الخميس، 14 يناير، 2010

آفاق التعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجمهوريات آسيا المركزية

آفاق التعاون بين مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجمهوريات آسيا المركزية
كتبها أ.د. محمد البخاري، مستشار رئيس معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، في طشقند بتاريخ 29/11/2003
للعلاقات العربية بمنطقة آسيا المركزية جذوراً تاريخية تعود لعهد الفتوحات العربية الإسلامية في منتصف القرن السابع الميلادي، عندما تم ضم منطقة ما وراء النهر إلى الخلافة العربية الإسلامية في العهد الأموي. ولكن هذا لا ينفي أن العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين العرب وشعوب آسيا المركزية كانت قائمة قبل الفتوحات الإسلامية بوقت طويل، خاصة تلك التي كانت قائمة مع بلاد الشام والرافدين. ولكن الذي حدث مع مطلع القرن الثامن الميلادي أنهم أصبحوا معاً داخل دولة واحدة امتدت حدودها في وقت ما من المحيط الأطلسي غرباً إلى أسوار الصين شرقاً.
ويحمل التاريخ حقائق كثيرة عن توجه جيوش الفتح الإسلامي العربية شرقاً عام 633م، بعد سيطرتها على الدولة الساسانية في فارس، منطلقة منها لنشر الدعوة الإسلامية في ما وراء النهر. واعتبارا من عام 674م انتشرت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة عبيد الله بن زياد داخل المنطقة. ولكن المنعطف الكبير حدث بعد تعيين قتيبة بن مسلم الباهلي والياً على خراسان عام 705م حيث دخل بخارى فاتحاً عام 709م، وخوارزم وسمرقند عام 712م، وما أن حل عام 715م حتى خضعت المنطقة الممتدة حتى وادي فرغانة شرقاً للخلافة العربية الإسلامية.
ويفسر الباحثان الأوزبكيان المعاصران المرحوم بوري باي أحميدوف، وزاهد الله منواروف، سرعة الفتح الإسلامي وانتشار الدين الجديد في المنطقة، بالخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين الحكام المحليين، والاهتمام الكبير الذي أبداه القادة العرب المسلمين لأبناء المنطقة، بعد أن استقرت الأمور لصالحهم في خراسان. ويشيران إلى أن العرب "لعبوا دوراً تقدمياً في المنطقة، وغالباً ما كانوا يلجأون في تعاملهم مع سكان المنطقة إلى السبل السلمية، ويعفون من يعتنق الدين الإسلامي من الخراج والجزية". وينوهان إلى حقيقة هامة جداً، وهي أنه لا مجال لمقارنة الفتح العربي الإسلامي، بالغزو المغولي أو الروسي أو البلشفي. لأن الإسلام لعب دوراً إيجابياً أدى إلى توحيد المدن والدول والقبائل والشعوب المختلفة، وإلى تطوير العلاقات بين تلك الشعوب. إضافة للأثر الإيجابي الكبير الذي أضفاه الإسلام على العادات والتقاليد المحلية وحتى على أخلاق وسلوك الناس في المنطقة بأسرها، والذي تم بفضله القضاء على العيوب الاجتماعية الكثيرة التي كانت سائدة آنذاك. وأشارا أيضاً إلى الدور الهام الذي لعبته اللغة العربية قي تعريف شعوب آسيا المركزية وإطلاعهم على مؤلفات علماء اليونان القدامى، والمخترعات الصينية.
ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر الدور الكبير الذي لعبته شعوب آسيا المركزية في الحضارة الإسلامية، لأن أسماء أعلام إسلامية كثيرة من أبناء آسيا المركزية معروفة بشكل واسع، أمثال: عالم الفلك أحمد الفرغاني (توفي عام 850م)، وعالم الرياضيات محمد بن موسى الفرغاني (783م-850م)، والفيلسوف الكبير أبو نصر الفارابي (873م-950م)، والطبيب الموسوعي أبو علي حسين بن سبنا (980م-1037م)، والعالم الموسوعي أبي ريحان البيروني (973م-1048م)، والموسوعي فخر الدين الرازي، والنحوي والمحدث الكبير الزمخشري (1075م-1144م)، وإمام المحدثين أبو عبد الله إسماعيل البخاري (809م-869م)، من تراث يضم أكثر من عشرين مؤلفاً في علوم الحديث أشهرها الجامع الصحيح الذي يضم 7250 حديثاً نبوياً شريفاً، والسمرقندي (785م-868م)، والهمذاني (1048م-1140م) وغيرهم الكثيرين ممن كانوا يرتحلون بين مكة ودمشق وبغداد والبصرة والقاهرة طلباً للعلم.
وعبر مئات السنين استقرت في ما وراء النهر بعض الهجرات العربية، مما أدى إلى حدوث تفاعل واندماج كامل بين العرب وبين شعوب آسيا المركزية، وأدت تلك الهجرات إلى قيام تجمعات سكانية محلية من أصول عربية لم تزل موجودة حتى الآن في آسيا المركزية، ولم تزل حتى الآن تحتفظ بطابع حياتها المتميزة رغم فقدانها للغتها الأصلية.
ومن مطالعة المصادر التاريخية الكثيرة نلمس أن العلاقات العربية بشعوب المنطقة أخذت تضعف بالتدريج منذ الاجتياح المغولي للمنطقة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وما نتج عنه من قيام دولة مغولية في المنطقة أسهمت إلى حد كبير في إضعاف تأثير اللغة والثقافة العربية في ما وراء النهر. دون أن تتمكن الدولة المغولية من المساس سلباً بالثقافة الإسلامية، بسبب اعتناق المغول أنفسهم للدين الإسلامي الحنيف. واستمرت العلاقات بالضعف حتى بعد قيام الدولة التيمورية التي أسسها الأمير تيمور "تيمور لانك" (1336م-1405م) والتي امتدت حدودها على أنقاض الدولة المغولية لفترات معينة من ما وراء النهر إلى إيران وأفغانستان والقوقاز وبلاد الرافدين وبلاد الشام وشمال الهند. واتخذت تلك الدولة أيام ازدهارها من سمرقند عاصمة لها. وقامت جمهورية أوزبكستان المعاصرة على القسم المركزي منها، أو ما كان يعرف في مطلع القرن العشرين بتركستان.
وأدى تفكك الدولة التيمورية في تركستان إلى قيام ثلاث دول مستقلة في المنطقة هي: بخارى، وخيوة، وقوقند. وهو ما سهل الطريق أمام أطماع الإمبراطورية الروسية للتوسع في المنطقة. حيث قامت الإمبراطورية الروسية بعد أن أطبقت جيوشها الجرارة المزودة بأحدث الأسلحة آنذاك على المنطقة بأسرها، بقطع كل الصلات التي كانت تربط بين تركستان (التي أصبحت تعرف منذ ذلك الحين بتركستان الروسية) والعالمين العربي والإسلامي، وجاء الحكم الشيوعي السوفييتي للمنطقة في مطلع القرن العشرين ليشدد من قبضته الحديدية على المنطقة، لتقتصر العلاقات العربية مع دول المنطقة على العلاقات الرسمية التي كانت تمر عبر موسكو فقط. وكان من النادر جداً كما أشار الباحث الأوزبكي زاهد الله منواروف أن تتصل طشقند مباشرة بالعواصم العربية، لأن الاحتلال الروسي والبلشفي قضى على أية إمكانية يمكن أن تسمح بإقامة علاقات مباشرة بين جمهوريات آسيا المركزية والدول العربية. ويتابع أنه رغم ذلك فإن الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت العرب وأبناء المنطقة استمرت، وعلى أساسها قامت العلاقات العربية مع جمهوريات آسيا المركزية بعد الاستقلال.
ولذلك لم يكن غريباً أن قيل بأن العرب قد فوجئوا باستقلال جمهوريات آسيا المركزية في عام 1991. لأنهم كانوا أمام واقع الهيمنة السوفييتية على تلك الجمهوريات، إضافة لضعف علاقاتهم معها، ولم يكونوا ليتوقعوا أبداً استقلالها، ولهذا كان تقارب الدول العربية مع جمهوريات آسيا المركزية بطيئاً جداً في البداية. لأن الدول العربية كانت حريصة على استكشاف الطريق إلى المنطقة دون أن تؤثر علاقاتها المحتملة معها، على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي قبل انهياره المفاجئ، ومن ثم على العلاقات مع الاتحاد الروسي بعد استقلال الجمهوريات السوفييتية الخمس عشرة وقيام رابطة الدول المستقلة مكانه. خاصة وأنها رافقت فترة صعبة من التاريخ كان العرب فيها منشغلين بتداعيات حرب تحرير الكويت من الاجتياح العراقي، والحلول الدولية المنتظرة لقضية الشرق الأوسط والتمهيد لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.
ومع ذلك نرى أن كماً هائلاً من المؤتمرات والندوات قد انعقدت في العديد من الدول العربية بحثت كلها عن أفضل السبل لإقامة علاقات مع جمهوريات آسيا المركزية ولكنها لم تسفر عما كان منتظراً من تلك العلاقات. ورغم سرعة الدول العربية بالاعتراف الدبلوماسي باستقلال جمهوريات آسيا المركزية تلبية لقرار مجلس جامعة الدول العربية في آذار/مارس 1992، الذي حث الدول العربية على تنشيط الاتصالات بدول آسيا المركزية وفتح سفارات فيها، وإقامة تعاون معها في كل الميادين، وإقامة مراكز ثقافية عربية فيها، فإننا نرى أن بعض الدول العربية كمصر والأردن وفلسطين والجزائر والسعودية والكويت افتتحت سفارات لها في تلك الدول، وكانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي أقامت مركزين ثقافيين عربيين في المنطقة، بينما استمرت العلاقات الاقتصادية والسياسية ببطئها الشديد الذي لا تتجاوب والعلاقات التاريخية والمطلوبة في عصر العولمة وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العلاقات الدولية في عالم القطب الواحد.
وعند الحديث عن المصالح المشتركة، لا بد أن نشير إلى حقيقة تظهر واضحة نتيجة لأي عمليات بحث ومراجعة للبحوث والدراسات التي أجرتها مؤسسات البحث العلمي، ومراكز صنع القرار العربية ودول آسيا المركزية للموقف الجديد الذي تكون في المنطقة بعد استقلال جمهورياتها الخمس. وأظهرت أنه هناك شبكة من المصالح المشتركة التي تجمع بين دول آسيا المركزية والدول العربية. وأن هذه الشبكة من المصالح المشتركة تحتم على الجانبين بناء مجموعة من السياسات التي تضمن حماية تلك المصالح المشتركة. ونعتقد أنه لا بد من أن تعتمد الدول العربية في علاقاتها مع آسيا المركزية على:
أولاُ: التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهوريات آسيا المركزية، على ضوء التنافس الشديد بين القوى الإقليمية والعالمية المختلفة، للتأثير على نمط التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهوريات آسيا المركزية. وهو ما أسماه بعض المراقبين "بالمباراة الكبرى الجديدة"، تمييزاً لها عن المباراة الكبرى التي كانت قائمة في تركستان بين بريطانيا العظمى والإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وما سيترتب عن النتيجة النهائية لتلك المباراة الكبرى الجديدة من تأثير مباشر على آسيا المركزية والدول العربية في آن معاً، خاصة بعد تواجد قوات مسلحة أمريكية وروسية ومن حلف دول حلف الناتو على أراضي دول المنطقة. سيما وأن دول آسيا المركزية تقع في قلب المنطقة التي تربط آسيا بأوروبا، وأن ما يحدث فيها لابد وأن يؤثر بشكل ما على الأحداث الجارية في المنطقة العربية خاصة والشرق الأوسط عامة.
وقد تنبأ الباحث المصري إبراهيم عرفات بأن النزاعات الإقليمية في آسيا المركزية، أو نشوء سباق للتسلح فيها، أو إنشاء منطقة منزوعة السلاح النووي فيها، لابد وأن يكون له انعكاسات مباشرة على الأمة العربية، ومن ثم توقع أن يكون من مصلحة العرب أن تتبع دول آسيا المركزية منهجاً مستقلاً للتطور يعتمد على رؤية الشعب والنخبة الحاكمة للمصالح الوطنية، وألا تهيمن أية قوة إقليمية أو عالمية معينة على دول آسيا المركزية.
ثانياً: المصالح الاقتصادية وهي الأهم برأيينا لأننا إذا أخذنا في اعتبارنا الأهمية الكبيرة للموقع الإستراتيجي المتميز لآسيا المركزية وامتلاكها لكميات مهمة من الموارد الطبيعية والخبرات البشرية والتكنولوجية المتطورة. ونرى أنه يمكن على ضوئها أن تكون المنطقة الشريك المحتمل والمهم لاستثمارات عربية مشتركة في المنطقة، ويمكن أن تقوم على أساس الموارد المالية العربية، والثروات والقدرات والخبرات المتراكمة في آسيا المركزية، بحيث تسمح تلك الاستثمارات بتنويع البدائل الاقتصادية التقليدية بين الدول العربية ودول المنطقة، ومن خلالها الاستفادة من الخبرات والمقدرات العربية ومقدرات دول آسيا المركزية في آن معاً. وقد نوه بعض الباحثين العرب إلى ذلك عندما تنبؤا بأن تمثل الكتلة الاقتصادية الجديدة في حال قيامها، عمقاً حضارياً واستراتيجياً، لما تتمتع به جمهوريات آسيا المركزية من قدرات علمية وإستراتيجية مبشرة، إضافة للقدرات التسليحية الكبيرة عند بعضها. والمنحى الذي لا بد وأن يتخذه التنافس بين القوى في الجوار الإقليمي، والذي لابد وأن ينعكس على موازين القوى الإستراتيجية في آسيا المركزية وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها.
ثالثاُ: هناك مصالح إستراتيجية خاصة لأن جمهوريات آسيا المركزية تعمل على التكامل مع المجتمع الدولي منذ استقلالها، وأخذت بنتيجته تلعب دوراً بارزاً في المنطقة، وأخذت تسهم بقسطها في تسوية النزاعات الإقليمية، وخاصة الصراع الآخذ بالأفول على الأرض الأفغانية. إضافة لمبادرة رئيسها إسلام كريموف لإعلان آسيا المركزية منطقة منزوعة السلاح النووي. وقد بات من الواضح أن أوزبكستان تمثل القوة الأساسية في آسيا المركزية. وأن أية علاقات مع دول آسيا المركزية لابد وأن تمر عبر أوزبكستان بحكم دورها التاريخي والحضاري في العلاقات مع دول المنطقة.
رابعاً: على الدور الذي تلعبه دول المنطقة في إبراز الوجه المعتدل للإسلام في مواجهة حركات التطرف الديني الذي رافق استقلال جمهوريات آسيا المركزية، وأدى ظهور حركات دينية إسلامية متطرفة، هدفها الصدام مع النظم السياسية الدستورية القائمة، ومحاولة تغيير تلك الأنظمة بطرق غير ديمقراطية، عن طريق استخدام القوة والعنف المسلح لبلوغ الهدف الذي وضعته لنفسها. وأصبح معروفاً اليوم أن بعض تلك القوى والتيارات كانت مدعومة من قبل بعض القوى المتواجدة على الساحة الأفغانية، ومن بينها كانت عناصر عربية تعرف باسم "الأفغان العرب"، وتناقلت الأنباء أخبار الدور المدمر الذي لعبته تلك القوى في أفغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها. وهو ما يثبت فهمها الخاطئ للإسلام والشرع الإسلامي، وأدى انتشارها إلى دول الجوار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واستقلال جمهوريات آسيا المركزية، إلى تهديد الأمن السلام ليس في آسيا المركزية وحسب، بل وأمن وسلامة الشعوب العربية، وإلى تهديد مستقبل العلاقات العربية مع دول المنطقة أيضاً، وأثبتته أحداث 11/9/2001 في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من ردود أفعال على الصعيد المحلي والدولي، وخاصة القضاء على حكم طاليبان في أفغانستان، وحرب تحرير العراق من الطاغية صدام حسين. ومن هذا المنطلق كان من مصلحة العرب الحقيقية توضيح الوجه الحقيقي للإسلام أمام شعوب آسيا المركزية، عن طريق التعاون الوثيق مع الحكومات الشرعية لدول المنطقة، ونشر الثقافة الإسلامية الحقيقية بوجهها المتسامح والمعتدل من خلال العلاقات والروابط الثقافية العربية الأوزبكستانية. وهو ما تسعى إليه دول المنطقة نفسها، والنشاطات التي تقوم بها هيئة الإغاثة الإسلامية الكويتية في آسيا المركزية خير مثال على ذلك.
ويرى المحللون أن لدول آسيا المركزية مصالح مع الدول العربية لا تقل عن مصالح الدول العربية مع دول آسيا المركزية. ومن نظرة متعمقة في السياسية الخارجية لدول المنطقة فإننا نرى أن القيادات السياسية في تلك الدول قد توصلت لجملة من المصالح المهمة تجعلها تلتقي مع الدول العربية منها أن الدول العربية تعتبر ميداناً لتنويع البدائل في سياستها الخارجية، لأنه على ضوء التنافس الدولي حول آسيا المركزية، يظهر ما للدول العربية من أهمية كامتداد حضاري وثقافي وجغرافي قريب ووثيق الصلة بالمنطقة التي تتمتع كما سبق وأشرنا بإمكانيات اقتصادية هائلة كمصدر للاستثمارات وللبضائع الاستهلاكية، وكسوق لليد العاملة والتكنولوجيا والمنتجات الصناعية والزراعية المحلية. فضلاً عن أنه ليس للعرب أية تطلعات إقليمية أو سياسية في آسيا المركزية.
ومن هذا المنطلق فإن علاقات التعاون القوية مع الدول العربية تحقق لدول آسيا المركزية مصلحة جوهرية في توسيع بدائلها المتاحة لرسم سياسة خارجية مستقلة تحقق لها علاقات دولية متوازنة ومستقرة، تضمن مصالحها الوطنية، وتخلق لها مجالاً استراتيجيا جديداً يمكنها من خلال دعم المجموعة العربية من التعامل على قدم المساواة مع القوى الأخرى في العالم، تراعى فيه أيضاُ مصالح المجموعة العربية. ومن المؤكد أنه كلما زادت البدائل المتاحة أمام دول آسيا المركزية في العلاقات الدولية، كلما زادت قدرتها على الحركة في مجال العلاقات الدولية، بشكل يؤمن لها أفضل الشروط في التعامل مع الشركاء الدوليين.
والدول العربية وخاصة الخليجية كمجموعة تشكل قوة اقتصادية ومالية تستطيع أن تقيم استثمارات رابحة في آسيا المركزية، تمكنها في نفس الوقت من استغلال مواردها بشكل فعال. إضافة لامتلاك بعض الدول العربية للخبرات الفنية اللازمة لدول المنطقة لإتمام عملية بناء الدولة الفتية، وبالذات خلال مرحلة التحول الاقتصادي إلى اقتصاد السوق، والمستمرة حتى الآن، وما يترتب عنها من بناء نظم اقتصادية ومصرفية، إضافة لفرص التدريب التي يمكن أن تتيحها دول آسيا المركزية وبعض الدول العربية لبعضها البعض في مجال إعداد الكوادر في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والزراعية.
والتعاون يمكن أن يأخذ شكل التعاون بين المنظمات الإقليمية، كـ "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، و"منظمة آسيا المركزية للتعاون"، التي أسست بمبادرة من الرئيس الأوزبكستاني إسلام كريموف وعقدت اجتماعها التأسيسي بمشاركة قادة دول آسيا المركزية في طشقند يوم 28/12/2001، والذي سبقته لقاءات ثنائية بين الزعماء الأوزبكستاني إسلام كريموف، والقرغيزستاني عسكر أكاييف، والقازاقستاني نور سلطان نازارباييف، والطاجكستاني إمام علي رحمانوف، بحثت خلالها مواضيع تتعلق بسبل تطوير العلاقات الثنائية، وتبادل الآراء حول مسائل التعاون الجماعي المتعدد الجوانب المشترك، وتوفير الاستقرار والأمن في المنطقة.
وأشار إليه البيان الختامي للقاء إلى: أن "قادة الدول بهدف التحريك اللاحق وتكامل الحوار السياسي، وتكامل أشكال وآليات التكامل الاقتصادي في المنطقة، وتعميق التفاهم المشترك حول مسائل تشكيل المجال الموحد للأمن، والقيام بأعمال مشتركة لدعم السلام والاستقرار في المنطقة، وتحريك التعاون الشامل في المجالات السياسية، والتجارية والاقتصادية، والعلمية والتقنية، والثقافية والإنسانية قرروا تحويل "المجلس الاقتصادي لآسيا المركزية" إلى "منظمة آسيا المركزية للتعاون".
وأنهم اتفقوا أيضاً على تقديم المزيد من التسهيلات لتعزيز التعاون الاقتصادي بين دولهم، وتقديم الدعم اللازم لرجال الأعمال القادمين من الدول الأخرى في المنطقة. وأعلنوا عن نيتهم إقامة اتحادات إنتاجية بين الدول المعنية، وتشجيع الشراكة بين المؤسسات الاقتصادية، واستخدام طرق النقل والمواصلات، وموارد الماء والطاقة، وحماية البيئة، ومواجهة خطر الكوارث الطبيعية، وأشار البيان الختامي إليها عندما أكد على أهمية تعزيز العمل المشترك لإنشاء بنية تحتية مشتركة، وبالدرجة الأولى وضع نظم موحدة للنقل والطاقة بهدف الخروج إلى الأسواق العالمية التي تعتبر واحدة من الاتجاهات الهامة للتعاون المشترك. وإلى ضرورة تطبيق الاتفاقيات التي تم التوصل إليها سابقاً بين دول المنطقة في مجال النقل البري وبالسكك الحديدية الدولية، وتحديد الاتجاهات المحددة للتعاون المستقبلي من أجل رفع فاعلية وظيفة نظم النقل والمواصلات عبر الطريق التي تربط بين أوروبا والقوقاز وآسيا. واعترف القادة في مؤتمرهم الصحفي بأهمية التشاور في مجال سياسة التعرفات على جميع وسائل النقل. خاصة وأن تلك الدول تنتظر افتتاح الطريق البرية عبر أفغانستان التي توصلهم إلى شواطئ بحر العرب والمحيط الهندي.
وحول مشاكل اقتسام الموارد المائية التي تعاني منها المنطقة منذ استقلالها وحتى اليوم، اتفق القادة في بيانهم على العمل المشترك لترشيد عملية استخدام المنشآت المائية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية في آسيا المركزية وفقاً للقواعد الدولية المعترف بها، لاستخدام الموارد المائية والكهربائية المتوفرة في دول المنطقة من أجل رفاهية شعوبها، وأسند القادة مهمة الإسراع في عملية تطوير آلية استخدام شبكات المياه المتداخلة بينها لحكومات بلادهم، بما فيها اقتراح إقامة رابطة لمستخدمي المياه، وإدارة للنقل والطاقة.
وأشار القادة إلى ضعف مستوى العلاقات الثقافية بين دول المنطقة التي تملك شعوبها ثقافة واحدة. وعبروا عن ضرورة توسيع وتعميق العمل المشترك في المجالات الثقافية والإنسانية، كعامل هام لتعزيز التعاون وحسن الجوار بين شعوب آسيا المركزية.
وأشار القادة في مؤتمرهم الصحفي إلى أنهم فد اتفقوا حول بعض المقترحات لتطوير الشراكة والتعاون في المجال العسكري والتقني وتوسيع التعاون في مجال المعلومات، وأشاروا إلى أنه من الأفضل لو تم التوسع بالاتفاقية التي وقعتها خلال الفترة الأخيرة كلاً من أوزبكستان وطاجكستان حول التعاون في البث المشترك للبرامج التلفزيونية لتشمل كلاً من قازاقستان، وقرغيزستان.
كما وعبر القادة في مؤتمرهم الصحفي عن أهمية توفير الأمن والاستقرار للمنطقة، مؤكدين على أنهم سيتخذون كل الإجراءات الضرورية والمشتركة في إطار اتفاقية التعاون المشترك الموقعة بين الأطراف بتاريخ 21/4/2000، وغيرها من الاتفاقيات، لتحقيق هذا الهدف والعمل على مكافحة الإرهاب، والتطرف السياسي والديني، والجريمة الدولية المنظمة، وغيرها من التهديدات التي تطال الاستقرار والأمن. والتعاون مع المجتمع الدولي من أجل إقامة نظام شامل لمكافحة الإرهاب الدولي، والتطرف، والمخدرات وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة.
وليس سراً أن العلاقات العربية بدول آسيا المركزية في الوقت الحاضر تتميز بالفتور الشديد، وتعود الأسباب لغياب أي تعاون اقتصادي أو سياسي أو أمني أو ثقافي جدي بين الدول العربية ودول المنطقة بعد استقلالها في عام 1991 وحتى الآن. إضافة لتصاعد التعاون الثنائي في كافة المجالات تقريباً مع إسرائيل، التي زار رؤساء وزاراتها (من رابين إلى بيرز إلى باراك إلى شارون) جميعهم دول آسيا المركزية منذ تبادل العلاقات الدبلوماسية معها وحتى اليوم.
وباعتقادنا يمكن تحسين العلاقات الخليجية العربية عن طريق قيام بعض القادة العرب بزيارة دول المنطقة، رداً على زيارات قادة تلك الدول إلى الدول العربية، لاتخاذ خطوات جدية لتحسين العلاقات الثنائية وتوقيع اتفاقيات وتفعيلها في المجالات التالية: انتقال رؤوس الأموال، وضمان السيولة المالية، ومنع الازدواج الضريبي؛ و النقل الجوي والبري وعن طريق السكك الحديدية لضمان التواصل بين الدول الموقعة كون دول المنطقة هي دول حبيسة لا مخرج لها على البحار المفتوحة والمحيطات؛ و تشجيع توظيف رؤوس الأموال، وإقامة المشاريع الاستثمارية المشتركة تحت إشراف وضمان الدولة؛ و التعاون الأمني؛ و التعاون والتبادل الإعلامي. لمواجهة الحملة المعادية للعرب والمسلمين التي تشنها منذ عدة سنوات المحطات التلفزيونية العاملة من موسكو وتبث باللغة الروسية، وتشاهد بشكل واسع في دول آسيا المركزية؛ والتعاون العلمي والثقافي.

هناك تعليق واحد: