الأربعاء، 20 يناير، 2010

إحياء تراث الأجداد في أوزبكستان بين الأمس واليوم


إحياء تراث الأجداد في أوزبكستان بين الأمس واليوم
دراسة كتبها أ.د. محمد البخاري: مستشار رئيس جامعة طشقند الحكومية في العلاقات الدولية. وأستاذ مادة التبادل الإعلامي الدولي بقسم العلاقات الدولية / كلية العلاقات الدولية والاقتصاد بجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، ود. عبد الله عبد الستاروف: نائب رئيس قسم الدراسات الإسلامية، ونائب عميد كلية العلاقات الدولية والاقتصاد بالجامعة. في طشقند بتاريخ 8/8/2002. ونشرت بمجلة الفيصل في العدد 318 فبراير 2003.
مخطط الدراسة: دراسة المخطوطات الإسلامية في أوزبكستان؛ فهارس مجموعة المخطوطات الشرقية؛ دراسة وتحقيق تراث الأجداد؛ أجداد الشعب الأوزبكي كانوا شعلة حملت راية العلوم الدينية الإسلامية؛ أشهر أئمة الحنفية في ما وراء النهر؛ الدراسات القائمة اليوم في التراث الإسلامي؛ الخاتمة؛ مصادر الدراسة.
تملك جمهورية أوزبكستان اليوم ثروة كبيرة من المخطوطات الإسلامية التي خلفها أجداد الشعب الأوزبكي الكبار. وهي المخطوطات التي تتابع دراستها اليوم وبجدارة الكوادر العلمية المتخصصة في الدراسات الإسلامية والعربية، والفارسية، والتركية، والهندية، والصينية، تلك الكوادر التي تتمتع بخبرة طويلة في مجالات دراسات التراث الأدبي الإسلامي ومخطوطاته القيمة. إذ يعتبر موضوع دراسة وتحقيق المخطوطات الإسلامية الثمينة، من أولويات أعمال متابعة دراسة وتحقيق الثروة الكبيرة التي تملكها أوزبكستان من مخطوطات. وتحفظ تلك المخطوطات القيمة في الوقت الراهن بمكتبة الإدارة الدينية في الجمهورية، ومكتبات مؤسسات التعليم العالي، ومراكز البحث العلمي في الجمهورية، ومن بينها معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الأوزبكستانية، وجامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، والجامعة الإسلامية الحكومية، والجامعة القومية الأوزبكية وغيرها من مؤسسات التعليم العالي ومؤسسات البحث العلمي إضافة للمتاحف المنتشرة في أنحاء مختلفة من الجمهورية.
ومن المعروف أن عملية دراسة المخطوطات الإسلامية في أوزبكستان كانت قد بدأت إبان فترة الحكم الاستعماري السوفييتي في الثلاثينات من القرن العشرين. وخلال تلك الفترة بدأت عملية حفظ بعض تلك المخطوطات في المكتبة العامة بطشقند، أما بدايات أعمال الوصف العلمي للمخطوطات فقد بدأت خلال تلك الفترة واستمرت حتى عام 1943 حيث تم إنجاز فهارس للمخطوطات المحفوظة في المكتبة العامة صدرت في أربع مجلدات. نشر المجلد الأول منها عام 1952، والمجلد الرابع في عام 1957. واستمر إصدار سلسلة الفهارس بعد تأسيس معهد الاستشراق حيث تم فيه إعداد سبع مجلدات أخرى من فهرس "مجموعة المخطوطات الشرقية"، وتم إصدار المجلد الأخير الحادي عشر في عام 1987. وشملت المجلدات التي صدرت وصوفاً لـ 7574 مخطوطة، من بينها أكثر من 3000 مخطوطة أصلية تتضمن حوالي 40 % باللغة العربية، و40 % باللغة الفارسية و20 % باللغة التركية.
وتضمنت الدراسات الوصفية التي قامت بها مجموعة كبيرة من المتخصصين كما سبق وأشرنا في مجالات الدراسات العربية، والإيرانية، والتركية، أمثال: سيمينوف، وفورونوفسكي، وأورونباييف، وإيبيفانوفا، وجليلوفا، وأدنالوف، وبيلياييف، وبيتغير، وجوكوف، وكونونوف، وميكلوخو- ماكلايا، وساليه، وسميرنوفا، وتفيريتينوفا، وتشخوفيتش، وشميدت، وعبد اللاييف، وعبد الصمادوف، وعزيز زادة، وعظيم جانوفا، وأكمالوف، ووهابوفا، وولدانوف، وفولوشينا، ودوبروفسكايا، وزافادوفسكي، وذوننونوف، وقاضي بيردوف، وقيوموف، ومنيروف، ونعماتوف، وبولياكوفا، وريزاييف، وتاللاشوف، وحمراييف، وحكمة الله ييف، ويوسوبوفا وغيرهم. ولكن هذا المشروع العلمي الكبير ومع الأسف الشديد توقف عن العمل منذ عام 1990 بسبب الصعوبات المالية التي لم يزل يعاني منها هذا المشروع الكبير حتى الآن.
ورافق صدور سلسلة فهارس "مجموعة المخطوطات الشرقية" إصدار مجموعة من الفهارس المتخصصة، تضمنت وصفاً لمخطوطات علماء مسلمين كبار أمثال عبد الرحمن جامعي،[1] وعلي شير نوائي؛[2] وخسراو دهلوي،[3] وأبو نصر الفارابي،[4] وأبو علي بن سينا،[5] وتم كذلك إصدار فهرس خاص للمؤلفات، التي تناولت تاريخ مرحلة الاحتلال الروسي لآسيا المركزية (تركستان الروسية)،[6] وآخر فهرس منها خصص للمؤلفات التي تناولت تاريخ الطريقة الصوفية النقشبندية.[7]
كما وجرت بعض المحاولات لإحياء هذا المشروع الكبير بعد الاستقلال بهدف متابعة إصدار "مجموعة المخطوطات الشرقية" بالتعاون مع المستشرق الألماني البروفيسور يو. باولا. وجمعية التعاون التقني الألمانية وجامعة مارتين لوتير بمدينة هالليه، وبعض الجهات الأخرى لم تؤدي كلها إلى نتائج ملموسة. ومع ذلك فقد جرت محاولات أخرى ناجحة بالتعاون مع متخصصين من دولة الإمارات العربية المتحدة صدر نتيجته له فهرس للمخطوطات باللغة العربية،[8]وبالتعاون مع متخصصين إيرانيين أسفرت عن إصدار فهرس واحد عن المخطوطات التاريخية باللغة الفارسية.[9] وكانت آخر ثمار العمل المشترك إصدار "المعجم المفهرس للمخطوطات العربية والإسلامية في طشقند عاصمة جمهورية أوزبكستان" في أحد عشر مجلداً ببيروت، بإسهام من مؤسسة كاللو هولدينغ التي يملكها المستثمر اللبناني مروان كاللو ولها استثمارات في أوزبكستان في الوقت الحاضر.[10]
ويحتوي هذا العمل الكبير، الذي ترجمه إلى اللغة العربية مجموعة من المستعربين الأوزبكستانيين ضمت: أ.د. نعمة الله إبراهيموف، وأ.د. تيمور مختاروف، ود. راميل شاكيروف، وكان ثمرة جهود متواصلة لمجموعة كبيرة من العلماء استمرت نحو نصف قرن من الزمن وتضمنت وصوفاً للمخطوطات، تشمل عنوان المخطوطة، واسم مؤلفها، وملخص عن محتواها، وتاريخها، واسم ناسخها مع تاريخ النسخ، وتضمنت أبواب المجلدات العناوين التالية:
المجلد الأول: تاريخ الطبري، ومروج الذهب ومعادن الجوهر، والكامل في التاريخ، وعلم الأنساب، وتاريخ إيران، ومراسلات رسمية، ورحلات ومذكرات، وقواميس تعليمية، وقاموس عربي طاجيكي، وعلم الفلك، والعلوم الطبية، والوافي في النحو، وفهرس بأسماء النساخ.
المجلد الثاني: مخطوطات أدبية ونثرية، وقصيدة "بانت سعاد"، والعقد الفريد، وشاه نامة، والقصيدة النفسية، ورباعيات عمر الخيام، وديوان خاقاني، ومجنون ليلى.
المجلد الثالث: مخطوطات فلسفية وفي التصوف، وأرسطوطاليس، ونوادر وحكم تنسب إلى أفلاطون، ورسالة جواز السائرين، وشجرات النسب، وسلسلة الأولياء، ورسائل منوعة، ومقامات.
المجلد الرابع: قصص الأنبياء، والسيرة النبوية الشريفة، وغزوات النبي (ص)، المعراج، والخلفاء الراشدين (رض)، والقرآن الكريم: تفسيره وقراءته، والحديث النبوي الشريف وشرحه، وسير الفقهاء، وفتاوى في الإرث والصيام والزواج وغيرها.
المجلد الخامس: تاريخ الطبري، وشجرات سلسلة النسب، وتاريخ آسيا الوسطى، وتاريخ الهند، وتاريخ تركستان الشرقية، وكتب في السير والتراجم، ومؤلفات في التاريخ والجغرافيا، وسير حياة عدد من الأعلام، وفي الأدب الرفيع، وفي الأدب الشعبي، ورسالة في الحروف ومعانيها، وفي علم النبات والحيوان، ومائة سؤال طرحها أعرابي، وتفسير بعض السور القرآنية، وبعض قواعد الهمزة، ورسالة في إثبات النبوة.
المجلد السادس: زبدة التواريخ، والجغرافية التاريخية، وعلم الهيئة، ورسائل في الطب، وقصائد وغزليات، وفي التعليم، والقرآن الكريم: نصوص وقراءة، والتحفة المرسلة إلى النبي (ص).
المجلد السابع: روضة الصفاء في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء، وشجرة نسب ملوك خوارزم، وتاريخ خوارزم، وفي الأدب والشعر، وقصة يوسف وزليخا، ودواوين شعر، وفي العلوم الخفية، ورسائل في الطب، وفي تفسير القرآن الكريم، وفي التصوف.
المجلد الثامن: تاريخ الطبري، ونظام التواريخ، وفي تاريخ الهند، وفي سير وتراجم الحياة، وعجائب البلدان، وفي الرسم والخط.
المجلد التاسع: التاريخ، ومذكرات ورحلات، وسير ذاتية، والأدب الروائي، ونظرية الأدب، والإنشاء، والقواعد، والطبيعيات، وعلم التنجيم والفلك، وعلم الحيوان، والفيزياء، وعلم المعادن، والعلوم الدفينة، والطب، والجغرافيا وعلم الفضاء، والفلسفة، وتاريخ الدين الإسلامي، والمذهب الصوفي، والطقوس والأدعية، والمراسلات.
المجلد العاشر: التاريخ والعلوم المتقاربة، وجامع التواريخ، وتاريخ آسيا الوسطى، وتيمور نامة، ومراسلات، وعلم القواميس، والمعجم الرشيدي، ونظم الشعر، والظواهر الطبيعية، والطب البيطري، وفي الفقه.
المجلد الحادي عشر: الجزء الأول: عجائب القصص، وتاريخ آسيا الوسطى، وتاريخ تركيا، وتاريخ الهند، ووثائق رسمية، والعلوم الطبيعية، وعلم الفلك، والبيطرة، وعلم المعاجم، وتفسير القرآن الكريم. الجزء الثاني: المذاهب الإسلامية، وعلم الدين الشفهي، وتحفة السلطان، والشعائر الدينية، والتصوف.
ومن نظرة متفحصة للمواضيع التي تناولتها المخطوطات آنفة الذكر في المجلدات الـ 11 من المعجم، نرى أنها تناولت كافة المجالات العلمية المعروفة آنذاك، وهي: التاريخ، وتاريخ الأديان، والفلسفة، وحكايات الرحالة، وتراجم، ورسائل، ونظرية اللغة والأدب، والعلوم الحية كالرياضيات، والفلك، والفيزياء، والكيمياء، والمعادن، وعلم الحيوان، والطب، والجغرافيا والكون، والفنون كالموسيقى، والخط العربي، والحرف اليدوية، والرياضة، والشعر، والنثر، والتراث الشعبي (الفلكلور)، والتصوف، والموسوعات الخ.
ويعتبر الباحثون العلميون ما يقومون به اليوم دراسة وتحقيقاً لتراث أجدادهم، وليس استشراقاً كما تشير المراجع الروسية، ولم تنحصر تلك الأعمال على دراسة التراث الغني لعلماء ما وراء النهر طيلة فترة الاحتلال الروسي والسوفييتي من بعده، وفق المدخل العلمي للاستشراق الذي خدم المصالح الاستعمارية الروسية، والتي قام بها مستشرقون روس قدموا لطشقند خصيصاً لهذا الغرض، وعمل معهم مستوطنون من أبناء القوميات الأخرى في الإمبراطورية الروسية مترامية الأطراف حينها، وكان الهدف الأساسي للدراسات التي قاموا بها آنذاك التعرف على عادات وتقاليد ونقاط ضعف الشعوب المحتلة لتسهيل مهمة السيطرة عليها، وحكمها، ونهب خيراتها، وسلبها ثقافتها وتاريخها. بل كان التوجه عكس ذلك تماماً بعد أن تغير الوضع منذ دخول أبناء المنطقة عالم الدراسات "الشرقية" حتى خلال الحكم السوفييتي، وتبدلت معها واختلفت نظرتهم تماماً عن نظرة المستشرقين الروس، وحتى في فهم مصطلح "الاستشراق" بحد ذاته. فهم عندما تناولوا بالبحث المخطوطات التراثية القديمة، فقد تناولوا أعمال علماء كبار من أجدادهم المسلمين الذين حملوا يوماً ما عبء التقدم الحضاري في العالم الإسلامي وخدموا الإنسانية جمعاء. وزاد هذا المفهوم وضوحاً بعد استقلال جمهورية أوزبكستان عام 1991، وأصبحت تلك الكنوز العلمية التي حفظها القدر وجهود البعض من التلف والضياع، الشاهد الحي والملهم لإعادة كتابة تاريخ ليس أوزبكستان وحسب، بل وآسيا المركزية، وأنحاء كثيرة من العالم الإسلامي المعاصر، وتنقيته من الشوائب والتحريف الذي لحق به خلال فترة عصيبة تعرضت لها الشعوب المحتلة في المنطقة، وتعرض خلالها تاريخهم إلى كل أنواع البلع والاستيعاب والتزييف وطمس الشخصية والذات القومية والثقافية.
وجاءت الدراسات والبحوث كما يثبت الواقع اليوم مختلفة تماماً عن دراسات الفترة الاستعمارية التي خضعت لها آسيا المركزية، فأخذت تلقي الضوء على الحقائق التاريخية، وعلى تاريخ العلوم والثقافة، التي عاشها هذا الجزء الكبير والهام من العالم الإسلامي حتى مطلع القرن العشرين، من خلال التعليقات العلمية والشروحات الوافية لمضمون التراث الغني الذي تحفظه صفحات المخطوطات التراثية، وتدقيق الترجمات والنصوص النقدية. وتحقيق التراث في العلوم الحية، التي كتبها الخوارزمي، والفارابي، والبيروني، وابن سينا، وألوغ بيك وغيرهم من كبار العلماء المسلمين. في محاولة جادة لإعادة كتابة تاريخ المنطقة من منظور جديد يعتمد الأساليب العلمية الموثقة، ابتداء من المصادر المبكرة التي تتحدث عن تاريخ نشر الدين الإسلامي الحنيف في ما وراء النهر (آسيا المركزية اليوم)، وبالتحديد مخطوطتي ("تاريخ الطبري")، و"تاريخ بخارى" نارشاهي). إضافة للمخطوطات التي كتبها مؤلفون عاصروا الأمير تيمور والتيموريين من بعده، وصولاً للمخطوطات التي تتحدث عن تاريخ (الخانيات) الإمارات الثلاث (قوقند، وخيوة، وبخارى) حتى نهاية القرن 19، وإصدارها في سلسلة خاصة، إضافة للسلاسل الأخرى التي تتحدث عن تاريخ الأدب، والفن، والجغرافيا، ومذكرات الرحالة وغيرها من المخطوطات. مع متابعة إصدار الفهارس الموضوعية للمخطوطات الإسلامية، التي صدر منها حتى الآن مجلدين الأول وتضمن مخطوطات في التاريخ،[11] والثاني وتضمن مخطوطات في العلوم الحية.[12]
وتبقى التساؤلات الأكثر أهمية هنا، على من يقع واجب متابعة تلك الدراسات التي يقوم بها العلماء في أوزبكستان؟ وما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات العلمية ومراكز البحث العلمي والعلماء في العالمين العربي والإسلامي؟ وهل يجوز أن تقوم أوزبكستان الفتية التي تجاوزت بالكاد العقد الواحد على استقلالها وحدها بتمويل مشروع حضاري كبير يخص ليس أوزبكستان وحدها بل والعالمين العربي والإسلامي، لا بل والحضارة الإنسانية بأكملها ؟
وللإجابة على جزء بسيط من تلك التساؤلات، نقول: يخطئ من يظن أن أوزبكستان ستفرط يوماً ما بهذا الكنز الكبير الذي خلفه للإنسانية أجدادهم البررة، ويخطئ من يظن أن علماء أوزبكستان سيتهاونون في المحافظة على ذلك التراث الغني ودراسته ونشره ليكون في خدمة الأجيال الصاعدة لا بل والإنسانية جمعاء نقي صاف من الشوائب في عصر العولمة الثقافية وتداعياتها، وخاصة بعد أحداث سبتمبر/أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة، والتي رافقها هجوم شرس تقوم به بعض الجهات المشبوهة وتتعرض فيه للإسلام والمسلمين في العالم. والإسهام بنظرنا يمكن أن يكون في التعاون العلمي الصادق والمشترك بين المؤسسات العلمية الحكومية أولاً، وشبه الحكومية ثانياً، في الدول المعنية للقيام بالدراسات والأبحاث العلمية المشتركة، وإيفاد وتبادل الباحثين العلميين، وفي التمويل المشترك. فإمكانيات البعض هي أكبر من إمكانيات البعض الآخر وهذا ليس بسر، والقاعدة العلمية التي تملكها أوزبكستان رغم حاجتها لبعض التقنيات الحديثة، يمكن أن يحسدها عليها البعض الآخر، ولكن علماءها لا يحتكرونها عن الآخرين. وبالحوار الثقافي الصادق بين الأمم، وهو الحوار الذي يتم عن طريق احترام ثقافة الآخر وتطلعاته الثقافية القومية، تكون العولمة الثقافية في عالم متعدد الثقافات تثري وتغني بعضها البعض. لا في عالم تفرض فيه ثقافة الأقوى، وتطمس وتحرف فيه ثقافة الضعيف اليوم، القوي بالأمس. ونعتبر أن الرد الحقيقي في العمل الجاد لا بالتمنيات وحدها.
وإذا ألقينا نظرة موضوعية إلى ماضي الشعب الأوزبكي فإننا نرى انه كان تاريخ إبداع وسعي حثيث في طلب العلم والتطلع إلى الحرية، رغم الظلم والاستبداد الذي عانى منه لأكثر من قرن من الاحتلال والتبعية الثقافية والسياسية والاقتصادية، ومع ذلك بقي على تطلعه نحو التقدم والسعي إلى النور، من الأزمنة المظلمة التي عانى منها سابقاً.
ومعروف أن أجداد الشعب الأوزبكي كانوا شعلة حملت راية العلوم الدينية الإسلامية منذ فجر الحضارة الإسلامية، وأدوا دورهم التاريخي خير أداء في تقدم البحوث الدينية الإسلامية خلال القرون الوسطى. وبفضلهم عاشت ما وراء النهر عصرها الذهبي ضمن الحضارة الإنسانية. ومن بين أولئك الأجداد البررة أسماء ذاع صيتها في العالم أجمع من بينها إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى 870م)،,وأبي عبد الله الخوارزمي (المتوفى 997م )، وأحمد بن محمد الفرغاني (797-865م)، وأبي ريحان البيروني (973-1048م) والكثيرين غيرهم.
ومنذ فجر الاستقلال تمت وبرعاية من الدولة خطوات كبيرة على طريق إحياء علوم الدين الإسلامي الحنيف، وتم تحقيق وترجمة وطباعة العديد من الكتب التي كانت محرمة في العهد الشيوعي لأئمة كبار وقدمت للقارئ الأوزبكستاني. [13]وأعيد فتح آلاف المساجد، والعديد من المدارس الإسلامية، وتم بناء الجديد منها. وبرعاية من الدولة بدأ العمل على إحياء التراث الديني والعلمي الغني للأجداد البررة للشعب الأوزبكي، ودراسته وتحليله وتطويره واستخلاص العبر من نتائج دراسته.
أشهر أئمة الحنفية في ما وراء النهر: خلال الفترة من عام 699 وحتى عام 1197م عاش في ما وراء النهر أئمة مسلمين ذاعت شهرتهم أمثال: [14] أبو حنيفة؛ ومحمد بن الحسن الشيباني؛ وأحمد بن حفص أبو حفص الكبير البخاري؛ وعبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث السيبذاموني؛ وأبو بكر محمد بن الفضل؛ وأبو علي الحسين بن الخضر النسفي؛ وشمس الأئمة الأكبر أبو محمد عبد العزيز الحلوائي؛ وشمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي؛ وأبو حفص عمر بن علي بن الزاندرامعيشي؛ وأبو حسن علي بن أبو بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني.
ومن بين الدراسات القائمة اليوم في التراث الإسلامي، دراسات تناولت بالبحث والتحقيق أعمال فقهاء الحنفية في ما وراء النهر، ومن بين أولئك الأئمة: عبد العزيز الحلوائي (المتوفي عام 1056م)، وشمس الأئمة السرخسي (المتوفي عام 1094م)، وفخر الإسلام علي البزدوي (المتوفي عام 1089م)، وأبو اليسر البزدوي (المتوفي عام 1100م)، وأبو المعين النسفي (المتوفي عام 1114م)، وعلاء الدين السمرقندي (المتوفي عام 1144م)، وعلاء الدين الكاساني (المتوفي عام 1191م)، وبرهان الدين المرغيناني (المتوفي عام 1197م).
وكان شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي من الشخصيات الفاضلة التي تركت تراثاً لا يقدر بثمن.[15] وهو أحد الأئمة الكبار وصاحب حجة، وعالماً وفقيهاً ومجتهداً في أصول الدين الحنيف.[16]وانطلقت الدراسات الحديثة لتراثه الديني وحياته ونشأنه من حقيقة قلة الدراسات المنجزة عنه، وكان لا بد من التعمق في دراسته بصورة متكاملة لتستفيد الأجيال الناشئة من تراثه الديني الغني.[17]
وقد ولد الإمام الفقيه شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي نحو عام 1009م، بمدينة سرخس ونسب إليها، وكانت ما وراء النهر آنذاك تحت حكم القره خانيين (999-1212م).[18] وسافر إلى مدينة بخارى طلباً للعلم، وتتلمذ على يد الإمام شمس الأئمة عبد العزيز الحلوائي[19] حتى أتم تعليمه على يديه، ولقب بلقبه. وكانت بخارى آنذاك مركزا من مراكز العلم الهامة في العالم الإسلامي، يقصدها طلاب العلم من مختلف دول الشرق الإسلامي في القرون الوسطى.
وأخذ الإمام محمد السرخسي من شيخه الحلوائي علم الحديث، وروى عنه الأحاديث العديدة. وتفقه على يديه أبو بكر محمد بن إبراهيم الحصيري (المتوفي 1106م)، وأبو عمرو عثمان بن علي البيكندي (المتوفي 1158م)، وأبو حفص عمر بن حبيب جد صاحب "الهداية"، وبرهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه (المتوفي 1111م)، ومحمود بن عبد العزيز الأوزجندي، وركن الدين مسعود بن الحسن وغيرهم.[20]
وقد أمضى السرخسي خريف عمره في مدينة بلخ، حيث كان يقصده طلبة العلم ليأخذوا منه علم الفقه وأصوله والحديث وعلم التفسير. ونجد في المراجع المتوفرة اليوم اختلافات كبيرة في تاريخ وفاته لهذا سنكتفي بأرجح التواريخ التي تشير إلى وفاته في بلخ (أفغانستان اليوم) عام 1094م، وأنه دفن بمقبرة نوبهار بجوار قبر الفقيه الحنفي الشهير أبي مطيع البلخي.
واعتبره أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرومي (المتوفي 1534م)، من كبار المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأنه بلغ من مراتب العلم ما بلغ أبي بكر الخصاف (المتوفي 875م)، وأبي جعفر الطحاوي (المتوفي 933م)، وأبي حسن الكرخي (المتوفي 952م) وغيرهم من مرتبة رفيعة. وهذه المرتبة تلي أصحاب الإمام أبي حنيفة في الاجتهاد، وأنه من كبار علماء ما وراء النهر في عصره دون منازع.[21]
وصنف شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي في الفقه والأصول، وأملى "المبسوط" وهو في السجن بأوزجند وكانت من أعمال فرغانة آنذاك (تقع اليوم في جمهورية قرغيزستان)، وكان قد حبس لكلمة نصح بها الخاقان.[22] وكان يملي خواطره من دون مطالعة للكتب، وأصحابه في أعلى الجب المحبوس فيه يكتبون ما يمليه عليهم. وله أيضا كتاب "الأصول: في مجلدين.[23] وأملى أيضا "شرح السير" على محمد بن الحسن في مجلدين ضخمين، وله شرح كتاب "النفقات للخصاف"، وشرح "أدب القاضي للخصاف"، و"أشراط الساعة"، و"الفوائد الفقهية"، وكتاب "الحيض". وقال العلامة الطرسوسي عن "المبسوط" للسرخسي بأنه "لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى بقول إلا عليه".
وفي الختام نتمنى أن نكون قد ألقينا ضوءاً ولو قليلاً على واحدة من الدراسات الكثيرة التي يقوم بها أساتذة وطلاب العلم في جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، وجامعة طشقند الإسلامية الحكومية، والباحثين العلميين في معهد أبي ريحان البيروني بأكاديمية العلوم الأوزبكستانية وفي مقدمتهم أ.د. نعمة الله إبراهيموف، رئيس جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، ورئيس قسم الدراسات الإسلامية فيها. وأ.د. حميد الله كراماتوف، رئيس جامعة طشقند الإسلامية الحكومية. والمتخصصين في الدراسات الإسلامية الشيخ عبد العزيز منصور، وأ.د. أحد حسانوف، ود. زهر الدين حسن الدينوف، ود. عبيد الله أواتوف وآخرون من جهود كبيرة لدراسة التراث الذي لا يقدر بثمن، وهو الذي تركه الأجداد العظام للشعب الأوزبكستاني، تراث السلف الصالح، للأجيال الناشئة لتستلهم منه أصول دينهم الحنيف والحفاظ عليه، بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة التحرر والاستقلال بالطرق السلمية والديمقراطية في الفاتح من سبتمبر/أيلول عام 1991 على يد رئيس الجمهورية إسلام كريموف.
مصادر الدراسة، وللمزيد يمكن مطالعة:
1. حاجي خليفة: "كشف الظنون". إسطنبول: من دون تاريخ. (باللغة التركية)
2. السرخسي: "الأصول" مخطوط محفوظ في مكتبة معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع لمجمع العلوم الأوزبكستاني تحت رقم 521541.
3. شمس الأئمة السرخسي: "كتاب المبسوط". بيروت: 1993.
4. القرشي أبو محمد عبد القادر المصري: "الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية". حيدرآباد: 1332هـ.
5. أ.د. محمد البخاري: عرب آسيا المركزية: آثار وملامح. دمشق: مجلة "المعرفة"، العدد 460/2002 كانون الثاني/يناير. ص 173-196.
6. أ.د. محمد البخاري، مليكة أنور ناصيروفا: دراسات حول مخطوطات علوم اللغة العربية في أوزبكستان. الرياض: الفيصل، العدد 303، نوفمبر/ديسمبر 2001. ص 27-32.
7. أ.د. محمد البخاري: المخطوطات العربية في جمهورية أوزبكستان. دمشق: المعرفة، العدد 457/تشرين أول/أكتوبر 2001. ص 186-202.
8. أ.د. محمد البخاري، أ.د. تيمور مختاروف: تحقيق المخطوطات الإسلامية في أوزبكستان … جهود متواصلة لحماية التراث (2-2). أبو ظبي: الاتحاد، 13/3/2001.
9. أ.د. محمد البخاري، أ.د. تيمور مختاروف: تحقيق المخطوطات الإسلامية في أوزبكستان … جهود متواصلة لحماية التراث (1-2). أبو ظبي: الاتحاد، 11/3/2001.
10. أ.د. محمد البخاري: عرب آسيا المركزية: آثار وملامح. مجلة "المعرفة"، دمشق: العدد 445/2000 تشرين أول/أكتوبر. ص 184-208.
11. أ.د. محمد البخاري: نظرة في بعض مصادر الأدب الأوزبكي. مجلة وزارة الإعلام الكويتية (مجلة الكويت). العدد 168/1997 أكتوبر/تشرين أول. ص 62-65.
12. د. محمد البخاري، د. تيمور مختاروف، د. شاه رستام شاه موساروف: تراجم من الأدب العباسي، مقرر لطلاب السنة الرابعة/قسم اللغة العربية. طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 1992.
13. الواعظ البلخي: "فضائل بلخ". طهران: 1971. (باللغة الفارسية)
14. Brockelmann, I Weimer, 1998. الخميس، 30 جمادى الأولى، 1423هـ، الموافق 08 أغسطس، 2002م
هوامش الدراسة:
[1] إعداد وتحرير: أورانباييف أ.، يبيفانوفا ل.م. طشقند، 1965. (باللغة الروسية)
[2] إعداد وتحرير: منيروف ق.، نصيروف أ. طشقند، 1970؛ ومنيروف ق.، حكيموف م. طشقند، 1986. (باللغة الروسية)
[3] إعداد وتحرير: مؤمينوف ق. طشقند،1975. (باللغة الروسية)
[4] إعداد وتحرير: قاضي بيردييف أ.ل. طشقند،1975. (باللغة الروسية)
[5] إعداد وتحرير: وهابوف ب.أ. طشقند، 1982. (باللغة الروسية)
[6] إعداد وتحرير: يبيفانوفا ل.م. طشقند، 1965. (باللغة الروسية)
[7] إعداد وتحرير: شمس الدين باباخانوف، وعبد العزيز منصور. طشقند، 1993. (باللغة الروسية)
[8] إعداد وتحرير: الدكتور عبد الرحمن فرفور، والدكتور محمد مطيع الحافظ، ,تقديم أ. أورونباييف و ك. منيروف. دبي، 1995. (باللغة العربية)
[9] إعداد وتحرير: أورانباييف أ.، وسيد علي معجاني، وموسوييف ش.، طهران، 1997. (باللغة الفارسية)
[10] الإشراف: أ.د. عصام الدين أورنباييف، ولاريسا ييبيفانوفا. هيئة الترجمة من الروسية إلى العربية: أ.د. نعمة الله إبراهيم، أ.د. تيمور مختار، د. رامل شاكر. تدقيق اللغة العربية: روحي طعمة. دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، بيروت، 2000.
[11] إعداد وتحرير: يوسوبوف د.، وجاليلوف ر.، طشقند، 1998. (باللغة الروسية)
[12] إعداد وتحرير: ولدانوف أ. ب.، طشقند، 1998. (باللغة الروسية)
[13] صدر في أوزبكستان بعد استقلالها عام 1991: صحيح الإمام البخاري، وكتاب الهداية في شرح البداية للإمام برهان الدين المرغيناني، وكتاب سنن الترمذي للإمام الترمذي، وكتاب مصنفات علماء الحنفية وغيرها من الكتب بعد ترجمتها إلى اللغة الأوزبكية لتكون في متناول أكبر عدد من القراء.
[14] عن كتاب "الجواهر المضيئة" للقرشي.
[15] هناك دراسات عنه منشورة كثيرة في الهند، وتركيا، وماليزيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وسورية وغيرها من الدول الإسلامية.
[16] القرشي أبو محمد عبد القادر المصري: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية. حيدرآباد: 1332هـ.
[17] سبق وصدر في حيدر آباد كتاب "الجواهر المضيئة" لعبد القادر القرشي، وكتاب "تاج التراجم" لزين الدين قايم بن قطلوبغا، في بغداد عام 1262م، ويقوم بدراسته في الوقت الحاضر كلاُ من محمد حميد الله، ويوسف ضياء توكجي، وعاشور بك مؤمينوف، وك. بروكلمن، وأكمال سعيدوف وآخرون.
[18] الواعظ البلخي: فضائل بلخ. طهران 1971. ص340؛ والقره خانيون من السلالة التركية التي ينتسب إليها الغزنويون والسلجوقيون أيضاً.
[19] عبد العزيز الحلوائي، هو أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلوائي الحنفي. ولد بمدينة بخارى، ونشأ ودرس في سمرقند وبخارى، وتوفي عام 448هـ/1056م في بخارى. ومن مؤلفاته: "منتخب الفتاوى"، "اشراط الساعة"، "النوادر"، "المبسوط"، "كتاب الكسب"، "الفتاوى". - Brockelmann, I Weimer, 1998, p. 373.
[20] حاجي خليفة: كشف الظنون. إسطنبول: بلا تاريخ. ص340.
[21] شمس الأئمة السرخسي: كتاب المبسوط. بيروت: 1993. ص 3.
[22] هو الأمير القره خاني إبراهيم خان (1058-1067م).
[23] مخطوط كتاب "الأصول" محفوظ في مكتبة معهد أبي ريحان البيروني للاستشراق التابع لمجمع العلوم الأوزبكستاني تحت رقم 521541.

هناك 3 تعليقات: