الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

المعلوماتية والعلاقات الدولية في عصر العولمة

المعلوماتية والعلاقات الدولية في عصر العولمة
كتبها أ.د. محمد البخاري: مستشار بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية بتاريخ 22/3/2002 ونشرت في مجلة الفيصل السعودية الصادر في صفر 1424 هـ، أبريل 2003 م. ص 40 – 51.
مخطط الدراسة: العلاقات الدولية في عصر المعلوماتية؛ المعلوماتية من عناصر عولمة الاقتصاد؛ تكنولوجيا المعلوماتية من أهم عناصر التطور الاقتصادي؛ شبكة الانترنيت موجه عمليات تفاعل العلاقات الدولية؛ المعلوماتية والموازنات الدولية وسياسة الهضم الاقتصادي والسياسي؛ المعلوماتية تخدم عملية تشييد الصرح الاقتصادي الجديد؛ الثورة المعلوماتية والتعاون الدولي؛ الهدف السياسي يبقى العنصر الأهم في العلاقات الدولية؛ تكنولوجيا المعلوماتية في استراتيجيات سياسة المصالح القومية؛ العلاقات الدولية والصناعات المعلوماتية والتجارة الإلكترونية؛ آفاق المعلوماتية وتكامل الدول النامية ضمن سياق العلاقات الدولية المعاصرة؛ المراجع؛ هوامش.
"يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير."[1] (صدق الله العظيم)
العلاقات الدولية في عصر المعلوماتية:
تخضع العلاقات الدولية اليوم أكثر من أي وقت مضى لحقائق العولمة الاقتصاد والسياسة المرتبطة إلى حد كبير، بولوج المجتمع الدولي اليوم العصر المعلوماتي الجديد عليه. ولا أحد ينكر أن العولمة الاقتصادية لعبت دوراً هاماً في تطوير الإنتاج السلعي والمعلوماتي على حد سواء، خاصة بعد الانفجار الكبير الذي أدخلته التكنولوجيا الحديثة المرتبطة باستخدام أنظمة الحاسب الآلي المتقدمة وبرامجه المتخصصة بكثرة، وما رافقها من تطور متصاعد لوسائل الاتصال المرئية والمسموعة، والاتصال عن بعد عبر أمواج الأثير. وشبكات الحاسب الآلي العالمية المرتبطة بشبكة "الانترنيت" العالمية وغيرها من شبكات الاتصال المتطورة، كانت سمة حقيقة من سمات عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وتميزت تلك الحقبة التاريخية من العلاقات الدولية بارتباطها الوثيق بعولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة، وحدوث تغييرات جذرية أدت بالضرورة إلى وضع أسس جديدة لنظام اقتصادي وسياسي عالمي جديد يتفق مع بداية مرحلة جديدة من تاريخ البشرية اصطلح على تسميتها بعصر "العولمة".
والعنصر الأهم في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ البشرية مثلته المعلومات الاقتصادية الجديدة التي اتسمت بالتكامل المعلوماتي الدولي عبر شبكاته دائمة التطور، والتي تشمل أيضاً معلومات تتضمن جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. ومن المعروف أن ذلك التكامل كان حصيلة للمخطط الذي وضعته وزارة الدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من العقد السادس للقرن العشرين Advanced Research Projects Agency (ARPA)، وكان هدفه آنذاك منع أو إعاقة السيطرة أو الاستيلاء على النظام الأمريكي للاتصالات وتبادل المعلومات أو تخريبه في حال حدوث حرب نووية.[2] ونتيجة للجهود الكبيرة التي بذلتها الوزارة أنفة الذكر، استطاع المشتغلون في المخطط المذكور إقامة شبكة مؤلفة من عدة آلاف من الشبكات الصغيرة للاتصال عبر شبكات الحاسب الآلي التابعة والمرتبطة بالشبكة الأصلية، لتتمتع تلك الشبكة الكثيفة من وضع أساس ملموس لارتباط متعدد الجوانب لانهائي، بين تلك الشبكات التابعة والشبكة الأصل، بعضها مع بعض دون خضوعها لإدارة أي مركز كان.[3] أما في الوقت الحاضر فقد أصبحت تلك الشبكات تتمتع بصفة العالمية لخروجها عن إطارها المحلي داخل الولايات المتحدة وأماكن تواجدها والأماكن التي تتواجد فيها المصالح الأمريكية في أنحاء مختلفة من العالم، لتشمل العالم اتساعاً بعد أن أقيمت حول تلك الشبكة الأم صناعة معلوماتية ضخمة، شملت كل الكرة الأرضية، ولا نبالغ إن قلنا وحتى الفضاء الكوني بعد أن سيطر عليه انفجار إدخال تكنولوجيا الاتصال عن بعد، والحاسبات الآلية وشبكات "الانترنيت" التي طغت على كل مناحي النشاط الإنساني على الأرض وفي الفضاء الكوني في آن معاً.
المعلوماتية من عناصر عولمة الاقتصاد:
ولكن التأثير الأكبر مثلته عناصر عولمة الاقتصاد الجديدة والمعلومات الاقتصادية في الدول المتقدمة. حيث نجد أنه مع كل عام يمضي، تستحدث وتوضع في الخدمة الفعلية تقنيات متقدمة جديدة ومتجددة لأنظمة التعامل مع المعلومات وإرسالها واستقبالها والتعامل معها، بما فيها النظم المرئية والمسموعة عبر الهواء وغيرها من تقنيات عصر المعلوماتية. حتى كادت تكنولوجيا الاتصال عن بعد وشبكة "الانترنيت" العالمية تحتل اليوم الحصة الأكبر والأهم من سوق التجارة التي تشمل أوسع قائمة من المنتجات تشمل المواد الغذائية وبضائع الاستهلاك اليومي وغيرها، وحتى منتجات التعدين والنفط والغاز ومشتقاتهما. حتى أصبح عنصر رأس المال أحد أهم ملامح السوق المعلوماتية الاقتصادية في العالم، حيث نجد أن شركة "مايكروسوفت" وحدها مثلاً تمكنت في أواسط عام 2000 من امتلاك رأس مال يقدر بحوالي 400 مليار دولار أمريكي، وهو ما يساوي في بعض التقديرات مجموع رؤوس أموال كل شركات صناعة الطيران والفضاء والسيارات والتعدين في الولايات المتحدة الأمريكية مجتمعة. وبغض النظر عن الانخفاض الحاد المفاجئ الذي سجله مؤشر NASDAQ، الذي يسجل حالات تطور الاقتصاد الجديد، فإن انخفاض الاهتمام بهذا الجزء المكون للاقتصاد العالمي، لا يتحدث عن التحول الجذري في الملامح العامة للاقتصاد العالمي الذي يعتبر اقتصاد سوق المعلومات جزء أساسي منه. وببساطة أستطيع القول بأن السوق المعلوماتية قد تم رفعها بشكل مصطنع في مرحلة معينة لمصلحة البعض لا أكثر، ولا أقل. مما يجعلنا نعتقد بأن ذلك كان من عوامل اقتراب الأزمة الاقتصادية العالمية، التي تعرضت لها حتى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
تكنولوجيا المعلوماتية من أهم عناصر التطور الاقتصادي:
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الارتفاع المتصاعد بحدة لقطاع تكنولوجيا الاتصال عن بعد، الحديثة في عالم الاقتصاد اليوم، هو عملياً من أهم عناصر التطور الاقتصادي للكثير من الدول الصناعية المتقدمة. خاصة وأن تكنولوجيا المعلومات الحديثة قد خدمت فعلاً الارتفاع الحاد والمفاجئ للإنتاج السلعي والمعلوماتي على حد سواء، إن لم نقتصر على كل صنوف الاتجاهات الرئيسية للصناعة وقطاع الخدمات بكاملها. ونرى في بعض المؤشرات تقييمات تشتمل على حسابات التجارة الإلكترونية وحسابات إدارة الكلفة الإنتاجية في الدول المتقدمة، والتي تشير بعض المصادر إلى انخفاضها لنحو 10-12 %، إضافة لمؤشرات العديد من الشركات العالمية العابرة للقارات التي تشير إلى ارتفاع الإنتاجية فيها إلى نحو 30-40 % وأكثر.[4]
وفي نفس الوقت نرى أن الدول "المتخلفة" في مجال المعلوماتية كالدول النامية، ومن ضمنها الدول العربية،[5] وغيرها من دول العالم التي لا تهتم بشكل جدي بقضايا تطوير تكنولوجيا المعلومات أصبحت تدريجياً تزداد تخلفاً في كل الحالات عن الدول "الرائدة" في مجال صناعة واستخدام التكنولوجيا المعلوماتية الجديدة. مما يجعلنا نتنبأ بالمصير الذي يؤدي إليه هذا الواقع المرير في المستقبل القريب على مصير تلك الدول، إذ ليس من الصعب أن نتصور بروز استعمار من نوع جديد، يهيمن على العلاقات الدولية الجديدة ويمكننا تسميته تجاوزاً بـ"استعمار تكنولوجيا المعلومات" وأن هذا النوع الجديد من الاستعمار بالكامل يمكن أن يشكل على المدى المنظور بديلاً ملائماً للتدخل العسكري والاقتصادي والسياسي المكلف للدول الكبرى في شؤون عالم الغد، والذي يمكن أن تشمل قائمته حتى بعض الدول الكبرى المتخلفة نسبياً في مجالات تكنولوجيا المعلومات كالاتحاد الروسي مثلاً.
والبرهان على هذا يمكن أن يظهر من خلال نظرة متفحصة في نتائج التطور الاقتصادي العالمي خلال العقود الماضية، والذي رافقه تضييق مقصود على قضايا تلوث البيئة التقليدية، وقضايا الطاقة والصناعة السلعية القائمة فعلاً اليوم من خلال استثمارات أجنبية في دول "العالم الثالث"، لأن تلك الدول النامية سعيدة طبعاً بالاستثمارات الأجنبية التي تصب في اقتصادها المتعثر، ولا تنظر بجدية للآثار السلبية لتلك الاستثمارات الأجنبية، والتي هي مرة أخرى تشكل أداة للتدخل في اقتصاد وسياسة تلك الدول، والأدهى أن الدول الكبرى المتقدمة تستخدمها وبنجاح لزيادة تبعية تلك الدول المغلوبة على أمرها اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً بها.
مما يدفعنا هنا للتساؤل عن مصير البدائل التي طرحتها بعض تلك الدول لحل مشاكل التطور الصناعي والتكنولوجي في الدول "المتخلفة"، وأي مستقبل مشرق يا ترى ! ينتظر اقتصاد المعلومات الجديد كل الجدة على الدول النامية ؟ ولا بد أن تلك الدول سيتعزز دورها في العلاقات الاقتصادية الدولية شاءت أم أبت كدول موردة للخامات والبضائع والمنتجات الصناعية والزراعية المنتجة فيها باستثمارات وطنية وأجنبية، وتدفع قيمتها الدول "المتطورة" من أصل قيمة المنتجات التكنولوجية المتطورة المنتجة لديها والمصدرة للاستخدام في الدول المتخلفة، وكما هو ملاحظ اليوم من أجل المتعة المكلفة لمستهلكي المعلومات وتكنولوجيتها الحديثة دائمة التطور.
وهو ما يجعلنا نجزم في الوقت الراهن بأن هذا الوضع الذي أفرزته العولمة المعلوماتية وتمثله تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد، وشبكة "الانترنيت" الآخذة بالانتشار والتوسع كخيوط العنكبوت، قد أصبح أكثر وطأة من البداية التكنولوجية العسكرية التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من القرن الماضي، وأصبحت جوهراً ليس للتطور الاقتصادي وحسب، بل وأصبحت عاملاً مهماً ومؤثراً في العلاقات الدولية المعاصرة، وأصبحت عاملاً من عوامل التأثير السياسي المتبادل الأكثر فاعلية على مستوى العالم كله.
شبكة الانترنيت موجه عمليات تفاعل العلاقات الدولية:
ولا أحد يستطيع أن ينكر أن شبكة "الانترنيت" العالمية أصبحت في عالم العلاقات الدولية اليوم الموجه المؤثر الأقوى في كل عمليات التفاعل السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي للعولمة. لأن عبارة "الانترنيت" أصبحت تتكرر في الأمثلة الكثيرة التي يأتي بها الكثير من الباحثين لدى تعرضهم لموضوع العولمة بكل فروعها واتجاهاتها. خاصة وأنه خلال العقود الأخيرة فقط أصبحت العولمة مشكلة متشابكة للسياسة العالمية بعد انتهاء عصر المواجهة الصريحة بين الدول المختلفة من حيث الأنظمة العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، بعد أن أزيلت العوائق السياسية، من أمام فتح الأسواق العالمية الضخمة التي كانت في السابق مغلقة أمام واردات الطرف الآخر الأقوى، ورافق تلك العملية تشابك العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية مما خلق تأثيراً متصاعداً تختلف فيه المعايير وتتفاوت من خلال تلك العلاقات وقوتها.
ولكننا هنا لا يجب أن ننكر حقيقة هامة وهي أن للعولمة نواح إيجابية متعددة، تقف في طليعتها حقيقة التقدم السريع للعلوم والتكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد والإدارة الحديثة. وحقائق تطور الإنتاج الفكري والمادي على حد سواء. وهذه العملية المتكاملة لابد لها من حيث المبدأ أن تخدم تقدم البشرية، وأن ترفع مستوى حياة الإنسان في المجتمع الدولي قاطبة، ولابد أن تشجع على ارتفاع مستوى الإنسان الفكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي.
ولكن هنا لابد أن نشير أيضاً إلى أن العولمة لا تحمل في طياتها نواح إيجابية فقط، بل تحمل أيضاً مصادر تهديد فعلية للأمن القومي، ولاستقلال وسيادة بعض الدول. خاصة بد ظهور أصوات تنادي بإنهاء "الفوضى السياسة لمصالح السياسة الخارجية القومية" واستبدالها بـ"عولمة السياسة الخارجية لمختلف دول العالم لتصبح سياسة داخلية للعالم بأسره"[6]. وهنا يمكننا بشيء من التأمل أن نتصور ما سيحدث للمصالح القومية الحيوية الاقتصادية والثقافية والسياسية لبعض الدول الضعيفة في عالم الغد.
المعلوماتية والموازنات الدولية وسياسة الهضم الاقتصادي والسياسي:
فمن المعروف أنه كانت هناك وستبقى على ما نعتقد موازنات في العلاقات الدولية المعقدة، ولكن تلك الموازنات من الصعب أن تصمد أمام الهضم السياسي والاقتصادي، الذي هيأ له التفوق العلمي والتكنولوجي مكانة الصدارة في ظروف العولمة، وأن لذلك الهضم ملامح تنزع دائماً نحو التوفيق الذي يرافق دائماً توسيع الهوة والخلاف بين المنتج والمستهلك، إذ أن الفرق بين دخل 20 % من الأغنياء، و 20 % من الفقراء من سكان العالم في عام 1960، كان 30:1، أما في عام 1994، فقد أصبح 78:1.[7] ولكننا هنا يجب أن لا ننسى الوجه الآخر لهذا الوضع غير المتساوي، الذي أصبح في عصر العولمة الاقتصادية عالمياً، فحصة الدول المتطورة تبلغ من الموارد الاستثمارية اليوم 70-80 % في العالم بأسره، وهي مركزة بشكل رئيسي في الدول ذات الدخل المنخفض. ولهذا لابد أن نأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير العولمة الاقتصادية على تعميق حالة عدم المساواة بين دول العالم، والتهديدات الواقعية التي يفرزها النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وفي هذا طبعاً دوراً غير إيجابي لشبكة "الانترنيت" العالمية يمكن أن تلعبه مع ازدياد الهوة بين الدول المتقدمة والمتخلفة، لتصبح بذلك أداة تسمح لبعض الدول وبعض الاتحادات الاقتصادية العالمية العابرة للقارات بالوصول إلى غاياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، من خلال فرص المتابعة الفورية للأوضاع السائدة في الدول المتخلفة، والتأثير فيها دون استخدام وسائل السيطرة العسكرية المكلفة والخطيرة.
وهنا يبدوا للبعض أنني أريد هنا أن أطلق العنان للتشاؤم من النتائج المرتقبة للعولمة الاقتصادية الآخذة بالاتساع، وخاصة نتائج انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد المتطورة، لا بل على العكس فإن ما أريده هو أن أدعو الدول المتخلفة إلى العمل الجاد في إطار سياسات التعاون الإقليمي والدولي، من أجل حل المسائل الحيوية المعيقة لجهود ردم الهوة المتعاظمة والفاصلة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، وإزالة العوائق عن طريق ولوج الدول المتخلفة عالم إنتاج وتطوير تكنولوجيا المعلومات بشكل شبه جماعي، وبالاستفادة من الكوادر الوطنية وخلقها وتشجيعها. وعدم الاكتفاء باستيراد واستهلاك تلك التكنولوجيا المتطورة فقط، حفاظاً على المصالح الحيوية لتلك الدول وحماية لأمنها القومي الذي لابد وأن يصبح جماعياً وإنسانياً في التعامل مع الدول الرائدة في هذا المجال الحيوي والهام والمصيري للبشرية جمعاء.
ومن العدل هنا أن نشير إلى ما قاله أحد الاقتصاديين الكبار في مجال "اقتصاد المعلومات" من أن "إمكانية أو عدم إمكانية إدارة التكنولوجيا، وخاصة التكنولوجيا الإستراتيجية تحدد إلى حد كبير مصير أي مجتمع"[8]، وليس سراً أن أي مجتمع من المجتمعات المتقدمة أم المتخلفة يستطيع أن يستخدم قدرات الدولة لخنق سبل تطوير التكنولوجيا الحديثة، أو لازدهارها على السواء، لأنه مع التدخل الحكومي تبدأ عملية تسريع وتنشيط وتوجيه وترشيد التقدم التكنولوجي الذي يمكنه خلال بضع سنوات من تتغير ملامح الاقتصاد الوطني، الذي ترتفع معه إمكانيات المناعة العسكرية والأمنية والرفاهية الاجتماعية للمجتمع المحلي الذي هو جزء من المجتمع الإنساني.
المعلوماتية تخدم عملية تشييد الصرح الاقتصادي الجديد:
ولأن اقتصاد السوق المنفتح عالمياً الحالي يتمتع بمستوى تكنولوجي معلوماتي رفيع أكثر من أي وقت مضى، ويرافق التغييرات التكنولوجية سريعة التقدم، وهو السوق الذي تعود فيه رجال الأعمال أن يستخدموا كل ما هو جديد في عالم منجزات تكنولوجيا الاتصال عن بعد والمعلومات بشكل دائم وواسع وفي كل دول العالم. ضمن الإستراتيجية العامة التي وضعتها الحكومات في الدول التي تساند الأبحاث العلمية، الهادفة إلى تطوير وتطبيق واستخدام كل السبل الممكنة لاستخدام تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. وبهذا الشكل تصبح تكنولوجيا المعلومات في ظروف العولمة الاقتصادية، تكنولوجيا معلومات تخدم إقامة صرح الاقتصاد الجديد الذي يعتمد على المساواة الفعلية القائمة على التنافس المبني على أسس التقدم العلمي والتكنولوجي، ويحتاج لتغييرات جذرية وهيكلية في البنية الاقتصادية، تغييرات تعتمد إلى حد كبير على الفوارق الجوهرية التي تتحكم بعمليات التطور الجارية في كل دولة من دول العالم.
خاصة وأنه لوحظ خلال العقود الثلاثة الأخيرة ارتفاع حجم تدفق رؤوس الأموال العالمية القادمة من الدول الرائدة في مجال اقتصاد السوق واتساع مجالات استخدامها، بشكل تغيرت معه ملامح العلاقات الاقتصادية الدولية جذرياً، بعد أن تجاوزت حصة تلك الدول في الاقتصاد القومي للدول الأخرى عشرات المرات عما كانت عليه قبل عقدين من الزمن. إضافة إلى حقيقة تمكين التكنولوجيا الجديدة لرجال الأعمال من تحويل رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى خلال ثوان ودون عوائق تذكر. ولهذا نستطيع القول بأن رأس المال في ظروف العولمة الاقتصادية أصبح عملياً مرتبطاً بالمصالح الاقتصادية للعالم كله. وأن تدفق رؤوس الأموال أصبح عالمياً وأكثر استقلالاً عن أي اقتصاد منفصل آخر.[9]
إضافة لحقيقة أخرى مثيرة للجدل تقول بأن سوق العمل الذي ينظر إليه تقليدياُ كسوق متشعبة، أصبح واقعياً سوقاً عالمية، لأن: الشركات الكبرى أصبح بإمكانها اليوم أن توزع مواقع إنتاجها في مختلف الأماكن في العالم وفق متطلبات السوق المنفتحة عالمياً، وتجنب الأخطار التجارية، ووفق الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية هنا وهناك؛ والشركات الكبرى أصبح بإمكانها استقطاب العلماء والعمال المهرة الذين تحتاجهم من أي دولة من دول العالم، من خلال الحوافز والأجور وشروط وظروف العمل الأفضل التي توفرها لهم؛ والكثير من الكوادر المدربة والمتخصصة في دول العالم الثالث أصبحت تبحث عن العمل الملائم اليوم عبر صفحات "الانترنيت" في السوق العالمية للعمل، خاصة وأن الكوادر الوطنية في الدول النامية تعاني من مشاكل اقتصادية مستعصية، أو تعاني من الحروب والصراعات والنزاعات المسلحة التي تجري على أراضي تلك الدول.[10] والتطور العلمي، والمعلومات العلمية، والتكنولوجيا المتطورة أيضاً أصبحت جزءاً لا يتجزأ من العولمة الاقتصادية الحديثة، التي تتطلب ظروف المنافسة الشريفة فيها حماية صارمة لحقوق الملكية الفكرية، وتوفير ضمانات أكيدة لتوزيع ثمارها بشكل عادل يحقق لها الأداء الأمثل لدورها الحقيقي الذي يجب أن تلعبه، وهو ما يصعب تحقيقه في الدول التي لا تتركز فيها مراكز البحث العلمي، ولا تشكل مراكز البحث العلمي فيها عملياً القاعدة الصلبة للتطور العلمي على المدى الطويل في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد.[11] وتطور القواعد العلمية وزيادة حجم الموارد المعلوماتية والمادية من أجل إنتاج التكنولوجيا الحديثة وإمكانيات توزيع تلك الموارد في ظروف العولمة الاقتصادية لتصبح من أهم مصادر القدرة على التنافس في السوق العالمية المنفتحة، التي هي من شروط تعويض النقص الناتج عن الإنتاج المنخفض في بعض الدول، وتساعد على الوصول إلى الأسواق المتكاملة الكبيرة لبعض الدول ذات الإمكانيات السياسية والإدارية المتطورة، أو حتى لمناطق جغرافية بأكملها. لأن المعلومات أصبحت اليوم من الموارد الإستراتيجية الهامة التي يسمح استخدامها من قبل من يملك ومن لا يملك الموارد المادية، والقوى البشرية، ورؤوس الأموال الكافية، وأن تكون من حوافز المنافسة، لأن المعلوماتية أصبحت أداة رئيسية من أدوات التأثير على مختلف مجالات نشاط الفكر الإنساني من خلال قدرتها على تشكيل الإنسان وقناعاته ومواقفه.[12]
الثورة المعلوماتية والتعاون الدولي:
ومن الواضح الآن أن تطور مختلف بلدان العالم يعيش في الظروف الراهنة ثورة معلوماتية واتصالية جديدة حقيقية، ويقف في طليعة تلك الثورة التعاون الدولي في إطار الاتحادات العالمية لمستخدمي ومنتجي تقنيات وبرامج الحاسب الآلي دائمة التطور، ويبقى العنصر الرئيسي حتى الآن ودون منافس يذكر للبنية التحتية العالمية الجديدة للمعلوماتية هو شبكة "الانترنيت" العالمية. وعلى ما يبدو أن ذلك لم يكن محض صدفة عندما اختارت الولايات المتحدة الأمريكية الرائدة في هذا المجال، خيار تطوير شبكة "الانترنيت" وعولمتها، لأنها كانت ولم تزل تسعى من خلالها ومن خلال غيرها من عناصر العولمة للبقاء الفقرة الهامة في صلب كل النظام العالمي الجديد، وعلى امتداد المرحلة الجديدة التي تعيشها عملية التطور الإنسانية والعولمة الاقتصادية.
وشبكة "الانترنيت" العالمية اليوم على سبيل المثال هي حقيقة تمثل إحدى ظواهر السياسة الخارجية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية من خلال علاقتها المتجددة مع الاتحاد الروسي والمتمثلة بتحجيم تقديم المساعدات المالية إليه، في نفس الوقت الذي تحرص فيه على استمرار التعاون معه في المجالات النووية، والمجالات المساندة والواسعة لتعميم استخدام الحاسب الآلي ونشر وتعميم شبكة "الانترنيت" العالمية على أراضيه، دون تمكينه من تطوير أية تقنيات حديثة قد تشكل تهديداً لتطلعاتها وطموحاتها المعلوماتية مستقبلاً. وبغض النظر عن الأهداف المعلنة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والتي تتحدث عن الإسهام في نشر الديمقراطية المعلوماتية وتأمين الوصول إلى المعلومات لكل أطراف معادلة العلاقات الدولية المعاصرة. فعلى ما يبدو أن الخلفية الحقيقية وغير الظاهرة تكمن في تلك المساعدات التي تقدمها للاتحاد الروسي ولغيره من دول العالم، أنها تضمن كحد أدنى المساهمة في تطوير كل المجالات التي ترتبط بالمصالح الاقتصادية، والسياسية، ومصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية قبل كل شيء.
الهدف السياسي يبقى العنصر الأهم في العلاقات الدولية:
ولكن الهدف السياسي يعتبر عنصراً هاماً في العلاقات الدولية، وشبكة "الانترنيت" العالمية تعتبر الوسيلة الفريدة للتبادل الإعلامي الدولي. ويعتبر الوصول إلى شبكة "الانترنيت" العالمية واقعياً، هو الوصول إلى العالم الحديث، المتحرر من أي حدود أو أية حواجز. لأن شبكة "الانترنيت" العالمية اليوم تتيح الاتصال وتبادل المعلومات بين الأفراد والجماعات والدول أينما كانوا في البحار والمحيطات والغابات والصحاري والجبال وحتى الفضاء الكوني، إضافة إلى دورها المتزايد اليوم في التجارة الإلكترونية التي تسمح بعقد الصفقات التجارية عبر بورصة نيويورك لرؤوس الأموال، أو عبر بورصة طوكيو أو غيرها من البورصات المنتشرة في أنحاء شتى من العالم. وتسهيلها لعملية الحصول على آخر الأنباء التي تنشرها مختلف وسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، وإتاحتها فرصة المشاركة في كتابة الأخبار والتحقيقات المصورة وتوزيعها إلى مختلف أنحاء العالم دون عائق يذكر. وهو ما يسمح لنا بإطلاق لقب عدو المجتمعات المغلقة على شبكة "الانترنيت" العالمية.
والانتشار الواسع لهذه الشبكة داخل دول ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق والدول الدائرة في فلكه، كان من غير الممكن لولا تلك الإصلاحات التي بدأها الرئيس السوفييتي السابق غورباتشوف خلال العقد الثامن من القرن الماضي وأدت في النهاية إلى انهياره المفاجئ في مطلع التسعينات من القرن الماضي. والدرس المستفاد من انهيار النظام السوفييتي السابق والمنظومة الاشتراكية، أن تلك الدول لم تكن مهيأة لمتطلبات العولمة الاقتصادية الجديدة التي أخذت ملامحها بالتبلور آنذاك، ولم تكن تتلاءم مع الحدود المغلقة في المجالات المعلوماتية والسياسية والاقتصادية السائدة آنذاك.[13] وهو ما يضع الكثير من دول العالم أمام خيارات صعبة لا تقبل الجدل أو التأخير أو التأجيل للولوج في عصر العولمة المعلوماتية من أوسع أبوابها ووضع قواعد إيجابية وقانونية واضحة لها قبل فوات الأوان.
تكنولوجيا المعلوماتية في استراتيجيات سياسة المصالح القومية:
ومع تزايد الفهم الواسع والمستمر لتفوق الولايات المتحدة الأمريكية في مجال التكنولوجية المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصال عن بعد وسيطرتها على أسواقها. نرى أن الاتحاد الأوروبي قد بادر إلى اتخاذ خطوات حثيثة لتجاوز التأخر في هذا المجال الحيوي. وأنه حتى نهاية عام 1999 تمكن من وضع إستراتيجيته الأوروبية الخاصة لتطوير "السوق المعلوماتية الأوروبية"، وبذلت اليابان جهوداً حثيثة وملموسة للحاق معلوماتياً بالولايات المتحدة الأمريكية. كما وتضمنت السياسات القومية للصين، والهند، في مجال تكنولوجيا المعلوماتية إجراءات ملموسة نشهدها في العديد من السياسات القومية لدول العالم المختلفة.
ولكن ما يثير الانتباه أكثر من غيره، هو النموذج الهندي في مجال السياسة القومية لتكنولوجيا المعلوماتية، حيث تبنت السياسة الحكومية الهندية خلال العقود الأخيرة خيار رعاية ومساندة الدولة، لإقامة صناعة وطنية لبرامج الحاسب الآلي المعدة للتصدير، واختارت كذلك مبدأ التعاون مع الشركات العالمية الكبرى العاملة في مجال المعلوماتية والاتصالات المرئية. ووفق التقديرات المنشورة فإن رأس مال الشركات الهندية العاملة في هذا المجال بلغت في عام 2000 أكثر من 25 مليار دولار أمريكي، وبلغت صادراتها من البرامج المنتجة حوالي 3 مليارات دولار أمريكي.[14] وهي أرقام تدعو الدول النامية الأخرى للتأمل والتفكير على ما نعتقد.
وإن تحدثنا عن تجربة الاتحاد الروسي في المجال المعلوماتي الدولي وتكنولوجيا المعلومات، فإننا نرى أنها لم تزل متواضعة جداً، ولا تلبي لا المصالح الوطنية ولا مصالح الاتحاد الروسي كدولة عظمى، ولا متطلبات الإمكانيات التقنية والعلمية الروسية، ولا مستوى التطور الثقافي لشعوب الاتحاد الروسي قاطبة. وهذا الوضع الذي تعترف به حتى السلطات الاتحادية الروسية نفسها، عندما أشار إليه رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين في معرض مناقشته لموضوع التكنولوجيا المتقدمة في الاتحاد الروسي التي دبت الحياة فيها ولكن بمستوى تطور اقتصادي جديد لا يتفق وأهمية التكنولوجيا المتقدمة اللازمة للاتحاد الروسي.[15] وعلى ما يبدوا أن الاتحاد الروسي لم يزل يعاني من فاصل كبير بين إمكانياته كدولة تحتاج لتطوير تكنولوجيا المعلومات، واحتياجات المصالح الوطنية في مجال التكنولوجيا المتقدمة.
ومن قراءة لبيانات وزارة الاتصالات والمعلومات في الاتحاد الروسي، نجد أن عدد مستخدمي خدمات شبكة "الانترنيت" العالمية في الاتحاد الروسي حالياً يبلغ حوالي 3 ملايين نسمة، وهذا الرقم يمثل 2 % تقريباً من عدد السكان. وتتوقع تلك البيانات أن يزداد عددهم خلال السنوات الخمس القادمة ليبلغ 6 ملايين نسمة، وأن يبلغ عددهم حتى عام 2010 أكثر من 26 مليون إنسان. وحسب معطيات الوزارة المعنية فإن حجم الخدمات المعلوماتية لشبكة "الانترنيت" العالمية في المجال المعلوماتي للاتحاد الروسي، قد ارتفع في عام 2000 مقارنة بعام 1999 إلى نحو مرتين تقريباً وبلغ 460 مليون دولار أمريكي. وفي عام 2000 بلغ حجم إسهام تكنولوجيا المعلومات وخدماتها بما فيها خدمات شبكة "الانترنيت" العالمية من مجموع الناتج القومي حوالي 4,7 مليار دولار أمريكي. ولكن المحللين يعتبرون ذلك أقل بكثير عن 4 % وأكثر من الناتج القومي المميز لمؤشرات الدول المتطورة الكبرى.
ومنذ وقت قريب وضع مشروع قدم للحكومة الفيدرالية في الاتحاد الروسي يتضمن برنامجاً فيدرالياً يهدف إلى تطوير استخدام التجارة الإلكترونية، ويسهم في خلق الظروف الضرورية من أجل انتشار استخدام التجارة الإلكترونية، وتطبيق إجراءات تفسح المجال أمامها من أجل أن تساهم في التطور الاقتصادي للاتحاد الروسي، وزيادة عدد فرص العمل المتاحة للكوادر الوطنية المدربة والإسهام في عملية رفع مستوى حياة المواطنين، وخطط خلال المرحلة الأولى للبرنامج التي تستمر من عام 2002 وحتى عام 2003، اتخاذ إجراءات عملية، لإحداث قاعدة قانونية توفر الظروف المثالية للاستثمار في مجال تطوير البنية التحتية اللازمة في مجال التجارة الإلكترونية. وفي المرحلة التالية والتي تستمر حتى عام 2006، القيام بكل ما يمكن تطبيقه من إجراءات عملية لتطوير وتوسيع استخدام شبكات الحاسب الآلي، والارتفاع بعدد المستفيدين من خدمات شبكة "الانترنيت" العالمية إلى 15 % من عدد السكان، وتحقيق انتقال الجهات الحكومية إلى استخدام تكنولوجيا التجارة الإلكترونية الحديثة.
العلاقات الدولية والصناعات المعلوماتية والتجارة الإلكترونية:
ومن التجربتين أنفتي الذكر نلاحظ أن الصناعات المعلوماتية والتجارة الإلكترونية أخذة بالتوسع والانتشار بالتدريج في العلاقات الدولية، وأن ذلك الانتشار مرتبط إلى حد كبير بالوعي الذي تبديه الحكومات لأهمية تكنولوجيا المعلوماتية وسعيها للدخول في عالم إنتاج واستخدام تكنولوجيا المعلوماتية، وهو سعي لا يقل أهمية عن مساعي "سباق التسلح" للدفاع عن المصالح القومية العليا. إذ نرى في الوقت الحاضر أن الآلاف من الساحات التجارية الإلكترونية الضخمة العاملة في الدول المتطورة والأقل تطوراً على حد سواء في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، تتناول في نشاطاتها مجالات متعددة، منها تسويق الخامات والمنتجات الزراعية والغذائية، والنفط والغاز، ومجالات تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال المسموع والاتصالات المرئية، وبرامج الحاسب الآلي، ومجالات البناء والخدمات المعلوماتية، والتأمين والنقل، والصناعات الكيماوية، وغيرها من مجالات العلاقات الاقتصادية الدولية. ونرى أن الشركات الوطنية بما فيها شركات التعدين والنفط والغاز، آخذة أكثر فأكثر بتطوير إمكانيات مواردها المعلوماتية عبر شبكة "الانترنيت" العالمية، وإدخال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد في مجال العمل والإدارة. وهناك الكثير من الأمثلة الوطنية للاستخدام الفاعل للتكنولوجيا الجديدة، التي يؤدي استخدامها إلى تحسين الإنتاج وترشيد عملياته، وتحسين نوعية المنتجات وتسويقها إلى حد كبير.
آفاق المعلوماتية وتكامل الدول النامية ضمن سياق العلاقات الدولية المعاصرة:
وبرأيي أن الاتجاه الأكثر قابلية للتطور في مجال تطوير تكنولوجيا المعلوماتية والتجارة الإلكترونية في العلاقات الدولية للدول النامية ومن بينها الدول العربية هو الشروع في:[16] التوسع في إنتاج مكونات وبرامج الحاسب الآلي، وتشجيع منتجيها على التصدير، وإقامة أنواع من الشراكة والتعاون مع الشركات العالمية الرائدة في هذا المجال؛ وتطوير إنتاج بدائل للبرامج المستوردة، وبدائل لبعض مكونات نظم شبكات الاتصالات المرئية والمسموعة، والاتصالات بالألياف البصرية وغيرها؛ وتشجيع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة، والقطاع العام والمشترك والخاص لممارسة أعمال البحث العلمي والاختراع في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، ومضاعفة الإسهامات الحكومية فيها؛ وتحفيز إقامة وتطوير الشركات الوطنية العربية الكبيرة القادرة على العمل، والمتخصصة في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، وفي الوقت ذاته تشجيع دخول رجال الأعمال العرب، قطاع الأعمال الحرة في عالم تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد وبرامجها؛ وإدخال مبادئ تقنيات تصميم وإنتاج وصيانة تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد في مناهج التعليم قبل الجامعي، والجامعي وتعريبها، والتوسع بإقامة ورشات تعليمية لها في مؤسسات التعليم المتوسط والعالي؛ وتشجيع التأليف والنشر وإصدار الدوريات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية المتخصصة بقضايا تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد.
وأخيراً فإن تطور العمل في مجالات تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد لا يعتبر فقط من الحلول الناجعة لبعض مشاكل الاقتصاد الوطني في بعض الدول العربية وحسب، بل ويوفر للأمن القومي العربي فرصة أكبر للتكامل والمنعة والقوة تعادل مدى وحجم ارتفاع حجم الاقتصاد القومي العربي.
وهنا يجب أن نأخذ باعتبارنا مساعي الدول العربية للتكامل الاقتصادي ليس بينها وحسب، بل ومع الاقتصاد العالمي، الذي تشكل السياسات الحكومية العربية في مجال المعلوماتية محوره، ويجب أن تأخذ تلك السياسات في اعتبارها خبرة السياسات المعلوماتية للدول المتطورة في العالم، والتي يمكن أن تسهم في ردم شيء من الهوة التي تفصلها عنها.[17]
وحسب رأي الكثيرين من المحللين، أن أهم شركاء المستقبل للدول النامية في مجال التكنولوجيا الجديدة هي الدول المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعاني اليوم من عجز كبير في المبرمجين المدربين، وتملك أضخم سوق معلوماتية دولية، منتشرة عملياً في كل أنحاء العالم. وأن الشركات الأمريكية العابرة للقارات تستطيع لو رغبت أن تستوعب البرامج المنتجة في بعض الدول النامية، وأنها تستطيع توفير فرص أفضل لتسويق منتجات تلك الدول من مكونات تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد وبرامجها، وتصديرها إلى الأسواق الغربية.
والدول النامية ومن بينها الدول العربية تستطيع بالكامل أن تسد العجز الذي تعاني منه الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول المتقدمة من المبرمجين والعاملين المتخصصين الفائضين لديها، والمتوفرين في سوق العمل العالمية. خاصة وأن بعض تلك الدول تتمتع بمستوبات رفيعة من التعليم المتخصص لدى قسم لا بأس به من سكانها، إضافة إلى أنه لبعض تلك الدول منجزات ملموسة في مجال العلوم الأساسية التي يمكن أن توظف لخدمة الاقتصاد العالمي المعاصر.
وخلاصة القول أن الكثير يتوقف على الحكومات وعلى الإرادة السياسية الصلبة، لإنشاء البنى التحتية اللازمة، والقواعد القانونية الكفيلة بإقامة مؤسسات قومية تسمح للدول العربية مجتمعة بتحقيق إمكانيات علمية وتقنية رفيعة، تستطيع أن تشغل مكانتها الملائمة في السوق العالمية للتكنولوجيا العالمية المتقدمة. وهي خطوة أولى من المهام الكثيرة التي من دون حلها سيزداد تخلف الدول العربية عن الدول "الرائدة" في مجال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصال عن بعد، وتهدد اقتصادها بالتبعية والخضوع الدائم للمستورد من المنتجات المعلوماتية والتكنولوجية من الدول المتقدمة.
ولا أعتقد أنه هناك في الدول العربية من يرغب في أن يتخلف العرب عن غيرهم من شعوب العالم ضمن عملية العولمة المعلوماتية والاقتصادية والسياسية والثقافية، ولا أن يسمح بتعريض مصالح الأمن القومي العربي لأية أخطار يصعب حلها في المستقبل. ولهذا أرى أنه لابد من الدعوة للشروع وفق الإمكانيات المتوفرة والمتاحة وبأقرب وقت ممكن لوضع مشروع قومي وإقراره والبدء في تطبيقه من أجل تنسيق الجهود المبذولة في بعض الدول العربية لتطوير تكنولوجيا المعلوماتية في الوطن العربي، آخذين بعين الاعتبار حاجات السياسات الخارجية للدول العربية ومسايرتها لمراحل تطور العلاقات الدولية في العالم المعاصر.
المراجع:
1. القرآن الكريم.
2. أحمد السعدي: ملاحظات حول واقع الاقتصاد العربي ومستقبله. عمان: المنتدى، العدد 195، كانون أول/ديسمبر 2001.
3. إعلان ملتقى المفكرين العرب. عمان: المنتدى، العدد 196، كانون الثاني يناير 2002.
4. تقرير التنمية البشرية لعام 2001.
5. عادل باغيروف: تكنولوجيا المعلومات الجديدة. موسكو: مجلة مجدونارودنايا جزن، العدد 8، 2001. (باللغة الروسية)
6. كاستلز م.: عصر المعلومات: الاقتصاد، المجتمع والثقافة. موسكو: 2000. (باللغة الروسية)
7. كوليناتسكي ن.ن.: العولمة والمصالح القومية. // موسكو: مجدونارودنايا جزن، العدد: 1، 2000. (باللغة الروسية)
8. كوكوشينا أ. كلمة عن السياسة القومية المعلوماتية الروسية في مؤتمر جامعة هارفارد، أكتوبر/تشرين أول 2000. (باللغة الروسية)
9. أ.د. محمد البخاري: العلاقات العامة كهدف من أهداف التبادل الإعلامي الدولي. مقرر لطلاب الماجستير. طشقند: جامعة طشقند للدراسات الشرقية، 2000. (باللغة الروسية)
10. المؤتمر الدولي العربي 2001 لتكنولوجيا المعلومات. عمان: أخبار الاتحاد، نشرة إخبارية دورية تصدرها العلاقات الثقافية في الأمانة العامة لاتحاد الجامعات العربية، تشرين أول، تشرين ثاني، كانون أول 2001.
11. هيرتسوك ر.: كلمة أمام المؤتمر الاقتصادي العالمي في دافوس. 1999. عن: عادل باغيروف: تكنولوجيا المعلومات الجديدة. موسكو: مجلة مجدونارودنايا جزن، العدد 8، 2001. (باللغة الروسية)
12. Balty, Michael, Bob Barr, “The Electronic Frontier” Exploring and Mapping Cyberspace”, “Futures”, July 26, 1994.
13. Hart, Jeffrey A., Robert Reed, Franco’s Bar. The Building, of Internet. Berkeley, CA, U. Of California, BRIE Working Paper, 1992.
14. Lus Soete. The Impact of Technological Innovation on International Trade Patterns: the Evidence Reconsidered. // “Research Policy”, 1987.
15. Peter Lee, Paul King, David Shirref, Geof Dyer. “All change”. // “Eurompney”, June 1994.
16. Werner Sengenberger, Dunkan Campbell (eds). International Labor Standards and Economic Interdependence. Geneva, International Institute of Labor Studies, 1994.
17. www.rand.org/publications/mr/mr650
هوامش:
[1] سورة الحجرات (49): الآية 13.
[2] أ.د. محمد البخاري: العلاقات العامة كهدف من أهداف التبادل الإعلامي الدولي. مقرر لطلاب الماجستير. طشقند: جامعة طشقند للدراسات الشرقية، 2000. ص 8 - 15. (باللغة الروسية)
[3] للمزيد أنظر:
- Balty, Michael, Bob Barr, “The Electronic Frontier” Exploring and Mapping Cyberspace”, “Futures”, July 26, 1994, pp. 699-712;
- Hart, Jeffrey A., Robert Reed, Franco’s Bar. The Building, of Internet. Berkeley, CA, U. Of California, BRIE Working Paper, 1992;
- www.rand.org/publications/mr/mr650
[4] عادل باغيروف: تكنولوجيا المعلومات الجديدة. موسكو: مجلة مجدونارودنايا جزن، العدد 8، 2001. ص 90. (باللغة الروسية)
[5] المؤتمر الدولي العربي 2001 لتكنولوجيا المعلومات. عمان: أخبار الاتحاد، نشرة إخبارية دورية تصدرها العلاقات الثقافية في الأمانة العامة لاتحاد الجامعات العربية، تشرين أول، تشرين ثاني، كانون أول 2001. ص 11.
[6] هيرتسوك ر.: كلمة أمام المؤتمر الاقتصادي العالمي في دافوس. 1999. عن: عادل باغيروف: تكنولوجيا المعلومات الجديدة. موسكو: مجلة مجدونارودنايا جزن، العدد 8، 2001. ص 91. (باللغة الروسية)
[7] كوليناتسكي ن.ن.: العولمة والمصالح القومية. // موسكو: مجدونارودنايا جزن، العدد: 1، 2000. ص 87-95. (باللغة الروسية)
[8] كاستلز م.: عصر المعلومات: الاقتصاد، المجتمع والثقافة. موسكو: 2000. (باللغة الروسية)
[9] للمزيد أنظر:
- Peter Lee, Paul King, David Shirref, Geof Dyer. “All change”. // “Eurompney”, June 1994, pp. 89-101.
[10] Werner Sengenberger, Dunkan Campbell (eds). International Labor Standards and Economic Interdependence. Geneva, International Institute of Labor Studies, 1994.
[11] Lus Soete. The Impact of Technological Innovation on International Trade Patterns: the Evidence Reconsidered. // “Research Policy”, 1987.
[12] للمزيد أنظر: كاستيلز م.: عصر المعلومات: الاقتصاد والمجتمع والثقافة. (باللغة الروسية)
[13] للمزيد أنظر: كاستيلز م.: عصر المعلومات: الاقتصاد، المجتمع والثقافة. موسكو: 2000. (باللغة الروسية)
[14] للمزيد أنظر: عادل باغيروف: تكنولوجيا المعلومات الجديدة. موسكو: مجلة مجدونارودنايا جزن، العدد 8، 2001. ص 94. (باللغة الروسية)
[15] نفس المصدر السابق.
[16] للمزيد أنظر: أحمد السعدي: ملاحظات حول واقع الاقتصاد العربي ومستقبله. عمان: المنتدى، العدد 195، كانون أول/ديسمبر 2001. ص 22 – 23؛ وإعلان ملتقى المفكرين العرب. عمان: المنتدى، العدد 196، كانون الثاني/يناير 2002. ص 6 – 7.
[17] للمزيد أنظر: - تقرير التنمية البشرية لعام 2001؛ وكلمة كوكوشينا أ. عن السياسة القومية المعلوماتية الروسية في مؤتمر جامعة هارفارد، أكتوبر/تشرين أول 2000. (باللغة الروسية)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق