السبت، 24 يناير، 2015

تحت عنوان "تعالوا إلى دولة.." نشرت صحيفة الوطن العمانية يوم 21/1/2015 و24/1/2014 مقالة كتبها الأديب السوري علي عقلة عرسان، وأعتقد أنها تصلح للقراءة مرات ومرات وجاء فيها:


تحت عنوان "تعالوا إلى دولة.." نشرت صحيفة الوطن العمانية يوم 21/1/2015 و24/1/2014 مقالة كتبها الأديب السوري علي عقلة عرسان، وأعتقد أنها تصلح للقراءة مرات ومرات وجاء فيها:


لقد بدأ الأعداء التاريخيون للأمة والدين/الإسلام، بعد سنوات من العدوان المباشر وغير المباشر على أقطار منها سوريا، بتدريب مسلمين ليستمر الاقتتال المدمر بينهم في ديارنا لسنين وسنين، ويدّعون أنهم يفعلون ذلك باسم القضاء على الإرهاب، وما الإرهاب إلا هُم.. وباسم العدالة والحرية والديمقراطية وهم المستعمِرون والعنصريون والظالمون وأعداء الحرية والعدالة والديمقراطية..”
ـــــــــــــــــــــــــ
رَحِمَ اللهُ العلامة أبا زيد، عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي ” ١٣٣٢م ـ ١٤٠٦م “، صاحب المقدمة المشهور، الذي اعتُبِرت مقدمته لكتابه “العِبَر” التأسيس الحقيقي لعلم الاجتماع، قبل أوغست كونت ”١٧٩٨ ـ ١٨٥٧” بأربعة قرون ونيِّف.. فقد قال في أهل زمانه ذاك، ما يكاد ينطبق علينا في زماننا هذا؛ مما يؤكد سلامة منهجه، وحسن استدلاله، وصحة القواعد التي اكتشفها في علم الاجتماع السياسي، للتعامل مع تطور الأمم وتداول الدول وأفولها، ومع دينامية المجتمعات في حركة تطورها، من دون أن يؤثر ذلك التطور على الركائز المنهجية التي وضعها، ولا على العوامل الرئيسة التي حددها لضعف الأمم وذبول شوكتها وتهافتها وبلوغها حدَّ التلاشي.. وما قرره ابن خلدون صحيح لكن تبقى هناك مستجدات المعرفة البشرية وبعض الاستثناءات من القاعدة التي تؤكد أن فوق كل ذي علم عليم، وأن لكل عصر معطيات تساهم في صوغها الأحداث والعبقريات مما لا تصحّ معه الإحاطة وفرض كل الحاضرات على المستقبليات إلا لذي عصمة وربما لذي وحي، حيث يكون حدُّ التلاشي في الأمم ليس في كم النسل بل في الفاعلية الحيوية والقدرة العملية والحضور الحضاري.. مما صدق ويصدق فيه قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في حديث حسنٍ “رواه ثَوْبان” وورد في مُسنَد أحمد وفي الترمذي، ونصه: (يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكَلةُ إلى قصعتها).. قالوا: أو مِن قلّةٍ نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال: (لا، بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللهُ من صدور أعدائكم المهابةَ منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن). قيل: وما الوهن يا رسول الله ؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت؟).
فقد قال أبو زيد في فصل من فصول المقدِّمة عنوانه: ”فصل في أن الأمة إذا غُلِبَت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفَناء.” قال: “.. والسبب في ذلك، والله أعلم، ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا مُلك أمرُها عليها وصارت بالاستعباد آلة لسواها وعالة عليهم، فيقصُر الأمل ويضعُف التناسل.. وإنما الإعمار عن جِدَّةِ الأملِ وما يحدث عنها من نشاط في القوى الحيوية، فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال، وكانت العصبية ذاهبة بالغَلَب الحاصل عليهم، تناقص عمرانهم، وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم، وعجزوا عن المدافعة عن أنفسهم، بما خَضَدَ الغَلَبُ من شوكتهم؛ فأصبحوا مُغَلَّبين لكل متغلِّب، طُعمة لكل آكل.”.
ألسنا اليوم، من حيث الكم والعدد “غثاء كغثاء السيل”، ومن حيث الفاعلية الحيوية ـ السياسية “.. آلة لسوانا، وطُعمةً لكل آكل، بما خَضَدَ الغَلَبُ من شوكتنا”؟! بل نحن، والعياذ بالله، في وضع أسوأ وأصعب وأكثر بؤساً، حيث نأتمر بأمر أعدائنا ونحالفهم على إخوتنا وأبنائنا، فيقتُل بعضنا بعضاً باسم الدين، بينما يضعف الدينُ ويشوَّه على أيدينا، وينفرط عِقدُنا ونتهافت إلى الحد الذي يصبح معه نبي الإسلام ورسوله ورمزه العظيم ”موضع سخرية” ـ ترفّع النبي عن ذلك ـ يتهجّم عليه “الصبيان” ويؤيدهم الساسة الحمقى المغفلون، فتركض رؤوس منا لتبارك “الصبيان والساسة الحمقى المغفلين والحقد التاريخي المعتَّق”؟! ويسير من يسير من أولئك تحت لافتات منها ما يسخر من الإسلام ومن رسول الإسلام والمسلمين؟! والأدهى الأمرّ أن من يرفضون السير في هذه “الزَّفَّةِ” وتحت تلك اللافتات يُتّهمون من بعض أبناء وبنات الأمة ممن يوالون الأعداء ويأتمرون بأوامرهم في ممارسة التفتيت والتشويه، ويدَّعون في الوقت ذاته أنهم يقاومون الاستعمار وينشدون الحرية، بينما هم يشتركون في قتل الأبرياء من العرب والمسلمين، ويستمدون دفعاً وقوة وقدرة وشراسة في العدوان والقتل والتدمير والتشويه من كل من يريد للأمتين العربية والإسلامية أن تُدمَّرا وتهِنا وتهونا، وممن يريد للدين/الإسلام أن يشوه وأن تموت فيه قيمُه وسماحتُه وشمولُه الإنساني، وأن يتقاتل فيه أتباعه “ممّن يدّعون الحرص عليه” فيزيدون الطين بلَّة، ويغرَقون في التفسير والتطبيق والتسويغ حسب مللهم ومذاهبهم وأهوائهم، وليس كما هو أصل الأمة وصحيح الدين.. ألا ساء ما يفعلون وما يحكمون وما يُدبّرون، إذ يدّعون أنهم هوية الأمة ورآس الدين بينما هم يُسقطون قيمها وقِيمَه، ويُبيحون حُرَمَها وحُرَمَه، ويغرِقون الأبناء والأتباع في الجُرم والإثم، وتتقاطر من أيديهم دماء العرب والمسلمين.؟!
لقد بدأ الأعداء التاريخيون للأمة والدين/الإسلام، بعد سنوات من العدوان المباشر وغير المباشر على أقطار منها سوريا، بتدريب مسلمين ليستمر الاقتتال المدمر بينهم في ديارنا لسنين وسنين، ويدّعون أنهم يفعلون ذلك باسم القضاء على الإرهاب، وما الإرهاب إلا هُم.. وباسم العدالة والحرية والديمقراطية وهم المستعمِرون والعنصريون والظالمون وأعداء الحرية والعدالة والديمقراطية.. لقد نشر البنتاجون الأميركي وحده أكثر من٤٠٠ أربع مئة من ضباطه وجنوده لتدريب سوريين معارضين على القتال، قتال “داعش والنظام وغيرهما في سوريا”، وكان قد فتح معسكرات لأكثر من ثلاثة آلاف من ضباطه وجنوده في العراق لتغذية اقتتال السنة والشيعة، داعش والحكومة، هناك.. وليزيد لهيب فتنة كان قد أشعلها الأميركيون في العراق حين غزوه ودمروه وقتلوا من أهله من قتلوا. وتقوم بمثل ذلك دول أخرى حليفة لهم منها دول عربية، تنفق ما تنفق على الحرب المجنونة في سوريا منذ أربع سنوات.. وهناك مما خفي في معسكرات وجبهات وبين تحالفات، مما هو أكثر وأخطر على سوريا وشعبها وعلى العروبة والإسلام من كل ما مر.
في سوريا الكلُّ يقتُل تحت رايات وشعارات يرفعها، والكل يدمّر وطناً ويشرّد شعباً في أصقاع الأرض، وكل يحشد ويستعد لمزيد من جولات القتل والاقتتال، ولا يدقق فيما انتهى إليه بعد سنوات وفيما يقوله بكل اللغات واللهجات ”أنه لا حلول عسكرية وأمنية للمسألة السورية غير الحلول السياسية”؟! ألا قولوا لنا أنتم أيها المتقاتلون باسم سوريا والسوريين أين أنتم مما تقولون وتعلنون؟! وأين أنتم أيها المتقاتلون جميعاً، وأنتم تستعدون لجولات من القتل والفتك بأنفسكم وبدولة وشعب وأمة وعقيدة، وتسعِّرون نار الفتنة في ديار الأمة، بدفع من الأعداء أو من أنفسكم: من هم ضحاياكم، ومَن ستحررون، وعلى من ستنتصرون .. ما دمتم تتقاتلون وسوف تتقاتلون في دياركم، في أرض عرب ومسلمين، وتقتلون عرباً ومسلمين، ألكي تحرروا أرضكم وتخلوها كلياً من وجود العرب والمسلمين فيها؟!.. ولتنتصرون؟! بمن وعلى من، إذ هم وأنتم/ أنتم وهم: القاتل والقتيل، الضحية والجلاد، الجرح والسكين فلمن يكون النصر وعلى من يكون؟! وأنتم جميعاً: الفرقاء الأعداء المتقابلون في طرفي صراع دموي وحشي غبي أحرق الأخضر واليابس، وأعادنا عشرات السنين إلى الوراء، وجعلنا بين مقبور ومثبور ومشرد وملتاع وعاجز وفاقد وحاقد”؟! فما هو النصر وما هو المصير، ولصالح من يكون هذا كله في نهاية المطاف، ولرفعة من؟!.. ليس لرفعة الشعب السوري الذي يُذبح ويُشرَّد ويُعاني، ولا لرفع شأن الإنسان وإنسانيته في أرض يُنتهك فيها الإنسان وتقتل إنسانيته، وليس لإعلاء شأن الدين والقيم والأخلاق و.. إلخ، إذ الذابح والمذبوح عبء على الدين وعلى مفاهيمه وقيمه ورسالته.. وليس من أجل الوطن فقد خرّبتم الوطن ومزقتموه وأخَّرتموه سنيناً طوالاً.. ولن يسفر هذا وذاك مما يحدث، عن انتصار مذهب على مذهب، فذاك الذي يحدث ويستشري حدوثه للأسف، هو إضعافٌ للدين/الإسلام وللمسلمين ليس إلا!!.. فماذا تفعلون بالله عليكم ولماذا؟! تقولون من أجل الحرية والكرامة وسوريا الجديدة المتجددة، ومن أجل رفع الظلم والقهر عنا، ولحمايتنا من العذاب والإرهاب.. وتقولون دفاعاً عن الوطن ودفعاً للتآمر والتدخل والخيانات والعمالات والمؤامرات.. ولحماية سوريا موحدة أرضاً وشعباً.. وكل هذا حسن ولكن ألا يتم ذلك إلا أبقتلنا فقط على مذابح الأعداء؟!..
نعم نحن مظلومون ومقهورون غاية الظلم والقهر، ومعرّضون لتمييز قبيح من قصار نظر يمتزج حقدهم بجهلهم، ونعاني من النهب الفظيع التأثير علينا، ومن جهل لا يمكن أن يرتفع إلى مستوى الجاهلية العمياء، ولفساد وممارسات فاسدين ومفسدين وحاقدين ومتآمرين يعبثون بكل شيء ولا قيمة عندهم لشيء.. فماذا تفعلون بنا غير أن تقتلوننا تحت ذرائع تخليصنا مما نحن فيه، حيث لا يكون من بعد حرية ولا عدالة ولا نقاء ولا مساواة ولا بقاء.. فكيف تحكمون وتدبرون وتقدرون.؟!.. وفضلاً عن ذلك نحن نعرف، فقد رأينا وخبرنا وجربنا وتابعنا القاصي والداني في السراء والضراء.. فكان معظم الحريصين والمدبرين والمحررين عبئاً علينا في الضراء وشراسة عمياء في السراء. ألا يكفيكم ويكفينا ما فيكم وما فينا، ويكفي ما فعلتموه بنا أنتم المحبون لنا والرحماء بنا، وما فعلناه بأنفسنا يوم أسلسنا القياد لكل من أراد؟! يكفينا فقد متنا ألف موتة، وبقيت في بقايا من شعب لا يريد أن يندثر، فارحمونا جميعاً من حبكم ومن وطنيتكم وشهامتكم وإخلاصكم وشجاعتكم وعبقريتكم، ومن كل ما ترفعونه من شعارات وما تقدمونه من تبريرات وما تنشدونه من تطلعات.. ارحمونا منكم ودعونا نبني وطناً على الأخلاق والقيم والمحبة والفطرة الطيبة ليصلح الإنسان، فلا صلاح للإنسان من دون صلاح الأخلاق والقيم، ولا صلاح للمجتمع والوطن، ولا مصالحة بين الشعب وذاته، والحكم وفئاته في الوطن .. إلا بصلاح الأخلاق وبالاحتكام إلى القيم، ضمن سلالم معايير سليمة مبنية على فهم الدين والعمل بالفضيلة وحيوية الضمير، وعلى إعلاء شأن العقل المدبر والعلم المحرّر والمعرفة البنّاءة والبُناةُ الأصلاء الخيرين .. ومقدمة ذلك وضع حد للانتهازيين والمدّعين المشوَّهين الذين عششوا وعرشوا في مدى الوطن .. من المخافر والدوائر وبعض الخنادق إلى المعابر والمنابر والفنادق .. يستبيحون وينهبون ويتاجرون بالدم والدين، بالوطن والبنين.. ويترافعون أمام الشعب والأمة والعالم مستجْدين المدح والمجد والعذر والشهرة، لكي يَصْلُحوا لما اقتنصوه ولما تسنَّموه ولما ينشدون تسنّمَه بغير كفاءة ولا جدارة ولا شرع ولا حق.. وهيهات هيهات أن يتم لهم ما يريدون على وجه من وجوه الحق، “.. فلن يصلح المدّاحُ ما أفسدَ الشَّرُّ.”.
ففي سوريا وضعٌ خاص صارخٌ بما لا يقبله العام والخاص، حيث النظام والمعارضات كل يرفض الآخر ويتهمه، ويبقى الشعب معلقاً في فراغ المأساة بين القتل والتشرد والمعاناة، وكأنه في خدمتهم وليسوا في خدمته، وهذا يضاعف حجم المأساة؟!
تختلفون على دولة المستقبل ما هي: ”مدنية، علمانية، دينية.. إلخ”، وعلى نظامها أهو جمهوري رئاسي أم برلماني أم.. أم..!؟ تعالوا نبقي شيئاً من الشعب والوطن لتكون لنا دولة نختلف على نظامها كيف يكون.. أوقفوا الاقتتال والتشريد والتدمير، واحقنوا دماء الناس وأمِّنوهم في بيوتهم أو في حضن الوطن.. واجلسوا من ثمّ على صدورنا في وطننا لتناقشوا كل هذه الأمور وتصلوا إلى اتفاق، ما دمتم أنتم “مبشَّرين جميعاً ”بجنَّة” الحكم، ودمنا نحن جميعاً مُرَجَّمين بحجارة القهر.؟! لكن أن تقتلونا وتشردونا وتعذبونا وتبيعونا وتشترون بنا لترجئوا كل وفاق واتفاق نتيجته سفك دمنا.. “فتلك والله هي الطامة الكبرى التي لا مخرج منها”.. ولا يدخل ذلك في باب مطالب بشر أسوياء يَصلُحون من ثم للحكم والعلم والبناء والتعمير والتدبير والتحرير.
لقد كانت سوريا دولة علمانية وما زالت، فلم تُعجب ولم تسلم من العيوب ولا هي منعت المصائب والمفاسد والمكائد.. فالدولة سواء أكانت علمانية أم دينية أم لا دينية لا يعني أنها كاملة وسوف تسلم من العيوب وتعمل بالتي هي أقوم! ومن فضلكم أنبئونا هل الدولة العلمانية أو الدينية أو شبه الدينية أو اللادينية، ملكية كانت أم جمهورية أم بين بين، هي دولة معصومة من الخلل والزلل، من الفساد والظلم وأشكال الاستبداد والإلغاء والتهميش، ومن الأمراض الاجتماعية والسياسية الأخرى بأشكالها وأصنافها؟! لا وألف لا.. وهذا استقراء التاريخ يشير إلى دول علمانية وأخرى ملحدة وثالثة دينية أو شبه دينية، وفي كل منها فساد بدرجات وأنواع، وقهر وظلم وتمييز وطغيان وعدوان على الحقوق والحريات بأشكال وأنوع، وفيها زلزلة للعدل والقيم والأخلاق بالقنطار والصَّاع.؟!. الدولة أهلها الذين يأتي من بينهم قادتها ومسؤولوها وبناؤوها وفق معايير قيمية وخُلُقية ومعرفية، وحسب أسس ومؤهلات وقدرات على الإدارة والتدبير بعقل وعلم وحكمة وتواضع وتقوى وضمير، وبإخلاص للوطن والناس هو الأساس قبل كل شيء.. وليس بتظاهر يخفي شبهات وطموحات غير مشروعة، وسعي مشبوه إلى السلطة يفضي لقمع الناس وإذلالهم ونهبهم لكي يصفى الجو لأصحاب الأغراض والمصالح والمطامح، الذين يدخلون الشعب في متاهات وصراع فئات يجعله أشلاء، بين خاسر ورابح، ومادح وقادح، وفاتك وذابح.؟! والدولة محكومة بمعطيات علمانية ودينية وأخلاقية واجتماعية وتشريعية وقانونية.. ولم تخل دولة، أياً كان نظامها، من عقلانيات تساجل غيبيات، ومعارف ومواقف حضارية تواجه تخلفاً وجاهليات، ولا من أعراض وأمراض تتسرب إلى التشريعات والقوانين وتفسيراتها وتطبيقاتها، وتتسرب أيضاً إلى المؤسسات والسياسات من خلال الممارسات الناشئة عن تكوين بشري وعن أنفس أمارة بالسوء.. والدولة في تكوينها وتسييرها فيها من العلم والدين أشياء وأشياء تفرض نفسها عليها من خلال انعكاسات اجتماعية وموروثات ثقافية وتاريخية واقتصادية، ومن خلال أوضاع ومتغيرات وعلاقات دولية.. تتسرب بشكل ما في أوردتها وشرايينها.. فمن الذي قال إن التوجه الصحيح للدولة والمجتمع، حتى في الدول العلمانية الديمقراطية المحاطة بهالات وحمايات شتى.. يكون خارج تأثير تعاليم الدين وحكَمه وقيمه أو خارج مفاهيم العلمانية والتكوين الاجتماعي العام والفضاء العالمي الحاضن بالضرورة للشعوب والدول، وخارج معطيات العلم وقوانينه ومعارفه وتقنياته وآفاقه وانشغال العقول والقلوب به؟!.. الدين لم ينف العلم ولا ينفيه، والعلم لم ينف الدين ولا ينفيه، وكلٌ حثّ عليهما الإيمان بتكامل خلاق؟!.. هذا أنتم/نحن من يوسوس فيقدس أو يدنّس، ومن يفعل ذلك لغاية في نفس يعقوب أخفاها.. وإذا كان حادي كثير من الناس يقول بشأن العلمانية “إنها دولة خارج حاكمية الدين لتكون لكل ذي دين ولكل خارج على كل دين”، فليكن وبها ونعمت.. لأن العلمانية بالمفهوم العلمي ـ المنهجي لها ليست حرباً على الدين ولا يجب أن تكون.. إن الدولة الإلحادية والآخذين بعلمانية إلحادية هي/وهم الذين كانوا كذلك، وهي/ وهم من مارس ذلك عندما سادت وسادوا.. وما زال بعض رسيسها باقٍ في نفوس ويتطاول ويراوغ ويموه ليفعل ما يمليه عليه معتقدُه. تعالوا إلى الدولة العلمانية بمفهومها الدقيق.. تعالوا وليكن لكم ما تدّعون وما تبتدعون، لكن وفق ممارسة الديمقراطية السليمة النزيهة المعافاة، وليس وفق ديمقراطية تزعمون الإخلاص لها، حتى وأنتم تحتكرون مفاهيم لها غالباً ما تكون مغلوطة، وتقومون عندما لا تكون نتائجها في صالحكم، بكل المحرَّم وغير المحرَّم، لتدمير ما لا يروق لكم من نتائجها ونماذجها وممارستها، لكي تمارسوا ما يوافق هواكم.. والأمثلة على ذلك صارخة وكثيرة ومثيرة وخطيرة.. لكنكم تغمضون أعينكم وتصمون آذانكم ولا تريدون سمعاً ولا إبصاراً.
الدولة لا تحكم دينًا ولا يتحكّم بها دين، لكنها تحتاج حاجة ماسة وحيوية إلى الدين بوصفه” عدلًا تقيم قوائمَه القيمُ الرفيعة، هو قوام الدولة وأساس الحكم، وتحتاج الدولة إلى الدين بوصفه فطرة الحرية التي فُطِر عليها الخلق، وبوصفه مساواة بين الناس تؤكدها تعاليمه. وتعاليم الإسلام سمحة وهو رحمة للعالمين وفق مفهوم العارفين العاقلين المتقين.. والدولة تحتاج إلى الدين بوصفه أخلاقًا ترقى إلى مستوى الفضائل وتدفع باتجاهها وترتقي بها وبالناس إليها”.. ذلك لأن كل حكم يتخلى عن العدل ويفتقد إلى الأخلاق والرحمة يفسُد ويُفسِد.. والدين، أي دين، هو في جوهره ولُبُّ رسالته ولباب غاياته، منذ بدئ الخليقة، عدلٌ ورحمةٌ تقيمهما وتصونهما وتحييهما وتحميهما الأخلاق والقيمٌ والممارسات القائمة بهدي منهما. وتلك مقومات يقيمها شرعٌ وعقلٌ وضميرٌ حي، وتقوى هي العقل والعدل والضمير الحي، وحين تفسُد الأخلاق بمفهومها الصحيح الراسخ يفسُد الناس ويتهاوى العدل وتتهاوى الدولة.. لأنها تُنْخَر من الداخل بأشكال الطغيان والفساد والإفساد والانحلال، وتصبح مثل بناء كرتوني هشٍّ يسهل على الخارج هدمُه بضغطة واحدة، وبأقل قدر من القوة. وكل الدساتير في الدول تنهل من الدين أو تراعيه أو هي على الأقل لا تجافيه، لأنه معتقَد الشعب ولأن فيه بناء للإنسان والدولة.
لقد خاب ظنّ كما خاب سعي، وسقط حكم وسقطت أحكام.. بسبب شعارات وممارسات شابتها شبهات وانطوت على مكنونات ليست من الطيبات ولا المنصفات ولا الصالحات ولا العقلانيات في شيء؛ إلى أن تعرَّت فعرّت أصحابها.. لكن للأسف الشديد بعدما غرِقوا وأغرَقوا غيرهم في الدم والبؤس والفتنة، وما كانت دعاواهم إلا دعوى باطلة ظاهرها الرحمة وباطنها من خلفه العذاب، لأنها قامت على سوء الطوايا والنوايا والاستغفال وخطل التفكير والتدبير، وعلى انعدام الرؤية وانعدام النضج والحكمة، فتوهم أصحابها كالعادة أنهم العلم والعصمة وكل ما في الوجود؟! ولا أدري إذا كان قد تبيّن لهم، بعد خراب البصرة كما يقال، أنهم على هامش الوجود؟! الديمقراطية “بأصنافها وألوانها ونظام لعبتها وتوافق لاعبيها.. الديمقراطية تبقى سلوكًا اجتماعيًّا أنضجه الفهم والتواضع والاعتراف بالآخر الشريك، وتبقى مسؤولية إنسانية وقيمًا أخلاقية، حتى لو استهانت السياسات بالأخلاق ورفضت تقاطعها مع السياسة.. لأنه غالبًا ما تنتج سياسةٌ لا تتقاطع مع الأخلاق رجال سياسة غير أخلاقيين يقع وزرهم على المجتمعات والدول!!.. وتبقى الديموقراطية، كما أراها، مثل عربة يجرها حصانان بتوازن واتزان هما “الحرية والمساواة” وحوذيّها عقل محكوم بضمير سداه ولحمته الأخلاق والقيم، وتبقى الديمقراطية محكومة برأي الأكثرية، وهي حق لكل أفراد الشعب.. وليست تلك التي برعَ فريق بتوصيفها وتعداد فضائلها ونظَّر لها واحتكرها بل وابتدع ما ابتدع من سبل التجارة بها، وكأنها وُلدت على يديه وليس في أثينا الإغريق”، بينما كان يمارس ممارسات ديكتاتورية فضَّاحة وإلغائية باسمها؟!.. وليست كما اعتقد وكان يعلن أيديولوجيون وأتباعٌ لهم، أصبحوا اليوم يبطِنون ويداجيون بعد أن هَزُل فكرهم وتفرق صفهم وجلسوا على أرصفة العصر مهمومين مدحورين محسورين.. حيث كانوا يقولون ويعلنون بملء الصوت، ويُتبعون قولهم بممارسات وتحديات شرسة:” الديمقراطية لنا وليست لأعداء الشعب؟!”، ويصنفون هم، الناسَ/الشعبَ إلى “نحن الذين تليق بنا الديمقراطية والحرية والحياة..إلخ”، وهم/”الذين ليسوا منا لا فكرًا ولا تنظيمًا ولا مكانة”، أولئك هم “أعداء للشعب”؟! ألا ساء الحكم والحاكم وساء ما يحكمون. الديمقراطية حرية ومساواة وشراكة في القرار والمصير لا تلغي الآخر ولا تهمّشه ولا تستهين به، وهي شراكة تامة في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، وسلوك اجتماعي ـ سياسي ـ حضاري يُبنى على الأخلاق والقيم الإنسانية، حيث تتوطَّن بثبات وقوة وفاعلية في العقل والقلب والوجدان، لتحكم السلوك والممارسات.. ويُمِدُّها الوعيُ المعرفي المتجدد والإيمانُ المتأصل بما يجعلها في توسّع وتطور، عبر فكر نقدي منهجي مسؤول يراقب ويتابع ويحاسب فيزيدها وضوحًا ورسوخًا وحيوية وموضوعية ونقاء. ومعنى ذلك أنها تبقى بحاجة إلى دينامية إصلاح من حيث الممارسة والتطبيق والمراقبة والفهم وانفتاح أفقها العام، لكي تَبني الإنسان ويُبني بها الإنسان.. فيعدل ويُشيد ويَسْعَد. وهي بالتأكيد ليست مثالية ولن تكون، وليست نظام حكم بلا مساوئ، ومساوئها لا تُصْلَحُ إلا بمزيد من الديمقراطية.. وهي بطبيعة الحال لكل المواطنين، وهي أمٌ رؤومٌ وضرعٌ ثر العطاء وحضنٌ دافئٌ للمواطَنة بمفاهيمها السليمة.. بصرف النظر عن دين الأكثرية التي تنتجها وتَحكم باسمها، إن هي فازت بالسلطة.. ففي هذه الحالة لا تُحسَب الأكثرية ولا تُحاسب كدين، ولا يُحاسب دينُها ولا يتهم، ولا تتعرض لازدواجية أحكام مقيتة بعد الاعتراف بنتائجها القانونية الصحيحة، حيث في بلدان يُصفَّق لها في بلدان أخرى يشكك بها وتتهم وتكسر؟!.. ففوز أكثرية هو فوز شعبي موضوعي ديمقراطي، حين يتم بانتخابات قانونية نظيفة ونزيهة، وتُحسَم نتائجها بنسبة ٥٠٪ + شحطة..؟!..
والدولة تستقر في ظل توازن واتزان واحترام لرأي الأكثرية، على الرغم من الشوائب، وتستقر وتُبني حين ينحسر الغلوّ وتأثير الغُلاة والفاسدين وتجار القيم والمبادئ والسياسيين غير المؤهلين والسياسات المريضة، أيًّا كان الصنف والفكر والدين والجنس واللون و.. إلخ؟! والدولة بلا قيم الدين، التي هي في نهاية المطاف عدلٌ وأخلاق، تصبح غابة مسلحة ومسرحَ نفاق ودارات شِقاق، وهي من دون العلم والمعرفة والفهم والتقوى والوعي جهلٌ وتخلف وطغيان وفوضى إرادات تشبه العصابات، وعقليات طوباوية تدعي الواقعيةوتتهم المثالية، فهي في تناقض وتلافظ لا تخدم ولا تنصف ولا تبني. إن الأساس المتين الركن الركين للدولة العصرية: إقامتها على أسس المواطَنة المسؤولة الشاملة، وليس على ما هو في حكم “العصبية القبيلية ـ الأسروية” مثل الطوائف والأعراق والتكتلات بأنواعها.. إلخ”، أما المساجلات والاتهامات والصراعات تحت عناوين “أقليات وأكثريات” فقد تقيم كوابيس وتنشئ واحات في مساحات الأوهام، وقد تُبنى على أضغاثٍ وغلَبَة”، لكنها لا تقيم دولة المؤسسات المستقرة الناهضة أو المستنهِضَة القوية المعافاة.. نعم لقد كانت العصبيَّة وما زالت في بعض البلدان تحكم وتقيم “دولة”، ذلك قانون من قوانين علم الاجتماع اكتشفه العلامة ابن خلدون وبنى عليه، ولكن الأمور تطورت بسرعة ومن البدهي أن تأخذ الدولة العصرية بقوانين متطورة، مستفيدة من تجارب المجتمع البشري الغزيرة الكثيرة.
لقد سئمنا الحديث عن الأعداء ومؤامراتهم وأغراضهم ووسائلهم وأدواتهم، فلن يكون الأعداء إلا أعداء.. وسئمنا أكثر من الحديث عن الحكّام وشهوات السلطة الغاشمة المدمّرة للشعب والدول لكي يبقى أشخاص يرفعون هاماتهم فوق أكوام الجثث وركام دمار العمران بأشكاله.. وسئمنا أكثر وأكثر وأكثر تجار الثورات والمبادئ والمعارضات والسياسات التي ابتذلت الثورات والمعارضات، تلك التي تبيع الشعب والوطن وتقاتل باسمهما، فتفنيهما وتبقى فوقهما وقبلهما وبعدهما بادعاء عريض مريض.. وسئمنا حتى كلمة “سئمنا”، هذه الكلمة الرخوة، لقد ذقنا كل طعوم العذاب والموت، ومتنا موتًا ما بعده موت قبل الموت، هذا إن كانت للموت طعومٌ وأشكالٌ ومذاقات، وكان بعد الموت موت.. وآن لنا أن نسأل، باسم حياتنا وأرواحنا ودمنا وديننا وذرارينا: “.. من أعطاكم الحق بحق الله لكي تذبحونا صباح مساء، وتبقون كوابيس على صدورنا وتيجانًا فوق رؤوسنا المكللة بالدم والعار؟! من أعطاكم هذا الحق بحق الله؟! من سلَّطكم علينا باسم كذا وكذا وكذا.. إلخ، من ذاك الذي يقنعكم، إذ ترهبون شعبًا وتمزقونه وتشردونه في وطنه وخارج وطنه وتذبحونه.. من يقنعكم بأنكم على حق، وبأنكم إنما تفعلون ما تفعلون حبًا بالله، وإنقاذًا لخلق الله، وللوطن والدين وشرع الله، ومن أجل مستقبل أبنائنا وأجيالنا، ولحماية وطننا الذي دمرتموه تدميرا، ذاك الذي تصرون، من بعد كل ما جرى، على متابعة تدميره حتى آخر مَدَر بُني على مَدَر وحجر بُني على حجر، وحتى آخر أثر بقي من حضارة عريقة هي ملك كل البشر، وعلى القضاء على بهاء قيم سامية وعريقة فيه، هي قيم الأديان وعلى رأسها قيم رسالة الإسلام القيمة، وتأتون فيه على ما تبقى فيه جلال سطور نظيفة، تنيرها حروف العربية الجميلة وكلماتها التي ليست لا موبوءة ولا مسروقة ولا ملغّمة بالزيف والنوايا السيئة والجهل والفتنة والادعاء السقيم العقيم.. تفعلون ذلك الفظيع بتعالٍ سقيم لا تستقيم معه سياسة ولا كياسة، فتأخذون بسياسات تقتل الرسالات الإلهية أو تكادت تقتلها، وتنهي السياسات الرشيدة بل أنهتها؟! إذا كنتم تتقاتلون على مذاهب الإسلام تعلقًا بسلامته وتطبيقًا لهدية فتعالوا إلى عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، حيث لم تكن مذاهب بل كان الإسلام.. والإسلام سماحة وعدل ورحمة وخُلق ودعوة إلى السلم والتقوى بالحُسنى.. فعودوا إذن إلى روح الإسلام وهديه في زمن ليس هو ذلك الزمن بل عهد فيه روح الإسلام بلا مذاهب.. فليست المذاهب التي تتقاتلون باسمها وتحت راياتها هي الإسلام بل تتم على حسابه، ولستم في هذه الحالات بُناته وحُماته بل من يهدمه ويستبيحه ويبيحه.
ألا كفوا يا رعاكم الله، أيًّا كنتم وأينما كنتم، عن الإرجاف واتباع المرجفين، وعن الظهور بمظهر الأطواد بينما يتقزم بسببكم البلد والعباد، وتوقفوا عن صناعة الطبول والصنوج، وعن الرقص على إيقاعات الطبالين والصناجين والهتّافين والرداحين، ولا تقربوا الأدعياء والمدعين ولا تثقوا بهم ولا تسمعوا لهم، فبضاعتهم حَشَف القول والتكاذب والتنابز بالكلام، وتوقفوا يا رعاكم الله عن الإقبال على صيغ التلميع والتشنيع وعن تقديم الملمِّعين والمشنِّعين ومن صنعتهم تجارة التملّق والتزلف والنفاق والخداع، وكفوا عن الإصغاء إلى أولئك وأشباههم، وعن الطرب لفنونهم والرقص على إيقاعاتهم وعلى ما تحبونه وتوحون به إليهم من إيقاعات.. وكفوا عن العوم في المياه الضحلة فذاك هو الغرَق في الوحل والوهم، وتلك مزالق ومهاوٍ ومهالك ما زلنا نتردى فيها ونموت قبل أن نموت.. وأولئك كما تعرفون حق المعرفة، وكما يعرف العارفون.. هم بضاعتكم وصناعتكم وبهارجكم ومبهرجيكم، وليسوا الوطن العظيم ولا المواطنين الأصلاء الطيبين، ولا العلماء والمبدعين، وليسوا نتاج المواطَنة القويمة في الظروف النظيفة السليمة.. وأنتم.. أنتم.. تعرفون ذلك وهم يعرفونه والعالم يعرفه. ألا تعالوا اصنعوا دولة للشعب بمؤسسات وهيبة وقدرة وقيمة ومكانة واحترام بين الدول والأمم، فلقد وصلنا إلى حال لا يرضي ولا يشرف.. تعالوا أهلوا المواطنين بوعي لخدمة الدولة باقتدار ووعي لمعنى المسؤولية ومؤهلاتها ووواجباتها وتكاليفها، ولوضع معاير الأهلية التامة وتحكيمها في تسنُّم مكان ودرجة من أية أمكنة سلالم السلطة ودرجاتها، حيث الكفاءة والاستقامة فيصل وأساس. لا تكرسوا دولة فيها للنفاق والامّعات والأدعياء والادعاء والجهلاء سوقٌ ورواج، ولا تقيموا دولة لكتلة أو لحزب أو لطائفة أو لمذهب أو لقبيلة أو لعرْق أو لفريق ذي قوة وشوكة وارتباطات مريضة تؤسس لغَلَبَةٍ من أي نوع، بل دولة للشعب كله وللوطن كله، بديمقراطية سلية يحكم فيها من يحكم بإرادة الشعب ولمصلحته وباسمه.. فمن يقيم دولة وفق نظرات ونظرِّيات ومعطيات وحسابات وأولويات تمليها شهوة السطة والمصالح الخاصة والضيقة يقتل الناسَ والوطن والسلطة، ومن ينشد سلطة بناء على سطوة القوة ومفهوم القوة المتسلطة، إنما يسطو على السلطة والحق والعدل والشعب، ليظَل هو، فيبقى الناس في حالتي استنفار ونفير لكي يحافظ على ما أخذه واستباحة بالقوة، ويراوح في مكانه لا يطير ولا يغير ولا يهدي أو يهتدي أو ينير، فلا هو يرتاح ولا هو يريح، وسوف يشوه الديمقراطية والحكم ويعمل على تسويغ ذلك التشويه باختراع مفاهيم وبتقديم ألف عذر وعذر وألف ذريعة وذريعة.. وقد لا يفطن أبدًا للبناء لأنه مشغول عنه بغيره، لكنه سيتفطَّن للهدم فهو يبني على هدم غيره وهدم ما بناه.. وسيقمع الشعب ليبقى فوقه وخارج دائرة مساءلة الشعب له عما فعل وعما قد يفعل.. وسوف يستمر يحلب الوطن ويُجبِّن حليبه أموالًا، هي أموال الشعب المنهوبة، ويستثمرها خارج مدار الجغرافية والتاريخ والإنسان في الوطن، الذي ربما يتحول إلى كان يا ما كان.
ولله في خلقه شؤون، في ربيع عربيٍ هو ربيع الشّجون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق