات المقروءة والمسموعة والمرئية. ولكن الثورة التي تفجرت بشدة خلال الربع الأخير من القرن العشرين في مجال تقنيات ووسائل الإعلام والاتصال والاستشعار عن بعد، وضعت البشرية أما منعطف تاريخي حاسم تشارك فيه اليوم، كل عناصر التركيبة الاجتماعية القادرة على المشاركة في عملية التأثير والتفاعل المتبادل من خلال عملية التبادل الإعلامي المستمرة داخل المجتمع المحلي والدولي، عبر وسائل الاتصال الحديثة التي أصبحت فيها تقنيات الحاسب الآلي الحديثة دائمة المتطورة تشكل العنصر الهام والفاعل في حسم القضية كلها لصالح العولمة بكل أشكالها وأبعادها. وأصبح الحاسب الآلي الشخصي (الكمبيوتر) المرتبط اليوم بشبكات المعلومات المحلية والإقليمية والدولية، يخزن وينقل وينشر المعرفة بكل أشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية بمشاركة جميع القادرين والمساهمين في عملية التبادل الإعلامي متعددة الجوانب، ليحدث بذلك ثورة حقيقية داخل الأنظمة الإعلامية التقليدية، وأنظمة تراكم المعلومات واستعادتها. وأصبح يساهم في تطوير عملية نقل المعرفة التقليدية داخل المجتمعات بعد أن انتقلت لاستخدام تقنيات الأنظمة المعلوماتية الإلكترونية الحديثة في مجالات العلوم والبحث العلمي والتعليم إلى جانب فروع الأنشطة الإنسانية المختلفة. مما وفر فرصة كبيرة لرفع مستوى الأداء العلمي والمعرفي وأفسح المجال واسعاً أمام عملية الحصول على المعارف المختلفة ودمجها وإعادة نشرها، وتسهيل استخدامها في عملية تفاعل دائمة لا تتوقف. وأصبح هذا الواقع الجديد بديلاً للطرق الإعلامية التقليدية، وبمثابة التحول من المألوف في أساليب وطرق التعليم والإعداد المهني والمسلكي المتبعة حتى الآن في بعض الدول الأقل حظاً في العالم، إلى أساليب أكثر تطوراً وأكثر فاعلية من ذي قبل. ويرتبط هذا التحول بظاهرة العولمة والتكامل المتنامية في النشاطات الإعلامية الضرورية واللازمة لتطور الثقافة والعلوم والتعليم والبحث العلمي، في إطار ما أصبح يعرف اليوم بالمجتمع المعلوماتي. ولا أحد ينكر أن ثورة المعلومات التي نتجت عن التطور العلمي والتقني الهائل لوسائل الاتصال الجماهيري، الذي شهده العالم خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، أحدثت تغييرات جوهرية داخل المجتمعات في مختلف الدول، بفارق سجل نسب التطور في كل مجتمع من مجتمعات الدول المتطورة والأقل تطوراً والدول النامية في العالم. والدولة وكما كانت الحال منذ القدم هي العنصر الأساسي في العلاقات الدولية، رغم التأثر الواضح الذي بدرت ظواهره تزداد وضوحاً كل يوم، من خلال تأثير وسائل الاتصال الجماهيرية المتطورة في عملية التبادل الإعلامي الدولي الذي أصبح يشارك فيها كل القادرين ضمن إطار المجتمع المعلوماتي. ورغم ذلك تظل الدولة دون سواها العنصر الرئيسي في وضع وتنظيم وضبط آليات العلاقات الدولية ومن ضمنها عملية التبادل الإعلامي الدولي. خاصة وأن مفهوم قوة الدولة على الساحة الدولية، كان ولم يزل مرتبطاً منذ البداية بقوة وتماسك الدولة من الداخل. ومما لاشك فيه اليوم أن ثورة وسائل الاتصال الحديثة التي فرضت نقلة نوعية متميزة نحو المجتمع المعلوماتي، وما نتج عنها من امتداد وانتشار لوسائل الإعلام الجماهيرية بأشكالها التقليدية والحديثة، قد تركت بصماتها على دور الدولة الذي بدأ يضعف في المجتمع المعلوماتي، وهو مجتمع عصر التدفق الحر للمعلومات عبر تقنيات الاتصال الحديثة أخذاً وعطاء. ولم يعد بالإمكان التحدث اليوم عن السيادة الإعلامية ضمن الحدود السياسية للدولة أو الإقليم الجغرافي، وعن التحكم بعملية تدفق المعلومات لداخل تلك الحدود، وبالتالي الانفراد بتشكيل عقول مواطني الدول بما يضمن الولاء التام للدولة، بنفس الطريقة التي كانت مطروحة به قبل انهيار المنظومة الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي السابق. خاصة وأن تأثير ثورة المعلومات قد شمل سلباً الدولة بكل مكوناتها من حدود سياسية معترف بها، وشعب وحكومة. وأصبحت السيطرة على عملية تدفق المعلومات شبه مستحيلة بعد أن تحولت المعلومات إلى عناصر غير ملموسة وغير مرئيةIntangible and Invisible يسهل تنقلها واختراقها لأي حدود سياسية أو جغرافية كانت سهلة مهما بلغت نوعية وكمية ودرجة إجراءات الحماية ضد اختراق التدفق الإعلامي داخل المجتمع المعلوماتي الحديث. ولا أحد ينكر الدور الذي لعبته الصحافة المطبوعة سابقاً في بلورة الشخصية القومية للأمم، عندما وفرت للشعوب إمكانية المشاركة في عنصري الزمان والمكان عن طريق اشتراك أبناء الشعب الواحد في قراءة صحيفة تتحدث بنفس اللغة، وتحمل على صفحاتها نفس الزوايا والأبواب وتصدر في مكان وزمن محدد، وهو ما أتاح من فرص دعم الشعور القومي لدى تلك الشعوب. أما اليوم فقد تقلص التباعد الجغرافي، والفاصل الزمني، وأصبحت تقنيات الاتصال الحديثة تقفز من فوق الحواجز وتخرقها. وما كان مستحيلاً في عالم الاتصال الأمس، أصبح اليوم واقعاً، وكأن مصدر المعلومات والقائم بالاتصال والجمهور الإعلامي مهما باعدت المسافة الجغرافية بينهم، يقعون ضمن إطار ساحة إعلامية واحدة تعجز الدول عن التحكم بها، مما ترك بدوره أثاراً بالغة على الشعور الوطني والانتماء الثقافي والتماسك الاجتماعي، والولاء للدولة من قبل المواطنين المنتمين للدول المعرضة للاختراق الإعلامي دون غيرها من الدول. فكيف ومتى بدأت ملامح تشكل المجتمع المعلوماتي؟ هذا السؤال الذي أحاول الإجابة عنه من خلال التعرض لمفهوم المجتمع المعلوماتي، وخطوات ومصاعب وخصائص ومتطلبات الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي، ومن ثم القيام باستعراضٍ موجزٍ لمراحل نشوء وتطور وكالات الأنباء العالمية، والصحافة المطبوعة الدولية، التي لم تفقد مكانتها، بل على العكس مكنتها وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة المتطورة من مضاعفة اختراقها للساحة الإعلامية الدولية وزادت من دورها في عملية التبادل الإعلامي الدولي إلى جانب وسائل الإعلام المرئية والمسموعة. إن كان في جمع المعلومات، أم في إعدادها بمادة إعلامية، أم في طريقة عرضها، أم في اختيار قناة الاتصال الأكثر فاعلية لإيصالها للمتلقي أينما كان. بأقل فاقد وأكثر فاعلية وتأثيراً، ولم أغفل إلقاء الضوء على مكانة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية العربية داخل المجتمع المعلوماتي. وما أتمناه أن أكون قد وفقت في ذلك، خدمة للقارئ والطالب والباحث. طشقند في 17 كانون ثاني/يناير 2002 أ. د. محمد البخاري
الفصل الأول: الطريق نحو المجتمع المعلوماتي مفهوم المجتمع المعلوماتي
من أجل تسهيل فهم القصد من العولمة الإعلامية التي حملت لنا معها مفهوم المجتمع المعلوماتي إن جاز هذا تعبير، لابد لنا من محاولة التعريف بجوهر هذا المجتمع، فهو حسب رأي العديدين من الباحثين في شؤون الإعلام والاتصال، هو: - المجتمع الذي تتاح فيه لكل فرد فرصة الحصول على معلومات موثقة من أي شكل ولون ومذهب واتجاه من أي دولة من دول العالم دون استثناء، عبر شبكات المعلومات الدولية، بغض النظر عن البعد الجغرافي وبأقصى سرعة وفي الوقت المناسب للمشارك في عملية التبادل الإعلامي؛ - المجتمع الذي تتحقق فيه إمكانية الاتصال الفوري والكامل بين أي عضو من أعضاء المجتمع، وأي عضو آخر من المجتمع نفسه أو من المجتمعات الأخرى، أو مع، أو بين مجموعات محددة من السكان، أو مع المؤسسات والأجهزة الحكومية، أو الخاصة بغض النظر عن مكان وجود القائمين بعملية الاتصال والتبادل الإعلامي داخل الكرة الأرضية أو حتى خارجها في الفضاء الكوني؛ - المجتمع الذي تتكامل فيه نشاطات وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية، وتتسع فيه إمكانيات جمع وحفظ وإعداد ونشر المعلومات المقروءة والمسموعة والمرئية، من خلال التكامل مع شبكات الاتصال والمعلومات الإلكترونية الرقمية الدولية دائمة التطور والنمو والاتساع. والتي تشكل بالنتيجة وسط إعلامي مرئي ومسموع ينشر معلوماته عبر قنواته التي تشمل حتى وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية من خلال شبكات الاتصال والمعلومات المحلية والإقليمية والدولية؛ - المجتمع الذي تختفي معه الحدود الجغرافية والسياسية للدول التي تخترقها شبكات الاتصال والمعلومات، وهو الاختراق الذي يشكل تهديداً مباشراً وخطيراً لأمن وقوانين الدول وللأعراف والتقاليد داخل المجتمعات المختلفة، وخاصة في الدول الأقل حظاً في التطور والنامية بشكل عام.[1] ويعتبر انتقال ونشر المعلومات دون عوائق أو قيود من أساسيات تشكيل المجتمع المعلوماتي، الذي يعتمد بالكثير على المنجزات والاكتشافات العلمية في مجال تقنيات الإعلام والاتصال. وهو ما يضع الأوساط العلمية أمام واجب التصدي لمشاكل غير متوقعة، ناتجة عن تداعيات تشكل المجتمع المعلوماتي، سواء أكانت تنظيمية أم اجتماعية أم اقتصادية أم قانونية. والهدف من التصدي لتلك المشاكل هو خلق الظروف الملائمة لتلبية حاجات السوق الاستهلاكية المعلوماتية، دون الإضرار بمصالح الدول وحقوق المواطنين وأمن وسلامة أجهزة السلطات الدستورية، والمؤسسات الاقتصادية والمنظمات الشعبية والمهنية والعلمية، والهيئات العامة والخاصة، من خلال إيجاد الضوابط الكفيلة بتوفير شروط الأمن الإعلامي الشامل عند تشكيل وتداول الموارد المعلوماتية باستخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال المتطورة.[2]
خطوات الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي: وبالفعل نرى أن الكثير من دول العالم المتقدم تقوم فعلياً بإعداد أو تعد برامج لدخول المجتمع المعلوماتي، وتتخذ العديد من الخطوات العملية من أجل تحقيق مثل تلك البرامج في الواقع العملي. وتنتظر تلك الدول من تطبيق تلك البرامج الوصول إلى الأهداف التالية: - رفع مستوى التكامل والحوار بين الهياكل الحكومية، والصناعية، ورجال الأعمال، والأفراد في المجتمع، بهدف تحقيق الاستخدام الأقصى لإمكانيات تقنيات الإعلام والاتصال الحديثة من أجل تطوير المجتمع اقتصادياً وتحقيق فرص العمل لكل الشرائح السكانية؛ - تحديث وتوسيع وتقوية البنية التحتية لوسائل الإعلام والاتصال التقليدية ورفع مستوى فاعلية أدائها الوظيفي؛ - الدفاع عن مصالح المجتمع، وحقوق الأفراد أثناء استخدام تكنولوجيا تخزين ونقل المعلومات؛ - حماية موارد المعلومات المتوفرة في الشبكات المعلوماتية؛ وتوسيع إمكانيات استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال في كافة المجالات العلمية والتطبيقية للاقتصاد الوطني؛ - تشجيع وتعميم استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتعميم أساليب المعلوماتية الحديثة في الأجهزة الحكومية، قبل غيرها بغية تأمين حقوق المواطنين في تبادل المعلومات والحصول عليها من تلك الأجهزة؛ - تعميم استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال على جميع الأنشطة الإنسانية، مثل: العمل، والمواصلات، وحماية البيئة، والصحة وغيرها من الأنشطة الإنسانية التي تهم المجتمع بأسره؛ - توفير إمكانيات المنافسة الحرة والشريفة في إطار المجتمع الإعلامي؛ - تحسين ظروف وصول وتداول المعلومات التكنولوجية والتقنية والبيئية والاقتصادية والعلمية وغيرها من الموارد المعلوماتية عبر شبكات الإعلام والاتصال؛ - تطوير البحوث العلمية والبحوث التمهيدية في مجال تطوير تكنولوجيا وتقنيات الإعلام والاتصال؛ - تنسيق الجهود الوطنية والقومية والدولية أثناء وضع سياسة الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي بما يضمن تحقيق المصالح الوطنية من التعاون الدولي والاعتماد المتبادل بين الدول.[3] وفي هذه الحالة لابد وأن يصبح المجال الإعلامي الدولي ليس أحد أهم مجالات التعاون الدولي فقط، وإنما مجالاً للتنافس الحر والشريف بين الدول الأكثر تطوراً والتي تملك البنية التحتية الإعلامية الحديثة، من خلال وضع مقاييس تكنولوجية موحدة لمنتجاتها من تكنولوجيا وتقنيات وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية. وأن تقدمها للمستهلكين من الدول غير المصنعة لتلك الوسائل أي الدول الأقل تطوراً والنامية، دون فرض أية شروط على كيفية تشكيل واستثمار البنى التحتية الإعلامية في تلك الدول، وأن ينحصر تأثير الدول المتقدمة على تطوير المجالات الإعلامية للدول غير المصنعة لتكنولوجيا الإعلام والاتصال فقط، دون التأثير على مواردها المعلوماتية. بما يضمن عدم المساس بالأمن والمصالح الوطنية العليا للدول الصناعية المتطورة والدول الأقل تطوراً والدول النامية على حد سواء، أثناء وضع سياسات تطوير وتوفير وحماية أمن المجالات الإعلامية للدول الصناعية المتطورة.
مصاعب الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي: وبغض النظر عن الوضع المالي الصعب الذي تعاني منه بعض الدول الأقل تطوراً كروسيا مثلاً، فإننا نراها قد استطاعت الحفاظ على الاتجاهات الأساسية للعلوم المرتبطة بالتطور الصناعي. من حيث تطوير شبكة المؤسسات العلمية، والحفاظ على مستوى التأهيل المهني فيها، وتطوير المدارس التقنية، وتطوير نظام إعداد الكوادر ورفع مستواها المهني عن طريق التدريب المستمر طيلة مدة الخدمة الفعلية لتلك الكوادر، واستطاعت المحافظة على كمية وتنوع المجلات العلمية المتخصصة الصادرة فيها، مستفيدة إلى أبعد الحدود من التعاون الدولي المتاح لها. ولكن المشكلة الرئيسية في روسيا وتلك الدول بقيت في مستوى توفير المعلومات العلمية المتطورة من الدول المتقدمة، وحجم ونوعية وطبيعة البنى التحتية المعلوماتية اللازمة في مجال العلوم والتعليم والبحث العلمي.[4] لأن مشكلة إعداد نظم الاتصال الكفيلة بتوفير الموارد المعلوماتية الضرورية لتطور العلوم النظرية والتطبيقية في ظروف إصلاح النظم الإعلامية القائمة والتطور الاقتصادي تحتم على تلك الدول أن يكون التصدي لهذه المشكلة من المهام الأساسية للسياسة الحكومية وواجباتها لتلبية احتياجات نمو وتطور الاقتصاد الوطني. سيما وأن العنصر الرئيسي اللازم للأبحاث العلمية والاستفادة العملية من نتائجها، يبقى مرتبطاً بالكامل بأشكال وأساليب توفير المعلومات والحقائق العلمية الحديثة والمتطورة. أخذين بعين الاعتبار أهمية مؤشرات ونوعية الموارد المعلوماتية المتاحة لكوادر البحث العلمي في أي بلد من بلدان العالم. لأن أي قصور في تأمين حاجة الباحثين العلميين من المعلومات الضرورية لمواضيع أبحاثهم العلمية سيؤدي حتماً ومن دون أدنى شك إلى تأخير تطور البحث العلمي، وبالتالي إلى تخلف حركة التطور العلمي والاقتصادي والثقافي والمعرفي في جميع فروع الاقتصاد الوطني. وتحت تأثير مجموعة من الأسباب الموضوعية القائمة في الدول الأقل تطوراً وفي الدول النامية، لابد من إعادة النظر بكل مستويات أنظمة توفير الموارد المعلوماتية العلمية للمجتمع، بما فيها التعليم والبحث العلمي والاقتصاد الوطني بشكل عام. والتي هي عادة أقل كلفة مما هي في الدول المتطورة، خلال فترة المرحلة الانتقالية من الخدمات الإعلامية إلى المجتمع المعلوماتي المنفتح. كما ونلمس في تلك الدول مدى محدودية الإمكانيات والموارد المتاحة التي لا تكفي حتى لتزويد المكتبات الوطنية ومراكز المعلومات الوطنية بالإصدارات الدورية العلمية المتخصصة والتقنية، سواء منها المطبوعة أم الإلكترونية محلية كانت أم أجنبية. ومع ذلك فإننا نلمس تفاؤلاً كبيراً في تلك الدول يتجه نحو إمكانية حل تلك المعضلات في إطار برامج التعاون العلمي الدولي، وإطار الاعتماد المتبادل بين دول العالم من أجل تحسين أداء شبكات الموارد الإعلامية العلمية الإلكترونية الدولية، وتخفيض تكاليفها، وأجور استثمارها لمجالات البحث العلمي للدول التي تعاني من مشاكل مالية على الأقل. ومساعدة تلك الدول على إقامة شبكاتها الإعلامية العلمية وبنوك المعلومات الخاصة بها، ومكتباتها الإلكترونية ووضعها تحت تصرف المستخدمين في تلك الدول. خاصة وأننا نرى من خلال نظرة سريعة في عالم اليوم أن المؤسسات العامة والخاصة على السواء، في أكثر دول العالم تقوم اليوم باستخدام تكنولوجيا المعلومات المتقدمة والحديثة، بغض النظر عن المشاكل المالية والاقتصادية التي تعاني منها تلك الدول. وأن العديد من دول العالم تقوم اليوم بإنتاج مصنفات معلوماتية إلكترونية على الأسطوانات المضغوطة وغيرها من التقنيات الناقلة للمعلومات، إضافة لظهور آلاف النوافذ Web في شبكة الانترنيت Internet العالمية، فتحتها وتقوم بتشغيلها المؤسسات الحكومية والعامة والخاصة وحتى الأفراد في مختلف دول العالم. وتحوي تلك النوافذ على كم هائل من المعلومات المتنوعة العلمية والثقافية والتجارية وغير التجارية والاقتصادية والسياسية والترفيهية، والثقافية وغيرها، إضافة للبرامج التعليمية والتربوية والتثقيفية بما فيها برامج التعلم عن بعد. كما ونرى سعي واضح لمؤسسات التعليم العالي والمتوسط والمكتبات العامة وحتى المتاحف ووسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية المغمورة في مختلف دول العالم لفتح نوافذها Web الخاصة في شبكة الانترنيت العالمية. الوضع الذي يفرض على تلك الدول الإسراع في وضع خطط شاملة تنطلق من أسس موضوعية وواقعية وموجه في إطار برامج ومشاريع التنمية الشاملة لإنشاء بنية تحتية إعلامية وطنية تعتمد على برامج التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال الهام، وتوجيه تلك البرامج والمشاريع لخدمة وتطوير البحث العلمي وتأمين توزيع الموارد المعلوماتية توزيعاً سليماً وحمايتها، بما يكفل الوصول إلى المستوى العالمي المطلوب للخدمات المعلوماتية عبر الشبكات الإلكترونية في كل المجالات العلمية والتعليمية والثقافية والطبية والاقتصادية والمواصلات وغيرها من المجالات الهامة لمشاريع التنمية والاقتصاد الوطني بشكل عام. وإقامة نظام متكامل للموارد المعلوماتية وتوزيعها، وهو ما يعني إقامة شبكات اتصال إلكترونية تعتمد على الحاسبات الآلية الشخصية، تستخدم مقاييس معينة متفق عليها لإدخال واسترجاع المعلومات بشكل مدروس وممنهج، وإعادة توزيع تلك المعلومات على المستخدمين محلياً وإقليمياً وعالمياً. ومشروع كهذا يمكن أن يبدأ في إطار شبكة المؤسسات الحكومية التي يمكن أن تتكامل مع شبكات الموارد الإعلامية وبنوك المعلومات الأخرى الكبرى داخل الدولة، وداخل دول الجوار الإقليمي، والشبكات العالمية، آخذين بعين الاعتبار مصالح الأمن القومي والمصالح العليا للدولة في إطار هذا التكامل، والذي يمكن أن يأخذ الشكل التالي: - الشبكات الإلكترونية المرتبطة بوزارة الإعلام والمؤسسات الإعلامية أي المشروع الوطني لبنوك المعلومات؛ - الشبكات الإلكترونية العلمية للمكتبات ومراكز المعلومات لمؤسسات التعليم المتوسط والعالي ومراكز البحث العلمي. والتي بدورها يمكن أن تتكامل مع الشبكات الإلكترونية الإقليمية والدولية. والإنفاق على مثل تلك الشبكات يمكن توفيره من خلال التعاون المشترك وتضافر الإسهامات المالية المحلية والإقليمية والدولية للمعنيين بتنظيم تراكم ومعالجة وتداول تلك المعلومات. والأهم من كل ذلك أن تنظيم البنية التحتية الأساسية للموارد المعلوماتية العلمية الوطنية، وتنظيم تكاملها الشبكي مع الموارد المعلوماتية الإقليمية والدولية لابد وأن يمر عبر قاعدة قانونية دقيقة تشمل حمايتها عن طريق تنظيم: - الضوابط القانونية للملكية الخاصة، وحقوق الملكية الفكرية المشتركة، التي تصبح في ظلها أية مادة إعلامية أو أي مصنف معلوماتي إلكتروني في الظروف التقنية الحديثة سهل السحب والنسخ والاستخدام؛ - الوضع القانوني للإصدارات الإعلامية الإلكترونية ونشرها؛ - الضوابط القانونية لضمان عدم مخالفة مضمون المصنفات الإعلامية الإلكترونية للقوانين النافذة؛ - الوضع القانوني للقائمين على تقديم وتقييم الخدمات الإعلامية عبر شبكات المعلومات الإلكترونية المسموعة والمرئية؛ - الأوضاع القانونية والمالية لموزعي المعلومات، وخاصة المؤسسات الممولة من ميزانية الدولة وغيرها من المؤسسات؛ - فاعلية الرقابة على تنفيذ مشاريع تنظيم البنية التحتية للموارد الإعلامية العلمية الوطنية، وتكاملها الشبكي الإقليمي والدولي؛ - ضوابط الوصول للمعلومات الإلكترونية عن نتائج الأبحاث العلمية الوطنية، وشروط الاستفادة من تلك النتائج خدمة للأوساط العلمية المحلية والإقليمية والدولية. وبقي أن نشير هنا إلى ضرورة وضع الأدلة (الفهارس) الإلكترونية والمطبوعة، ووضع أسس لنشرها في وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية الإلكترونية والتقليدية وتوزيعها، لضمان تسهيل عمليات الوصول للموارد المعلوماتية العلمية المحكمة عبر البنى التحتية للموارد الإعلامية الوطنية، وعبر شبكات المعلومات الدولية بما فيها شبكة الانترنيت العالمية. لأنه دون التعريف بعناوين وطرق الوصول لتلك الموارد الإعلامية العلمية المحكمة لا يمكن الاستفادة منها ومن الكم الهائل من المعلومات المتوفرة حتى الآن في شبكات المعلومات الوطنية والإقليمية والدولية بشكل كامل.
تطوير البنى التحتية اللازمة للمجتمع المعلوماتي رهن بالسياسات الحكومية: ولا أحد ينكر أن تطور البنى التحتية المعلوماتية العلمية الإلكترونية تحتاج لموارد مادية هائلة، وأنها تعتبر من مهام بناء المجتمع المعلوماتي الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من حضارة القرن الحادي والعشرين، وهي رهن بالسياسات الحكومية الرسمية، وأن عملية بناء المجتمع المعلوماتي هي عملية متكاملة، تحتاج لتكثيف جهود الجميع، ومختلف الاتجاهات العلمية، ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار كل التخصصات العلمية، ومصطلحاتها ومشاكلها الناشئة نتيجة لدخولها عصر العولمة والمجتمع المعلوماتي، ودراسة المشاكل الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، وتأثيرها الناتج عن الانتشار الواسع والسريع للمعلومات وتكنولوجيا الاتصال المتقدمة، والقيام بمجموعة من الأبحاث العلمية النظرية والتطبيقية، دعماً للجهود المتواصلة لخلق الظروف المواتية للانتقال إلى المجتمع المعلوماتي سمة القرن الحادي والعشرين. فعالم اليوم يعيش ثورة معلوماتية حقيقية، طغت على حياة الناس وغيرت من طبيعة حياتهم اليومية بشكل جذري، وبدلت من تطلعاتهم، وخصائص تشكلهم في شرائح داخل المجتمع المحلي حتى أنها مست علاقة الفرد بذاته. وعلى العكس من الثورات التكنولوجية السابقة التي انطلقت من المادة والطاقة، فإن هذه التغييرات الجذرية الجديدة التي نعيشها اليوم وتعرضت لمفاهيمنا عن الزمان، والمكان، والأفق، والمسافة، والمعرفة،[5] تشكل في جوهرها الثورة المعلوماتية الناتجة عن التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام والاتصال المتنوعة، التي توصلت إليها عبقرية الإنسان خلال القرون الأخيرة، وهو ما يحتم وجود سياسة حكومية واضحة لمواجهة متطلبات الثورة المعلوماتية. ورغم عدم كفاية واكتمال الدراسات العلمية التي تناولت مرحلة الثورة المعلوماتية التي تمر بها البشرية في الوقت الحاضر، فإننا نلمس من حيث الجوهر أنها قربت لنا مفاهيم الثورة المعلوماتية التي أضحت أكثر فهماً ووضوحاً من ذي قبل. ومع حلول عصر العولمة بتداعياته العلمية، والإعلامية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية، برزت على الساحة آراء مختلفة تتباين في تقديرها لمدى تأثير تلك العولمة وخاصة الاقتصادية على تطور بعض الدول وعلى الحضارة الإنسانية بشكل عام. خاصة وأن العولمة كانت نتاجاً واقعياً لتطور وسائل وتقنيات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال والاستشعار عن بعد، ووسائل نقل وتخزين والتعامل مع المعلومات واسترجاعها. الأمر الذي سمح في نفس الوقت بإحداث نقلة نوعية وتغيير في الأدوار التي أصبحت تؤديه وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية في المجتمع بعد حلول عصر العولمة المعلوماتية، وانتقالها من دور تقديم الخدمات الإعلامية للمجتمع، إلى دور المشارك الفعال في الشبكة الكثيفة متعددة الأطراف التي تشبه اليوم إلى حد ما نسيج خيوط العنكبوت، يتصل من خلالها ويتفاعل مع غيره عبر اتصال كثيف وتبادل معلوماتي مباشر ملايين البشر على الكرة الأرضية، دون عوائق أو قيود تذكر، في مجتمع أصبح يطلق عليه اليوم تسمية "المجتمع المعلوماتي" المتشابك بواسطة شبكات الحاسبات الآلية الشخصية المنتشرة في كل أرجاء العالم المتقدم. وصناعة وتطوير وانتشار استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال والإعلام كأي تكنولوجيا أخرى توصلت إليها عبقرية الإنسان، مرتبطة بالمواقف والقرارات السياسية السليمة التي تأتي في الوقت المناسب، والمبنية على التقديرات الاقتصادية والمصالح الإستراتيجية والأمنية الوطنية العليا. وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصال كغيرها انطلقت من فكرة رفع الطاقة الإنتاجية للعمل وتحسين أداؤه في بعض المواقع المحددة، وهو ما سبب بعض الإخفاقات التي واجهتها تكنولوجيا المعلومات والاتصال والإعلام، بسبب أخذها في الاعتبار النواحي التقنية فقط، وإهمالها للنواحي الاجتماعية المترتبة عن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال والإعلام بشكل عام. لأنها تشكل معاً نهايات ثلاثية الأبعاد في المجتمع الإعلامي، بحيث تكون مقبولة، ومدعومة اجتماعياً، وتلبي حاجة أفراد المجتمع. وفي ظل المجتمع المعلوماتي يجب أن تكون تلك الثلاثية الأرضية التي ينطلق منها لتحقيق تطور هادف في وعي وحياة الإنسان، وتدعم مواقف جميع الشرائح الاجتماعية بكل اتجاهاتها مما يزيد من لحمتها، وإسهامها في تطوير المجتمع المعلوماتي بحد ذاته.[6] وتكنولوجيا الاتصال والإعلام تنتشر اليوم من الدول المتطورة وتنتقل منها إلى الدول الأقل حظاً والنامية، حاملة معها ثقافة جديدة، تختلف كثيراً عن تلك الثقافة التي ولدت في إطارها تلك التكنولوجيا. وتحمل في طياتها ثقافة تعميم آليات ونظم الحاسب الآلي المعقدة والمتنوعة لتلك النظم صعبة الفهم. وفي أكثر الحالات نرى أنها تتهيب الخطر الناتج عن حتمية التأثير على حياة الأفراد والمجتمعات، وهو التأثير الذي يصعب فهمه وقبوله في بعض الحالات. ومن أجل تجنب الجمود في المجتمع المعلوماتي، كان لا بد من الوصول إلى تصور واضح ودقيق عن التأثيرات العارضة لدخول تكنولوجيا الاتصال والإعلام المتطورة إلى الحياة الاجتماعية اليومية، ومنها نتائج الصدمة التكنولوجية وما يرافقها من تخريب في السلوك والآداب والأخلاق العامة، وفقدان لفرص العمل في بعض التخصصات التقليدية، إضافة لشيوع جرائم الحاسب الآلي غيرها، من تلك التي تهدد الأمن الإعلامي الوطني والدولي.
حتمية الثورة الاتصالية والمعلوماتية في ظل العولمة: ومع ذلك فإن الثورة الاتصالية والمعلوماتية التي تعمل على تغيير معالم العالم بسرعة هائلة، وحتمية هذه التغييرات تجعلها في وضع لا مفر منه وشاملة، وتزداد سرعتها بشكل دائم ومضطرد. وتختلف نتائجها الاقتصادية، لأنها تجلب معها فوائد ليست أقل أهمية وفاعلية ومؤثرة على القيم الإنسانية من فوائد الثورات الإنسانية السابقة في مختلف دول العالم ومن بينها الدول الأقل نمواً والنامية أيضاً. ومن ظواهر التفوق المعلوماتي اليوم في الدول المتقدمة أن الناس أصبحوا يتفاعلون مع الثورة المعلوماتية والاتصالية والإعلامية بالمقارنة مع غيرها من الثورات الإنسانية السابقة، في دول العالم بأشكال طالت المجتمع الإنساني بأسره. حتى أصبح مصطلح "المعلوماتية" يملك وقعاً سحرياً بالفعل، بعد أن أصبحت تكنولوجيا المعلومات والاتصال والإعلام الحديثة اليوم القوة المحركة الحقيقية والمتحكمة بالاقتصاد العالمي والتقدم التكنولوجي في العالم بأسره، وأصبحت مصدراً هاماً لمضاعفة المعارف والقيم الروحية الجديدة لدى الإنسان، خاصة بعد توسع وانتشار مجالات استخدام المنجزات العلمية والتكنولوجية للقرن العشرين.[7] وللحكم على مدى تشكل المجتمع المعلوماتي في أية دولة من دول العالم لابد من إلقاء نظرة فاحصة تشمل واقع وآفاق تطور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية في تلك الدول، على ضوء استيعابها لتكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام والاتصال المتطورة، وعلى آفاق تطور البنية التحتية لتلك الوسائل في العالم. والنظر كذلك إلى مستوى التعليم العام والمتخصص والقاعدة القانونية التي تستند عليها عملية التطور المعلوماتي في تلك الدول بشكل عام. ومدى إمكانية الوصول إلى مصادر المعلومات المتاحة، المحلية والإقليمية والدولية من خلال شبكات الاتصال الإلكترونية وخاصة شبكة الانترنيت العالمية. ومدى تأثير الموارد المعلوماتية المفتوحة تلك على علاقات الإنتاج، والنشاطات الإنسانية والعلمية والتجارية والاقتصادية، والأهم من كل ذلك مدى تلبية تلك الوسائل للحاجات الأساسية للمواطن وللمجتمع بكل شرائحه.[8] لأن الإنسان في المجتمع المعلوماتي يقف وجهاً لوجه أمام فضاء إعلامي واحد متنوع ومفتوح، تعتبر فيه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية من أهم وسائل التفاعل بين المواطن والسلطة بفروعها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. لأنها تساعد على شفافية عمل تلك السلطات، وعلنية التفاعلات السياسية في المجتمع. أما تقنيات الاتصال الحديثة في ظل "العولمة" والمجتمع المعلوماتي فقد أضافت عنصر الحوار الدولي بين الحضارات والثقافات الذي انبثق عنه "مجتمع الأربع والعشرين ساعة" (twenty-for-hour-society)، ذلك المجتمع الذي يعمل على مدار الساعة دون توقف، مضيفاً إمكانيات هائلة جديدة، منها على سبيل المثال: تكامل الدورة الاقتصادية التي أصبحت تعمل دون توقف أيضاً، بحيث تبدأ في آن معاً من أية نقطة في العالم وتعود من جديد ودون توقف من حيث أتت، مما فرض على العاملين في المجالات الاقتصادية والمالية، ضرورة إعادة النظر في جداول أعمالهم بما يتلاءم مع هذه الدورة الاقتصادية المعلوماتية. ومجتمع الأربع والعشرين ساعة هذا أصبح يمس اليوم كل نواحي الحياة الاجتماعية دون استثناء، ومنها وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية التي أصبحت تملك قنوات جديدة للحصول على المعلومات ونشرها تفوق القدرات التقليدية المعروفة لقنوات الاتصال.[9] ومن نظرة سريعة في تاريخ تطور الوسائل التقنية والتكنولوجية التي أخذت تحدد موقعها كقاعدة أساسية لتطور المجتمع المعلوماتي، لأنها الوسائل التي تعتبر من الأسس التي يجب أن يتطور على قاعدتها المجتمع المعلوماتي. لابد من استعراض مراحل تطور وسائل وتقنيات وبرامج الحاسب الآلي، التي جاءت في المرحلة الأولى عندما صنع و. بيرو في عام 1888م، أول آلة حاسبة قادرة على جمع أعداد كبيرة في ذلك الوقت.[10] وخلال عامين فقط استطاع غ. هولريت بناء آلة تعتمد على استخدام البطاقات المثقوبة. وفي عام 1906، اخترعت مؤسسة آ. غ. بيلا، أول جهاز تلفون وحصلت على براءة اختراعها، وقامت بعد ذلك بتصميم وصنع "منظم" مهمته حفظ النبضات الكهربائية في سلسلة متصلة تستمر إلى أن يستطيع جهاز التشغيل من القيام باتصال ثابت. وفي عام 1925، قام ب. بوش بصنع أول حاسب آلي معروف، وخلال 12 سنة صنع جهاز "التحليل الحسابي" الذي يقوم بإجراء عمليات حسابية. وما بين عامي 1937- 1942 أعد ج. ب. أتاناسوف، وصنع أول حاسب آلي ولكنه لم يستطع تسجيل براءة اختراعه لرفض شركة IBM تسجيله وبقي هو واختراعه مجهولاً. وفي عام 1944 صنع إيكين من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية "حاسب آلي أوتوماتيكي بإدارة مستمرة" (digital computer) يبلغ وزنه 4,5 طن وأطلق عليه اسم “MARK 1”. وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية تمكن العالمان إيكرت ج.، وموكلي ج. من جامعة بنسلفانيا من صنع أول كمبيوتر إلكتروني (Electronic Numerical Integrator and Computer “ENIAC”). وفي عام 1946 اقترح ج. فون نيمان نظام لإدارة أنظمة آلات الحساب الثنائي، وأعد مبدأً لإدخال المعلومات وحفظها آلياً، مع حفظ أوامر التشغيل. وفي عام 1951م، تم صنع أول حاسب آلي تجاري في العالم UNIVAC، الذي اشترى أول جهازين منه مكتب تعداد السكان في الولايات المتحدة الأمريكية، وشركة "جنراك إليكتريك". وفي نفس الوقت تقريباً قام المهندس الألماني ك. تسوزي ولأول مرة في تاريخ التكنولوجيا بصنع جهاز ببرنامج مستمر لحساب الأرقام “Z 3”.[11] وحتى بداية ستينات القرن العشرين تم وضع نظرية نظم "الكيبيرنيتيكا". وبعدها فقط بدأ العلماء والمفكرون، بالتنبه ولأول مرة للنواحي الفلسفية والنتائج الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية للعلم الجديد "الكيبيرنيتيكا".[12] وفي عام 1971 ظهر أول حاسب آلي صغير الحجم، وفي العام 1974 ظهر في الأسواق أول حاسب آلي للاستخدام الشخصي. وحتى عام 1960 بلغ عدد الحاسبات الآلية المستخدمة في العالم حوالي السبعة آلاف جهاز. ولكن المنعطف التاريخي الكبير في استخدام الحاسبات الإلكترونية الآلية حدث في عام 1993 عندما تجاوز وللمرة الأولى حجم إنتاج الحاسبات الإلكترونية الآلية الشخصية، حجم إنتاج السيارات الخفيفة حيث بلغ 35,4 مليون جهاز. وبعد عام واحد ارتفع حجم الإنتاج بمعدل 27 % ووصل إلى 48 مليون جهاز، وحتى عام 1995 ارتفع مرة أخرى بمعدل 25 % ووصل إلى 60 مليون جهاز تقريباً. وأصبحت أجهزة الحاسب الآلي الشخصية اليوم في بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية تنتج وتباع أكثر من أجهزة الاستقبال التلفزيونية وهو ما يؤكد ظاهرة انتشار أجهزة الحاسب الإلكتروني الآلية شعبياً في الدول المتطورة.[13] ومع ارتفاع نسبة إنتاج وانتشار أجهزة الحاسب الآلي في الاستخدام الشخصي، بدأ التفكير يتجه نحو الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع المعلوماتي. وكانت أجهزة الحاسب الآلي حينها تعمل بمعزل عن بعضها البعض، وتطلب الأمر التفكير في الوسائل التي تمكن تلك الأجهزة من العمل مع بعضها البعض في شبكة واحدة، لتحقيق عنصر التفاعل المعلوماتي بين المعلومات المختزنة في تلك الشبكة، ومن هنا انطلقت الحاجة إلى توحيد تلك المعلومات لتحقيق مبدأ التفاعل الفعلي بين المعلومات المختزنة والقائمين بعملية الاتصال، والحاجة إلى توظيف البنية التحتية للاتصالات المسموعة والمرئية التقليدية لخدمتها جنباً إلى جنب مع خطوات تطوير تلك البنى التحتية لتلبي متطلبات التكنولوجيا المتطورة. وبهذا تم الوصول لتلك القاعدة التي مكنت من الانتقال النوعي من المجتمع الزراعي الصناعي المتطور إلى المجتمع المعلوماتي في عصر العولمة. وحدث هذا التطور خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين حيث جرت تغييرات جوهرية في تكنولوجيا الحاسبات الآلية، بدلت النظرة السائدة من استخدامها. بحيث أصبحت نظم الحاسب الآلي حتى عام 1994 مفتوحة على بعضها البعض، وأصبحت نظم إدارة المعلومات، ونظم معالجة النصوص، ونظم إدارة وتمرير المعلومات، وحتى تقنيات نقل الصور المتحركة، تستخدم كوسيلة عادية داخل آليات العمل في المؤسسات الحكومية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة، وكوسيلة من وسائل نظم الإدارة والتنسيق والسيطرة والتوجيه والمتابعة فيها. وما أن حل عام 1995، حتى تبدل الوضع من جديد وأصبحت نظم الحاسب الآلي المنفتحة تتغير بسرعة، وشملت مختلف دول العالم المتقدمة والنامية، ولكن بوتائر وبأشكال ومستويات مختلفة. وأصبح بذلك الاتجاه العام للتطور يتجه نحو الدمج والتوحيد، وخاصة بعد أن تم الاعتراف دولياً بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت"،[14] الآخذة بالتطور والتوسع السريع بمعدل 10-15% في الشهر. وهذا النظام المتنامي يومياً يربط اليوم بين عشرات الملايين من المشتركين، الذين هم المشاركين في عملية التبادل الإعلامي الدولي على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية، من خلال أكثر من 9,5 مليون حاسب آلي شخصي، وأكثر من 250 ألف محطة ارتباط WWW منتشرة في أنحاء متفرقة من العالم. ورغم التفوق الذي تتمتع به شبكة "الانترنيت" العالمية التي خضعت عملياً للاختبار أكثر من مرة. إلا أننا نلاحظ رفضاً شبه إجماعي للتسليم بها رغم المليارات الضخمة التي تم توظيفها من أجل تطوير الشبكات الوطنية للانفتاح على الشبكة العالمية وتوحيد مقاييس نظمها للتداخل عبر شبكة "الانترنيت" العالمية.[15] وبالنتيجة نرى أن تكنولوجيا وسائل التعامل مع المعلومات أصبحت خاضعة اليوم لعملية تطور دائمة في اتجاهات متعددة، تدفعها في نفس الوقت نحو التخصص في معايير الأداء الوظيفية المحددة التي هي في النهاية لابد وأن تتكامل من حيث الوظائف ومعايير الأداء. ومع ارتفاع حجم المعلومات المختزنة إلكترونيا خلال السنوات الأربعين الماضية إلى نحو 130 مرة، كان لابد من ظهور تكنولوجيا حديثة مناسبة للتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات، يتميز بسهولة الاستعمال وصغر الحجم، وفعلاً ظهرت مكونات للحاسب الآلي لا يتعدى حجمها حجم ظفر الإنسان، بإمكانها تخزين معلومات تعادل مضمون 100 كتاب كل منها يحتوي على 500 صفحة. وبعد أن كانت أجهزة الحاسب الآلي لعشر سنوات مضت بوزن يتجاوز السبعة كيلو غرامات، نرى أن أجهزة الحاسب الآلي الشخصي المحمولة الخارقة الإمكانيات والوظائف اليوم لا يتجاوز حجمها حجم دليل الهاتف. إلى جانب انتشار الحاسبات الآلية متعددة الوظائف للاستعمال الشخصي بحجم لا يتجاوز حجم كف اليد. كما ويتوقع الخبراء أن يظهر في القريب العاجل حاسب آلي محمول باليد، يمكنه إعطاء حامله المعلومات الضرورية عن آخر الأنباء، ونشرة الأحوال الجوية، والنشرة المالية، وحركة وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية، وأفضل السبل لتجنب الاختناقات على طرق السيارات في المدن الكبيرة، وتحديد الوقت وغيرها الكثير، الكثير من المعلومات التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية المعاصرة.[16]
التقنيات الرقمية بديلة للتقنيات التقليدية في المجتمع المعلوماتي: وعندما نتحدث عن تطور تكنولوجيا الحاسب الآلي محرك الثورة المعلوماتية، لابد لنا من التعرض للدور الذي لعبته التقنيات الرقمية المتطورة في عملية تطوير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية التي أصبحت برامجها وصفحاتها الإلكترونية في متناول القارئ أينما كان عبر شبكات الحاسب الآلي الإلكتروني في ظروف المجتمع الإعلامي. وهنا لابد لنا من أن نأخذ في اعتبارنا عدة حقائق تحدد ملامح انتقال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية إلى استخدام التقنيات الرقمية، أهمها: - أن الصحف أخذت منذ زمن بتجميع صفحاتها وإخراجها على الحاسبات الإلكترونية الآلية، وأصبحت النسخة الإلكترونية الجاهزة تنقل إلى أي مكان من العالم عبر شبكات الحاسبات الإلكترونية الآلية وخاصة شبكة الانترنيت العالمية ليتم طبعها في أماكن عدة متفرقة من العالم في آن معاً؛ - وأصبحت برامج الإذاعتين المسموعة والمرئية تنقل عبر ترددات إذاعية رقمية تزيد من إمكانيات انتشارها ووصولها للمستهدف من عملية الاتصال بصفاء ووضوح تام. وهي البرامج نفسها التي يمكن سماعها ومشاهدتها عبر أجهزة الحاسب الآلي الشخصي، الموصولة بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت". مما جعل من تلك العملية سهلة جداً وميسرة، تؤمن تواصل كل وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية مع بعضها البعض وفي نفس الوقت مع الساحة الإعلامية الواسعة جداً، بما يوحي بتوحيد خدمات وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية، واتصالها واندماجها مع بعضها البعض، ليس عير شاشات الحاسب الآلي الشخصي وحسب، بل وعبر شاشات التلفزيون بعد إضافة مستقبل إلكتروني (set-top-box) على جهاز الاستقبال التلفزيوني المنزلي، الذي يقوم بتحويله إلى ما يشبه الحاسب الآلي الشخصي الذي يمكن من خلاله متابعة البرامج التلفزيونية، وقراءة الصحف، وسماع البرامج الإذاعية، ومتابعة صفحات شبكة المعلومات الدولية "الانترنيت". وأصبح الدمج هذا ممكناً من خلال تقنيات الدمج المتوفرة حالياً بين تقنيات الحاسب الآلي الشخصي، وأجهزة الاستقبال التلفزيونية، أو على قاعدة جهاز الاستقبال التلفزيوني فقط، بعد توصيله عن طريق جهاز خاص بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت"، أو عن طريق الحاسب الآلي الشخصي الذي تتحول شاشته إلى ما يشبه جهاز الاستقبال التلفزيوني. وكل ذلك تحقق بفضل الدمج بين تكنولوجيا الحاسب الآلي الشخصي وتكنولوجيا أجهزة الاستقبال التلفزيونية الآخذة بالتطور يوماً بعد يوم، وهو ما فتح آفاقاً جديدة لانتشار وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية عبر شبكة الانترنيت العالمية. والمجتمع الإعلامي كما هو معروف هو مجتمع المعرفة Knowledge Society ولفهم دور شبكات المعلومات الدولية في تلك المجتمعات التي تلعب فيها وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية حسب ظروفها الذاتية، الدور الهام لاجتياز الحاجز النفسي الذي يعيق من فهم المجتمع المحلي لدور شبكات المعلومات الدولية ومن بينها شبكة "الانترنيت" في الوسط الإعلامي للمجتمع المعلوماتي الجديد، الذي يبشر بالانفتاح على المعارف وخبرات ومنجزات الحضارة الإنسانية، ويفسح المجال واسعاً للوصول لأوسع المعلومات المتوفرة في شبكات المعلومات الدولية، لابد من الوقوف عند مشكلة الارتفاع المفاجئ لتكاليف ومستوى الخدمات الإعلامية المتوفرة للمجتمع المعلوماتي، ومدى تطور إمكانية وصول الفرد في هذا المجتمع إلى مختلف المعلومات والمعارف الجديدة عبر وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية، ومدى محافظة تلك الوسائل التقليدية على وظائفها التقليدية كالسبق الصحفي، وجمع وحفظ وإعداد ونشر وتوثيق المعلومات، ومنها المعلومات عن آخر الأخبار التي هي دائماً في مقدمة اهتمامات ووظائف صحافة الأحداث، بعد دخول منافس جديد للساحة الإعلامية يوفر المعلومات التي يحتاجها الفرد من خلال شبكات المعلومات الدولية، التي أصبحت اليوم تمثل المؤثر الخارجي الأكثر فعالية، وأصبح لها شأناً كبيراً في تحديد مستوى الوعي الفردي والاجتماعي من خلال احتكاك الفرد بمضمون تلك الشبكات. وفي اللغة الإنكليزية هناك مفهومين اثنين للمجتمع المقصود، الأول هو "المجتمع الإعلامي" (information society) والثاني هو إعلام المجتمع (informational society)،[17] أي المجتمع الذي تعتبر فيه المعلومات وسيلة للحوار، والاتصال وتؤثر في صلب المجتمع، ولهذا فضلنا أن نختار له مفهوم "المجتمع المعلوماتي". ويعتقد البعض أن الوصول للمعلومات الموثقة لا يمكن من دون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية وخاصة المطبوعة منها، التي تبقى الوسيلة الرئيسة والأهم لإعلام الرأي العام والإسهام في تطويره، من خلال ما تسجله على صفحاتها من معلومات يمكن أن تحفظ وتنتشر أكثر إن كان بطرق التوزيع التقليدية، أو من خلال أجهزة الحاسب الآلي الشخصية المتصلة بشبكات المعلومات المحلية والإقليمية والدولية داخل المجتمع الواحد. نظراً للكلفة الزهيدة للحصول عليها والاستفادة منها، لأن ما يدفع ثمناً لها بالمقارنة مع تكاليف استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية الحديثة، للحصول على مواد الصحف، والمجلات، ولقاء سماع البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية هو زهيد جداً. بالإضافة إلى أن تكاليف سماع ومشاهدة البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية بالطرق التقليدية خارج شبكة الانترنيت لا تكلفنا سوى قيمة استهلاك أجهزة الاستقبال الإذاعية والتلفزيونية، وقيمة الطاقة الكهربائية المستهلكة، وهذا بحد ذاته من الحقائق الهامة التي تؤكد حتمية التطور اللاحق لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية بأشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية. إلا أن استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية يصبح بالتدريج حاجة ملحة بعد انتشارها وتعدد استخداماتها وقنواتها داخل المجتمعات الحديثة. لأن تلك الشبكات تصبح الناقل لصفحات الصحف والمجلات قبل وصولها للمشتركين عبر شبكات التوزيع التقليدية بزمن كبير، هذا إن لم نتحدث عن جودة وصفاء الصوت والصورة للبرامج الإذاعية والتلفزيونية المنقولة من أماكن بعيدة جداً عبر شبكات المعلومات الدولية. ومع ذلك نلاحظ في بعض الدول كالنرويج والسويد وفنلندا وحتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها المتقدمة جداً في هذا المجال،[18] أن استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية لم يؤثر على أعداد المشتركين في الصحافة الدورية، بل على العكس كان عددهم أعلى بكثير من عدد المشتركين بشبكة الانترنيت الدولية. وهو ما يؤكد أن دور وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية وخاصة الصحافة المطبوعة في المجتمعات المتطورة سيبقى مهماً حتى في المجتمع المعلوماتي، الذي سيضيف أشكالاً متنوعة وجديدة وأكثر فاعلية وواقعية للخدمات الإعلامية المباشرة في ظروف الانفتاح الإعلامي. وهو ما يمكن اعتباره عنصراً هاماً من عناصر تطوير النظام التقليدي لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، وخاصة وظيفة نقل المعلومات عبر العالم بحرية ودون عوائق أو قيود، تلك التي هي من خصائص المجتمع المعلوماتي.
خصائص المجتمع المعلوماتي: وقد تباينت وجهات النظر حول خصائص "المجتمع المعلوماتي"، ولهذا سنحاول هنا التقريب بين وجهات النظر تلك لنجملها بالخصائص التالية وهي أن المجتمع المعلوماتي هو: - مجتمع من شكل جديد، تشكل في الدول المتقدمة نتيجة للعولمة والثورات العلمية والمعلوماتية والتقنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي نتجت عن التطور الهائل لتكنولوجيا وتقنيات وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية؛ - مجتمع المعرفة، الذي يتحقق فيه لكل إنسان وفي أية دولة من العالم الرفاهية والتقدم والنجاح عن طريق الوصول الحر للمعلومات التي يحتاجها دون أية حواجز أو معيقات. وكل ما يحتاجه الإنسان هنا هو الوصول إلى وسائط الاتصال بمصادر المعلومات الإلكترونية، وإتقان مهارات استخدام تكنولوجيا ووسائل الاتصال بشبكات المعلومات الوطنية والإقليمية والدولية والتعامل مع المعلومات التي تتيحها له تلك الشبكات؛ - مجتمع العولمة الإعلامية، الذي لا يوجد فيه ما يعيق تبادل المعلومات، من وقت ومساحة، وحدود سياسية؛ وهو المجتمع الذي تتحول فيه المعلومات تدريجياً إلى وسيلة من وسائل التكامل المتبادل للثقافات المختلفة، ولا يعيق من جانب آخر خلق الإمكانيات الجديدة للتطور الذاتي لكل مجتمع.[19] وبذلك يتحول المجتمع المعلوماتي حسب رأي البعض بالتدريج إلى "مجتمع الحكمة"، من خلال القدرة على التعامل العلمي والواعي والمدرك لأبعاد الكم الهائل من المعطيات والمعلومات المتوفرة في شبكات المعلومات المحلية والإقليمية والدولية، والقدرة على تحليل هذا الكم الهائل انطلاقا من أسس علمية سليمة، تمهيداً لأخذ شيء منه تمهيداً لاتخاذ قرار هادف لتحسين ظروف ومستوى الحياة في المجتمع الإنساني. وبذلك تصبح الحكمة أساساً لاتخاذ القرارات المبنية على المعطيات والمعلومات التي تساعد على النهوض بالمجتمع نحو الأفضل، ، المجتمع المنفتح على المجتمعات الأخرى، المجتمع الذي يأخذ في اعتباره مصالح وأمن الدول والمجتمعات وإمكانياتها الذاتية، ويشجع على مشاركة كل أعضاء المجتمع في النشاطات الفكرية والإنتاجية التي تأخذ في اعتبارها الجوانب الثقافية والاجتماعية للحياة التي هي ليست أقل أهمية من الجوانب المادية والاقتصادية.[20] بينما يرى العلماء الألمان أن المجتمع المعلوماتي، هو المجتمع الذي تتحكم فيه في نهاية المطاف الطرق التي يتم من خلالها الحصول على المعلومات، وطرق التعامل معها وحفظها ونقلها وتداولها ونشرها، واستخدام المعارف المستمدة من خلال الكم الهائل للمعلومات المختزنة في شبكات المعلومات، التي تتيح إمكانية توفير فرص الاعتماد المتبادل بين الدول في التعامل مع المعلومات، وهو ما يحتاج بدوره إلى تطوير التكنولوجيا اللازمة ورفع إمكانياتها وقدراتها بشكل مستمر. لأنه في المستقبل لابد وأن تبرز وتأخذ بالتشكل أشكال أخرى جديدة للمجتمع المعلوماتي، كما كانت الحال في السابق عندما تعددت نماذج وأشكال نظم الإدارة والحكم، ونماذج وأشكال المجتمع الصناعي، ونماذج وأشكال النظم الاقتصادية . . . وهكذا. ولكن مع ذلك تبقى الملامح الرئيسية للمجتمع مع تبلور ملامح المجتمع المعلوماتي معتمدة على مستوى توفير المساواة في الحقوق لجميع المواطنين في الوصول إلى الموارد المعلوماتية الرئيسية؛ ومستوى مساهمة كل فرد في حياة المجتمع الذي هو عضو فيه، وتحقيق الذات الفردية لكل من يعاني من نقص في إمكانياته وقدراته الجسدية. ومن الخصائص الهامة للمجتمع المعلوماتي أيضاً، التركيز على الإنتاج الفكري والمادي، اعتماداً على قطاع الخدمات المعلوماتية الذي لابد وأن توفر خدماته وتخفض من الهدر في الوقت، وفي استخراج واستثمار وتصنيع المواد الخام، وتقلل من نفقات الطاقة وغيرها. ومع تطور الخدمات المعلوماتية في المجتمعات لابد أن تحدث تغييرات جوهرية من حيث تكثيف الاعتماد على النواحي العلمية وتركيزها. وهو ما نلمسه من خلال إلقاء نظرة سريعة لما يجري في هذا المجال في شمال القارة الأمريكية والدول الأوروبية الآخذة في الانتقال الحثيث نحو المجتمع المعلوماتي الآخذ بالتطور بشكل ملحوظ فيها، حيث نلاحظ أن أكثر من النصف (55%) من الموارد في الصناعة المعلوماتية خصصت لتشكيل الموارد المعلوماتية، بينما خصصت 45% فقط لإنتاج تكنولوجيا المعلومات والاتصال؛ بينما بقيت الهوة في ازدياد واتساع في صناعة وسائل الاتصال التي خصص 80% منها لقطاع خدمات الاتصالات التلفزيونية، و 20% فقط خصصت لإنتاج وسائل الاتصال.[21] وكما هو معروف فإن كل خصائص المجتمع الإعلامي مرتبطة إلى حد ما بطبيعة "العولمة" الآخذة بالتشكل والاتساع التدريجي لتشمل العالم بأسره، من خلال إصرارها على إزالة الحدود والحواجز بين الدول والمجتمعات، لتبدل جذرياً من تركيبة الاقتصاد العالمي الذي أخذ بالتحول التدريجي إلى اقتصاد السوق المفتوحة. وهنا تبرز حاجات تحقيق الذات القومية التي تتطلب من الجميع مراعاة أمن ومصالح كل دولة من الدول في ظروف العولمة، وفي نفس الوقت إيلاء أهمية خاصة لتطور البنى التحتية الإعلامية الوطنية والقومية، لتأمين دخولها الفاعل والمتساوي إلى الساحة المعلوماتية الدولية.[22]
للبحث بقية
هوامش:
[1] أنظر: سيونتيورينكو و.ف.: المجتمع المعلوماتي والمعلومات العلمية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_1.htm (باللغة الروسية)
[2] أنظر: د. محمد البخاري: العلاقات العامة كهدف من أهداف التبادل الإعلامي الدولي، مقرر لطلاب الماجستير. طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 2000. ص 26-38. (باللغة الروسية)
[3] أنظر: سيونتيورينكو و.ف.: المجتمع المعلوماتي والمعلومات العلمية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_1.htm (باللغة الروسية) ود. محمد نعمان جلال: العولمة بين الخصائص القومية والمقتضيات الدولي. القاهرة: مجلة السياسة الدولية، عدد 145، يوليو 2001. ص 42-48. ود. محمد البخاري: العلاقات العامة كهدف من أهداف التبادل الإعلامي الدولي، مقرر لطلاب الماجستير. طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 2000. ص 18-66. (باللغة الروسية) ود. محمد البخاري: الحرب الإعلامية والأمن الإعلامي الوطني. أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، الثلاثاء 23 يناير 2001. صفحة 33. ود. محمد البخاري: الأمن الإعلامي الوطني في ظل العولمة. أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، الاثنين 22 يناير 2001. صفحة 34. ود. محمد البخاري: العولمة والأمن الإعلامي الدولي. مجلة "معلومات دولية" دمشق: العدد 65/ صيف 2000. ص 129 – 144.
[4] أنظر: سيونتيورينكو و.ف.: المجتمع المعلوماتي والمعلومات العلمية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_1.htm (باللغة الروسية)
[5] The Information Society and the Developing World: A South Africa Perspective (Draft 5, Version 5.1, April 1996).
[6] أنظر: يرشوفا ت.ف.: آفاق قضايا الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي في القرن الحادي والعشرين. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_5.htm (باللغة الروسية)
[7] أنظر: طريق روسيا إلى المجتمع المعلوماتي (الأسس، المؤشرات، المشاكل، والخصائص) غ.ل. صاموليان، د.س. تشيريشكين، و.ن. فيرشينسكايا، وآخرون. موسكو: معهد نظم التحليل في أكاديمية العلوم الروسية، 1997. ص 64. (باللغة الروسية)
[8]أنظر: ميليوخين ي. س.: تكنولوجيا المعلومات والعمل الحر. موسكو: غارانت – بارك، 1997. (باللغة الروسية)
[9]أنظر: زاسورسكي يا. ن.: المجتمع الإعلامي ووسائل الإعلام الجماهيرية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/2_1.htm (باللغة الروسية)
[10] أنظر: غاكوف ف.: الحاسب الآلي على البخار. موسكو: مودوس، 1999، العدد 2 (81). ص 10-11. (باللغة الروسية)
[11] Wege in Informationsgesellschaft: Status quo und Perspekttiven Deutschlands im internationalen Vergleich / Fachverband Informationstechnik. - http://www.bmwi-info2000.de/gip/fakten/status/index.html
[12] Wege in Informationsgesellschaft: Status quo und Perspekttiven Deutschlands im internationalen Vergleich / Fachverband Informationstechnik. - http://www.bmwi-info2000.de/gip/fakten/status/index.html
[13] Information Socity: Challenges for Politics, Economy and Society. - http://www.bmwi-info2000.de/gip/fakten/zvei e/index.html
[14] أنظر: كليمينكو س.، أورازميتوف ف.: وسط حياة المجتمع المعلوماتي // ИФВЭ، МФТИ. – Протвино: РЦФТИ، 1995. (باللغة الروسية)
[15] أنظر: يرشوفا ت.ف.، خوخلوف يو.يي.: المجتمع المعلوماتي ومستقبل المكتبات // المعلومات التربوية، 1997، العدد 4. (باللغة الروسية)
[16] Information Socity: Challenges for Politics, Economy and Society. - http://www.bmwi-info2000.de/gip/fakten/zvei e/index.html
[17] أنظر: وارطانوفا يي. ل.: النموذج الفنلندي على عتبة القرن الجديد. المجتمع الإعلامي ووسائل الإعلام الجماهيرية الفنلندية في الآفاق الأوروبية. – موسكو: جامعة موسكو الحكومية، 1999. ص 30-93. (باللغة الروسية)
[18] أنظر: نفس المصدر السابق. ص 12-16.
[19] أنظر: يرشوفا ت.ف.: آفاق قضايا الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي في القرن الحادي والعشرين. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_5.htm (باللغة الروسية) وكليمينكو س.، أورازميتوف ف.: وسط حياة المجتمع المعلوماتي // ИФВЭ، МФТИ. – Протвино: РЦФТИ، 1995. (باللغة الروسية) وزاسورسكي يا. ن.: المجتمع الإعلامي ووسائل الإعلام الجماهيرية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/2_1.htm (باللغة الروسية) و
- Building the European Information Society for us all: Final policy report of the high-Level expert group, April 1997 / European Commission. Directorate- General for employment, industrial relations and social affairs. Unit V/B/4. - [Brussels, manuscript completed in April 1997]
[20] Building the European Information Society for us all: Final policy report of the high-Level expert group, April 1997 / European Commission. Directorate- General for employment, industrial relations and social affairs. Unit V/B/4. - [Brussels, manuscript completed in April 1997]
[21] The Global Information Infrastructure: Agenda For Cooperation / R. H. Brown, L. Inving, A. Prabhakar, S. Katzen. - [1994].
[22] Information Society: Concepts, Work Programme and Examples of Public and Private Initiatives.

هناك تعليق واحد: