الأحد، 6 ديسمبر، 2009

تقارب وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية

تقارب وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية
دراسة كتبها في طشقند بتاريخ 13/8/2009 أ.د. محمد البخاري: مواطن عربي سوري مقيم في أوزبكستان، دكتوراه علوم في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD، اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية. ونشرتها مجلة المعرفة بعددها 554 الصادر في كانون أول 2009 ص 266-276
مصطلح convergere باللاتينية يعني التقارب والتشابه، واستخدم هذا المصطلح منذ القدم للتعريف بالتفاعلات المتشابهة والمتبادلة في البيولوجيا، والدراسات السكانية، واللغوية. وأخذ الفلاسفة وعلماء الاجتماع الغربيون منذ خمسينات القرن الماضي بهذا المصطلح لاستخدامه في العلوم الاجتماعية والسياسية معتمدين على منجزات التقدم العلمي والتكنولوجي متوقعين حدوث تقارب بين المجتمعات الرأسمالية والمجتمعات الاشتراكية.
وكانت الثورة العلمية والتكنولوجية القوة المحركة الأساسية برأي الباحث الأمريكي روستو و.، والباحث الهولندي تينبيرغين يا.، لتشجيع التقارب الأيديولوجي بين المجتمعين المتناقضين.
وجاءت توقعات أنصار نظرية التقارب مستندة إلى التقارب في المصطلحات التكنولوجية. وسرعان ما تحولت النظرات الجديدة للتقارب إلى نظرات شائعة لدى علماء الاجتماع، وأصدر الباحث الأمريكي بيل د.، كتابه "نهاية الأيديولوجية" في عام 1962 معتبراً أن أفضل وجهة نظر في مجال تطور نظرية التقارب الاجتماعي والسياسي التي ربط بيل د.، بينها وبين المجتمع الصناعي الذي كان من المنتظر منه نشوء مجتمع بشكل جديد. وأضاف أن المجتمع الجديد سيعتمد على المعارف التقنية وعلى صناعة المعلومات وهما جزأن أساسيان يعتمد عليهما المستقبل الاقتصادي. وبذلك مد بيل د.، جسراً للمبادئ المستقبلية وتصورات المجتمع المعلوماتي التي رافقتها أفكاراً متعددة عن التقارب ولكن بفهم جديد.
واستخدم هذا المصطلح منذ سبعينات القرن الماضي بمعنى أن التكامل سيحصل في تقنيات المعلوماتية ووسائل الاتصال: الحاسبات الآلية (الكمبيوتر)، والهواتف، والإذاعة المرئية.
واستمر تطور مصطلح التقارب من خلال الحوارات التي جرت في إطار إعادة تنظيم سوق الاتصالات الهاتفية في الولايات المتحدة الأمريكية، وسوق البث الإذاعي في غرب أوروبا مع نهاية ثمانينات القرن العشرين. وجاءت تسعينات القرن الماضي لتشهد انتشار استعمال الانترنيت في الحياة اليومية لملايين البشر وهو ما أعطى تلك الحوارات مفهوماً عملياً جديداً لنظرية التقارب.
ومن المعروف تقليدياً أن مفهوم التقدم التكنولوجي والتغييرات السياسية في النظم الإعلامية الحديثة تختلف من خلال خصائص نموها وعبرت عنها السرعة التي احتلت فيها شبكة الانترنيت ساحة جماهيرية واسعة، محدثة سبقاً في تاريخ تطور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي احتاجت فيها الإذاعة المسموعة في الولايات المتحدة الأمريكية لـ 38 سنة لتشغل ساحة تضم 50 مليون مستمع. بينما احتاجت الإذاعة المرئية إلى 14 عاماً لتشغل نفس الساحة. بينما لم تحتاج شبكة الإنترنيت سوى لـ 4 سنوات فقط ليبلغ عدد مستخدميها في الولايات المتحدة الأمريكية 50 مليون مستخدم.[1]
وغدى مصطلح التقارب يأخذ مكانة بين المصطلحات الهامة المستخدمة في الحوارات الحديثة الدائرة حول مستقبل تطور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية شبكة الانترنيت، التي جرى ربطها بمصطلح التقارب، وبالتدريج أخذ هذا المصطلح مكانه في التحولات الجارية في المجالات الإعلامية. واحتل مصطلح التقارب مكانة هامة في الحوارات الدائرة في مجالات الاتصال والمعلوماتية الدولية حديثاً والتي دأبت على تفسير مفاهيمه واستخداماته المتعددة وبشرت بأن التقارب سيغير بالكامل عمل نظم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وكل الصناعات المرتبطة بها خلال السنوات العشر القادمة. وسرعان ما أخذ تقارب وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية معنى الاندماج ولكن على كل حال فإن الحديث الدائر حول مختلف حالات التفاعلات المختلفة يبقى جوهرها واحداً ويعني الاندماج الذي هو.
بالدرجة الأولى: جاء من الاندماج التكنولوجي الذي يسمح لمختلف النظم التكنولوجية الناقلة من: شبكات التوزيع بالكابلات، وشبكات الهاتف، وشبكات الاتصالات اللاسلكية عبر الأقمار الصناعية، التي تنقل المعلومات لمستخدميها أو مستهلكيها. ولكن الأساس التكنولوجي للتقارب الإعلامي ما هو إلا عملية لتجاوز الصعوبات وإحداث نقله نوعية باستخدام منجزات التكنولوجيا الرقمية التي تتساوى مع الكلمة المطبوعة وحركتها المرئية.
والمضمون الرقمي يمكن نشره بمختلف الطرق دون التقيد بصناعة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وتكنولوجيا الوسائط التقليدية.[2] ويطرح التقارب التكنولوجي أيضاً مبدأ التفاعلات الدولية التي ستتحول إلى واحدة من أهم مكونات الاتصالات الحديثة مما يؤدي في النهاية إلى التقارب التكنولوجي وتصغير حجوم وسائطه وهو ما أطلق عليه مصطلح تكنولوجيا النانو.
وبالدرجة الثانية: أخذ معنى التقارب والاندماج بين مختلف أشكال التعامل مع وسائل الاتصال والإعلام، التي يصبح معها بالنتيجة من الصعوبة بمكان التمييز عن أي وسيلة محددة يجري الحديث. فالإذاعتين المسموعة والمرئية دخلتا عالم الانترنيت، والموسوعة البريطانية سجلت على أقراص مضغوطة، وأفلام الفيديو غدت تبث عبر قنوات الكابلات التلفزيونية، وعبر الإعلانات الإلكترونية التي تستقبلها أجهزة الحاسب الآلي صغيرة الحجم (كمبيوتر الجيب) الذي يؤدي مهام جهاز الحاسب الآلي الشخصي بكاملها. مما أدى إلى انتقال وظيفة وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية معينة إلى أخرى، ورافقه تبادل للأدوار بين مختلف قنوات الاتصال، موفراً إمكانية الحصول على مضامين مختلف قنوات الاتصال والإعلام الجماهيرية عبر وسيلة واحدة غيرت جذرياً التصورات السابقة عن مختلف قنوات الاتصال والإعلام الجماهيرية وقربت بينها، وأدت إلى ظهور قنوات مشتركة جديدة للحصول على المعلومات، نتج عنها ظهور فنون صحفية جديدة متقاربة ومواد إذاعية مرئية عصرية تحولت كلها إلى معلومات ترفيهية.
وتحول عصر شبكة الإنترنيت إلى مصدر للمعلومات التعليمية، وتحولت القنوات الإعلامية الشخصية الحديثة إلى مصدر لمعلومات متميزة. وفي النهاية تحول التقارب إلى اندماج الأسواق. وأخذت معه صناعة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بالتحرك من سلطة بارونات الصحف الذين كانوا يقودون تجارة الإعلام في القرن الماضي، نحو التكامل مع قطاع الاتصالات الإلكترونية أكثر، وتحولها إلى إنتاج تكنولوجيا الاستعمال اليومي وتكنولوجيا المعلوماتية. مما أدى بالنتيجة لظهور سوق جديدة للتكامل ارتبطت فيه خدمات الاتصال، وشبكات الخدمة، وإنتاج البرامج اللازمة لها.
وينشغل الكثير من الباحثين الغربيين اليوم بخلافات فارغة حول التقارب تجذب بعضهم للبعض، وهو أشبه بالخلاف الذي كان دائر في يوم من الأيام حول الدجاجة كانت أولاً أم البيضة. لنرى أن عملية التقارب اليوم أخذت طريقها نحو مستقبل تقدم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
ومعروف أن الانتقادات التي وجهت للباحثين الذي ربطوا في أبحاثهم بين دور التكنولوجيا في تطوير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وعملية التقدم التكنولوجي لم تتوصل لأي نتائج. وخاصة أبحاث مارشال ماكلوهين الذي كان رائداً في هذا المجال. ولكن على ما يبدوا أن استخدام التقارب الحاصل في التقدم التكنولوجي يمكن أن يؤدي في القريب إلى تحولات في اقتصاد سوق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وأظهرت التحليلات التي أجراها الاقتصاديون أن القوة المحركة الهامة للتحولات في اقتصاد الإعلام ترتبط بأربع عوامل اقتصادية، هي:
- تكامل الاقتصاد القومي على المستوى الإقليمي مثال: الاتحاد الأوروبي؛
- ونشوء عالم حر يتخلص من الأيديولوجية الأمر الذي يسمح للدول بالعمل المشترك دون تأثير للأيديولوجية؛
- وبروز دور التطور التكنولوجي؛
- الذي أدى إلى تطور في الاقتصاد العالمي يشجع على المنافسة العالمية.[3]
برأي الكثير من الباحثين أن التبدلات الهائلة الجارية في اقتصاد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تشجعها عوامل النظام الاقتصادي الشامل. ولو أن آراء مختلف الباحثين حول العوامل السياسية والاقتصادية تختلف بشكل واضح، ولكنهم يتفقون على تأثير التكنولوجيا الحديثة على اقتصاد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من خلال الحقائق الواضحة.
وأن النتائج التي توصلت إليها التكنولوجيا شجعت على تطوير وإعادة تنظيم الاقتصاد الإعلامي، وخاصة في الآونة الأخيرة التي أضافت عوامل ونتائج محددة جديدة. وليس غريباً أن النتائج المتوقعة في الألفية الجديدة أخذت منحى عالمياً شاملاً. ولكن الغريب في أن الاقتصاد الإعلامي لن يزل يجري قياسه وفقاً للتقارب التكنولوجي لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة التي تتعرض عملياً لإعادة في تركيبة الاقتصاد الإعلامي بالكامل مع بروز تناقضات في النظريات السائدة خلال السنوات العشر الأخيرة.
ومن المعروف أن التفاعلات المناهضة للتركيز في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية كانت قد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية ورافقتها دراسات إعلامية قدمت مجموعة من الأبحاث. أدت إلى نشوء اتحادات لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية فرضت نفسها تحت ضغوط منطق السوق، واعتبرت كاتجاه رئيسي لتطوير الصناعة الإعلامية.
بينما أثار عمالقة الإعلام الذين ركزوا في أيديهم الصحافة المطبوعة وقنوات البث الإذاعي المسموع والمرئي، مخاوف كبيرة عند السياسيين وجمهور واسع من الديمقراطية، وتعدد الآراء، وآراء الثقافة السياسية البراقة، واللغوية للأقليات، في الوقت الذي كان يجري تعويضها من خلال الاستقرار والقدرات الاقتصادية لعمالقة الإعلام الجدد. والقضاء على التنوع وتركيز وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لتقدم صناعة الإعلام موارد كافية وثبات وتقدم ملحوظ.
وقدمت التفاعلات مفاجآت غير منتظرة دخلت بنتيجتها للسوق الذي سيطرت عليه المؤسسات الإعلامية الضخمة في الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا لفترة طويلة وخاصة في ثمانينات القرن العشرين ليصبح عامودياً انخفضت معه قيمة الأسهم في الأسواق، وتداعت الأوضاع المادية للمؤسسات الإعلامية الضخمة.
ومن أوائل الاندماجات الضخمة التي جرت خلال السنوات الأخيرة: تايم أورنير، وفياكوم، وديزني، الذين اتفقوا على ضرورة نقل ثقل نشاطاتهم إلى المجالات التقليدية التي تشكلت تاريخياً. خاصة في التركيبة الإعلامية الجديدة التي تألفت من مستويين ينتظران من الشركات المهيمنة أن تسيطر على 80 أو 90% من الموارد، مبقية للإنتاج المساعد نحو 20% فقط.[4]
ومن هذه التغييرات الإستراتيجية الحديثة التي طالت نشاطات الكثير من الشركات المعروفة، ومنها شركة الإعلام والترفيه ديزني.
وفي مقابلة أجرتها صحيفة فايننشيل تايمز مع مدير شركة الإعلام والترفيه ديزني م. إيسنير، تحدث عن تلك التغييرات، واعترف بأن النتائج المالية خلال العام ستكون سيئة في أحسن الأحوال كما في السابق، وأشار إلى أن الاهتمام المتواضع الذي ستبذله الشركة سيوجه إلى مضامين الإنتاج.[5] وأن ديزني غير مهتمة بشراء محطات جديدة للإذاعة المسموعة والمرئية، ولكنها ستتجه نحو خلق توازن لمواجهة الإستراتيجية السابقة للفروع العاملة في مجال تطوير الانترنيت والتجارة الإلكترونية.
وأوجد نموذج السوق الجديد وزناً مضاداً لعملية الإنتاج الموجه نحو السوق السابقة التي حرمتها من الموارد وأسهمت في تبذيرها، وأضعفت معها ظروف التقارب إمكانيات الشركة. لنرى أن التقارب فرض على المنشآت الإعلامية إتباع إستراتيجية مرنة لتحقيق الثبات في الأسواق.
وتطرق الكثير من الباحثين الغربيين إلى فكرة أن التقارب سيؤدي إلى تقاسم الأسواق، وإلى التحول من الصناعات التقليدية التي تحافظ على تقسيم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، الصحف، والبث الإذاعي، والكابلات، إلى إنتاج منتجات جديدة تشمل تكنولوجيا الاستعمال اليومي وتقنياتها، وإنتاج منتجات تدعم قنوات التوزيع.
وأدى ظهور أنواع جديدة من منتجات صناعة المعلوماتية والاتصال، بغض النظر عن التغييرات المستمرة إلى تشكل طليعة جديدة، في مجال إنتاج المضامين (المنتجات ذات المضمون الإعلامي) للإذاعة المرئية لتبقى الطليعة لكبار التقليديين أمثال: ديزني/إيه بي سي؛ وأونير؛ وإن بي سي؛ وفوكس.
وفي مجال إنتاج المنتجات ذات المضمون الإعلامي للسينما ظهرت نفس الشركات: ديزني؛ وبياكوم؛ وتايم أونير. وللإذاعة المسموعة بقيت الطليعة أيضاً لدى الشركة المعروفة: فيستينغاوز. ومن السهل ملاحظة أن الأوضاع التاريخية للإعلام المعروفة في القطاعات الجديدة بقيت قريبة من السنوات العشر السابقة. وحملت الطليعة الاقتصادية للشركات البارزة بالكامل الصفات التقليدية لتركيبة السوق والسيطرة. ومع ذلك تبقى مراحل تطور التقارب في الأسواق في النهاية داعمة لقدرات وسيطرة عدد محدود من اللاعبين على الساحة الإعلامية.
وأدى التقارب إلى تغيير الأساليب في التكنولوجيا الإعلامية، وفي المضمون الإعلامي، وفي الأسواق الإعلامية. وبشكل أقل كانت تأثيراتها على تغيير علاقات السياسيين مع ما يجري من تغييرات. وأول استجابة للسياسيين على تفاعلات التقارب كانت بظهور قوانين جديدة موجهة نحو ليبرالية أسواق الإعلام والاتصالات وتشجيع المنافسة فيها. وإلى إضعاف الاحتكارات السابقة في أسواق الاتصالات يمكن أن تسمح لبعض الشركات بدخول الأسواق، وتخفيض الأسعار، وتقريب كل قطاع الخدمات المعلوماتية والاتصال الحديثة من المستهلكين.
ويبقى التقارب جزئياً في فن الخطابة وأساليبها في المراكز السياسية للدول البارزة في العالم، وبالدرجة الأولى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي. ومنها خطاب قانون الاتصالات في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1996، والكتاب الأخضر للتقارب الذي وافق عليه الاتحاد الأوروبي في ديسمبر/كانون أول عام 1997، التي بقيت حتى الآن من أشهر الوثائق السياسية التي تدعوا لتشجيع التقدم في التقارب على المستوى السياسي. وانطلقت الوثيقتين من المبادئ القديمة لتنظيم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الإلكترونية المضطرة للتعامل مع مشاكل تحديد الموجات الإذاعية المسموعة والمرئية. ولو أن التقارب يلغي هذه المشكلة بحيث لن يضطر الوسط المعلوماتي والاتصالات الجديد لتوزيع الموجات الإذاعية المسموعة والمرئية بعد أن أصبحت وسائط للعمل المشترك في القنوات والمضامين الإعلامية الجارية بتناقض مع نظم القوانين التقليدية، مبنية على تحديد نشاطات مشغلي الشبكات، والإذاعتين المرئية والمسموعة. وليصبح الوصول الحر إلى شبكات نظم الاتصالات الحديثة بالكامل خاضع للسياسات الجديدة للدول إضافة لـ "الأشخاص العاملين" على تحديد أسعار الوسائط لينمو التقارب بشكل ملحوظ، ويصبح الدور النشيط لمشغلي الشبكات، ووسائط الوصول، ومنتجي المضامين الإعلامية والمستخدمين في تحديد أوضاعهم الخاصة.
ويعتبر تأمين فرص الوصول من أهم الاتجاهات السياسية اليوم، ويرافق تقارب الأسواق التخفيف من التركيز والاحتكار الذي يمكن الكثير من الشركات الصغيرة من العمل بنجاح في السوق الإعلامية الحديثة. ناهيك عن أن التخلف عن التقدم التكنولوجي قد يصبح عائقاً جدياً للوصول إلى البنية التحتية العالمية للمعلوماتية والاتصالات في عدد من الدول لا بل ومناطق كاملة من العالم أثناء تكاملها مع البنية التحتية العالمية للمعلوماتية والاتصالات. ويصبح وصول أشخاص محددين للإعلام المتقارب صعب بسبب إمكانياتهم المادية، أو بسبب الأمية التكنولوجية. لأن عملية التقارب الإعلامي اليوم تحتاج لأموال ومعارف جديدة للأشخاص العاديين، وموارد كبيرة وإرادة سياسية من الدول والتكتلات السياسية.
ومعروف أن حقيقة توافق تفاعلات التقارب التكنولوجي لوسائل الاتصال، والتقارب الاقتصادي في الأسواق. توفر لمشغلي الاتصالات دخول سوق شبكات التوزيع بالكابلات، وينصهر معها دور النشر مع شركات أفلام الفيديو. ويظهر منتجي البرامج العملية اهتمام بشبكات التلفزيون. وبالنتيجة يحدث نوعاً من المستويات المتعددة للتفاعل مع اتحادات الاتصال التي تصبح منجذبة نحو الصناعات التقليدية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، من: الصحافة المطبوعة، والبث الإذاعي المسموع والمرئي، والعمل التجاري في مجال الاتصالات. ولو أن الحياة الواقعية مختلفة بين المتنافسين تكنولوجياً في مجال الهاتف والإذاعة المرئية، رغم أنهم احتفظوا ولوقت محدد بدورهم بالكامل إلا أنه من الواضح هناك ضرورة لإعداد سياسة اتصالات موحدة.
ولاحظت السياسة الحديثة لليبرالية سوق الاتصالات في سوق الاتحاد الأوروبي بدقة الفصل بين البنية التحتية لإعطاء المعلومات والوصول والمضامين، والخدمات التي تقدمها من خلال البنية التحتية هذه. وراعى الكتاب الأخضر للتقارب الصادر عام 1997 الفرق بين النقل عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية أو التوزيع، وتقديم الخدمات مع مضامين إعلامية.[6] ولكن في ظروف التقارب التكنولوجي يبقى الضمان الواقعي لتنوع المضمون ممكن فقط في حال خلق الظروف الملائمة لجميع اللاعبين، والعاملين في مجالات التقارب الاتصالي وفي الأسواق الإعلامية، ومشغلي الشبكات، وعقد التوصيل في الانترنيت، ومنتجي مواد المضمون الإعلامي، وخدمات الأشخاص الكثيرين العاملين الذين يحتاجون لوصول متساوي لنظم الاتصال.[7]
ويبقى التقارب التكنولوجي الجاري تطبيقه بالمعنى الملموس هو عبارة عن "إعادة توزيع للأدوار" في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التقليدية، لتغيير الأدوار على ساحة المستفيدين، من كتلة سلبية إلى كتلة ايجابية، تستهلك المضامين المقدمة لها، وتتحول إلى مجموعات محددة بالكامل، من حيث الاستهلاك المعلوماتي للاتصالات المعتاد عليه ويمكن تحديد أطرافها بدقة. ليحظى الجمهور الإعلامي من خلال التقارب مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بخاصية رئيسية. والإعلام الدولي النشيط الجديد يقدم للمستهلكين التقليديين وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بإمكانيات غير محدودة لاختيار المضمون. ولكن في الوقت ذاته نرى أن مستخدمي الأون لاين ميديا يصبحون مشاركين في تحرير المواد، وحتى في إدخال مواد ومضامين جديدة. ليجري من خلالها توحيد المستخدم والمنتج وتقارب مختلف الأدوار والوظائف، بدلاً من التقسيم. فالمستخدم المحدد يتحول إلى احد الحقائق التي هي فعلاً توجه عملية التقارب.
ويتحول معها وصول المستخدم في الإعلام الجديد إلى مجموعة من المشاكل التي يتميز بها عصر التقارب، وتجاوزها ممكن من خلال تعاون اللاعبين الكبار في سوق الاتصالات والدولة والقطاع الخاص ومن خلال مساهمتهم النشيطة والفاعلة وبمشاركة المستخدمين لاختيار الدور الاجتماعي والاقتصادي وإيجاد ضمانات الوصول إلى التكنولوجيا الجديدة وشبكات الانترنيت.[8]
ومنه نستنتج أن توقعات اختفاء الصحف أمام منافسيها السينما والإذاعتين المسموعة والمرئية لن يتحقق في عصر الانترنيت لأن الأسباب الحالية هي أكثر تعقيداً من السابق. وتفاعلات تقارب وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية فتحت الطريق عملياً أمام الكثير من الآفاق التي لم تكن معروفة من قبل، وستؤدي لنفس النتائج السلبية أو أكثر. ومن دون الإرادة السياسية في الدول القومية ومن دون تجديد الإسهام النشيط للتجارة الإلكترونية، ومن دون المستوى العالي والنشيط للساحة الإعلامية يمكن أن يبقى التقارب إمكانية فقط وهي الإمكانية التي تحدث عنها الباحثون على عتبة القرن الجديد.
مراجع استخدمت في البحث:
1. الانترنيت قادم على مرحلة جديدة // عالم الانترنيت، 1998 العدد 5. (باللغة الروسية)
2. الانترنيت للصحفيين )www.press.ru(. (باللغة الروسية)
3. بانارين ي.: التأمين السيكولوجي المعلوماتي للأمن القومي الروسي // موسكو: 1998. (باللغة الروسية)
4. بوفت غ.: لمن الحياة ستكون جيدة على الأرض.// موسكو: صحيفة سيفودنيا، 14/7/1999. (باللغة الروسية)
5. بيل غيتس: تكنولوجيا الحاسب الآلي، الطريق إلى القرن الـ 21. // HARD’n’SOFT، 1998، العدد 10. (باللغة الروسية)
6. تأثير اقتصاد الانترنيت على أوروبا المعاصرة // Henley Centre، 1999. (باللغة الروسية)
7. د. صابر فلحوط، د. محمد البخاري: الأمن الإعلامي العربي وهموم المجتمع المعلوماتي في عصر العولمة. دمشق: 2008. (باللغة العربية)
8. كينيازيف أ.: الانترنيت 2 فرع جديد للتطور ؟ // HARD’n’SOFT، 1998، العدد 5. (باللغة الروسية)
9. فيكتور خارسين: هذا هو واقع الفضاء الإلكتروني // الخطر والأمن، 1996، العدد 6. (باللغة الروسية)
10. د. محمد البخاري: قضايا الأمن الوطني في إطار العولمة والتبادل الإعلامي الدولي. 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/ (باللغة العربية)
11. د. محمد البخاري: المجتمع المعلوماتي وتحديات العولمة في الدول الأقل حظاً. دمشق: 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/ (باللغة العربية)
12. د. محمد البخاري: الإعلام والتبادل الإعلامي الدولي. دمشق: 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/ (باللغة العربية)
13. د. محمد البخاري: التبادل الإعلامي الدولي والعلاقات الدولية. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية).
14. د. محمد البخاري: التفاعلات السياسية في وسائل الإعلام الجماهيرية. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية).
15. د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية في إطار العلاقات الدولية. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية).
16. د. محمد البخاري: قضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، مطبعة بصمة، 2004. (باللغة الروسية).
17. د. محمد البخاري: التبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية. مقرر لطلاب البكالوريوس، معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2002. (باللغة الروسية)
18. د. محمد البخاري: العلاقات العامة والتبادل الإعلامي الدولي. مقرر لطلاب الدراسات العليا (الماجستير)، معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2001. (باللغة الروسية)
19. د. محمد البخاري: رؤية مستقبلية للصحافة العربية والدولية. القاهرة: جمعية العلاقات العامة العربية APRS، الأحد 27-07-2008. http://www.aprs-info.org/
20. د. محمد البخاري: دور وكالات الأنباء العالمية في تحديد أطر السياسات الخارجية. // دمشق: مجلة "المعرفة"، العدد 535/ربيع الأول 1429، نيسان/أبريل 2008. ص 280-296.
21. د. محمد البخاري: المعلوماتية وأمن الموارد الإعلامية بين التخصص والاختصاص. // دمشق: دار الدلفين للنشر الإلكتروني، 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/
22. د. محمد البخاري: العولمة وقضايا التبادل الإعلامي الدولي. // دمشق: مجلة "المعرفة"، العدد 521/محرم 1428، شباط/فبراير 2007. ص 123-137.
23. د. محمد البخاري: العلاقات الدولية في ظروف الثورة المعلوماتية. // دمشق: مجلة "المعرفة"، العدد 519/ ذي القعدة 1427، كانون أول/ديسمبر 2006. ص 108-126.
24. د. محمد البخاري: الإعلام التقليدي في ظروف العولمة والمجتمع المعلوماتي. جدة: مجلة المنهل، العدد 592/2004 أكتوبر ونوفمبر. ص 88-99.
25. د. محمد البخاري، د. دانيار أبيدوف: الخدمات الإعلامية في ظروف العولمة والمجتمع المعلوماتي. دمشق: مجلة "المعرفة"، العدد 491/2004 آب/أغسطس. ص 120-133.
26. د. محمد البخاري: الجوانب الثقافية في التبادل الإعلامي الدولي وفاعليتها. في كتاب مواد ندوة ومسابقة آفاق تطور العلاقات الثنائية الكويتية الأوزبكستانية في القرن الحادي والعشرين. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2004. ص 50 - 62. (باللغة الروسية)
27. د. محمد البخاري: العولمة والأمن الإعلامي الوطني والدولي. الرياض: مجلة الدراسات الدبلوماسية، العدد 18، 1424هـ، 2003م. ص 7 – 49.
28. د. محمد البخاري: المعلوماتية والعلاقات الدولية في عصر العولمة. // الرياض: مجلة "الفيصل"، العدد 320 صفر 1424 هـ/أبريل 2003. ص 40-51.
29. د. محمد البخاري: الصراعات الدولية والصحافة الدولية. في كتاب مؤتمر الكفاح ضد الإرهاب الدولي، والتطرف والحركات الانفصالية في العالم المعاصر. // طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 2002. ص 63-67. (باللغة الروسية)
30. د. محمد البخاري: وظيفة التبادل الإعلامي الدولي. // طشقند: ماياك فاستوكا، العدد 1-2/2001. ص25-27. (باللغة الروسية)
31. د. محمد البخاري: التبادل الإعلامي الدولي كوظيفة دبلوماسية. // طشقند: فوستوكافيدينيه، العدد 2، 2001. ص 15-19. (باللغة الروسية)
32. د. محمد البخاري: وظيفة التبادل الإعلامي الدولي. // طشقند: مياك فاستوكا، العدد 1-2، 2001. ص 25-27. (باللغة الروسية)
33. د. محمد البخاري: العولمة وطريق الدول النامية إلى المجتمع المعلوماتي (1- 6). // أبو ظبي: الاتحاد، سبتمبر/ أكتوبر 2001.
34. د. محمد البخاري: الحرب الإعلامية والأمن الإعلامي الوطني. // أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، الثلاثاء 23 يناير 2001. صفحة 33.
35. د. محمد البخاري: الأمن الإعلامي الوطني في ظل العولمة. // أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، الاثنين 22 يناير 2001. صفحة 34.
36. د. محمد البخاري: العولمة والأمن الإعلامي الدولي. // دمشق: مجلة "معلومات دولية" العدد 65/ صيف 2000. ص 129 – 144.
37. معلومات وزارة التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية. عالم الـ Internet، 1998، العدد 6. (باللغة الروسية)
هوامش:
[1] للمزيد أنظر: معلومات وزارة التجارة في الولايات المتحدة الأمريكية. عالم الـ Internet، 1998، العدد 6. (باللغة الروسية)
[2] للمزيد أنظر: بوفت غ.: لمن الحياة ستكون جيدة على الأرض.// موسكو: صحيفة سيفودنيا، 14/7/1999. (باللغة الروسية)
[3] للمزيد أنظر: الانترنيت للصحفيين )www.press.ru(. (باللغة الروسية)
[4] للمزيد أنظر: بيل غيتس: تكنولوجيا الحاسب الآلي، الطريق إلى القرن الـ 21. // HARD’n’SOFT، 1998، العدد 10. (باللغة الروسية)
[5] للمزيد أنظر: تأثير اقتصاد الانترنيت على أوروبا المعاصرة // Henley Centre، 1999. (باللغة الروسية)
[6] للمزيد أنظر: بانارين ي.: التأمين السيكولوجي المعلوماتي للأمن القومي الروسي // موسكو: 1998. (باللغة الروسية)
[7] للمزيد أنظر: الانترنيت Internet قادم على مرحلة جديدة // عالم الانترنيت، 1998 العدد 5. (باللغة الروسية)
[8] للمزيد أنظر: كينيازيف أ.: الانترنيت 2 Internet 2 فرع جديد للتطور ؟ // HARD’n’SOFT، 1998، العدد 5. (باللغة الروسية)

هناك تعليقان (2):

  1. أنتظر تعليقاتكم القيمة

    ردحذف
  2. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف