الثلاثاء، 26 يناير، 2010

مساعي الدبلوماسية الأزبكستانية لمواجهة أعراض الأزمة الأفغانية

مساعي الدبلوماسية الأزبكستانية لمواجهة أعراض الأزمة الأفغانية
كتبها أ.د. محمد البخاري: مستشار رئيس معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وأستاذ مساعد بقسم العلاقات الدولية بالمعهد. بتاريخ 1/10/2001.
كانت أوزبكستان صاحبة السبق في المبادرات العديدة، التي تناولت القضية الأفغانية بقصد حل عقدتها المستعصية، منذ استقلالها وحتى اليوم. ولاغرابة في ذلك، لأن أوزبكستان كانت الممر البري الرئيسي لقوات التدخل السوفييتية، في دخولها للأراضي الأفغانية قبل عشرين عاماً، وفي خروجها منها قبل إنهيار الإتحاد السوفييتي السابق، وكانت أفغانستان ملجأ للكثيرين من أبناء المنطقة عبر مراحل الإحتلال الروسي، وملاذاً لأمير بخارى وبقايا جيشه، بعد احتلالها في 2/9/1920 وسقوط آخر الإمارات المستقلة التي كانت ترتبط بعلاقات أخوة وحسن جوار معها، في ماكان يعرف بتركستان الروسية بقبضة القوات البلشفية، بقيادة الجنرال البلشفي ميخائيل فرونزة.
وكانت أوزبكستان أيضاً من بين الجمهوريات السوفييتية السابقة الأكثر تضرراً بشرياً ومادياً ومعنوياً من حرب التدخل السوفييتي الدامية قبل عقدين من الزمن، ولم تزل آثارها ماثلة للعيان حتى اليوم. نضيف إلى ذلك حوالي الثلاثة ملايين من المواطنين الأفغان الأوزبك القاطنين في المناطق الشمالية من أفغانستان متعددة الطوائف والقوميات.
وكل تلك المعطيات لايمكن أن تدع الحكومة الأوزبكستانية بعد الإستقلال، تقف موقف المتفرج حيال ما يجري على الأرض الأفغانية الملتهبة، تحسباً من انتقال أعراض الأوضاع الملتهبة على الأرض الأفغانية إلى داخل أراضيها. وهو ماحدث فعلاً منذ ثمان سنوات في طاجكستان المجاورة لأفغانستان، والتي تشترك معها في المعطيات آنفة الذكر أيضاً.
وقد أثبتت الوقائع صحة التوقعات الأوزبكستانية أكثر من مرة في الأحداث المتفرقة التي حدثت على أراضيها، وكان آخرها تفجيرات 16/2/1999 في العاصمة طشقند التي نفذها متطرفون إسلاميون. وأثبتت المحاكمات العلنية التي جرت للمتهمين فيها، ضلوع بعض الجهات المتواجدة في أفغانستان والدول المجاورة والقريبة من أوزبكستان وفي بعض الدول العربية، إما بمساندة أو بتمويل الحركة الإسلامية المتطرفة في أوزبكستان، وهي المتهم الأول بما جرى، ويجري ليس في أوزبكستان وحدها، بل وفي تطلعها لتوسيع نشاطها إلى قرغزستان وقازاقستان ودول آسيا المركزية الأخرى، انطلاقاً من الأراضي الأفغانية والطاجيكية، وفق الأنباء التي نشرت عن التحقيقات التي جرت قبل وأثناء محاكمة وإدانة المتهمين. وهذا طبعاً لايمكن أن لايوتر ويعيق العلاقات الودية بين تلك الدول والحكومة الأوزبكستانية !
وبالفعل بادر إسلام كريموف رئيس جمهورية أوزبكستان ومن عام 1993 أي مع باكورة الإستقلال إلى لفت أنظار العالم نحو تلك الفاجعة المستمرة على الأرض الأفغانية، من على منبر الدورة الـ 48 لمنظمة الأمم المتحدة. وعاود وطرح القضية من جديد خلال الدورة الـ 50 للمنظمة في عام 1995، وقدم مقترحات محددة يمكن أن تساعد في حل تلك العقدة المستعصية في أفغانستان، منبها الرأي العام العالمي إلى ضرورة منع تزويد الأطراف المتنازعة بالسلاح، وخطورة الأوضاع في أفغانستان على الأمن ليس في المنطقة المحيطة بأفغانستان وحدها، بل وعلى مستقبل الأمن والإستقرار العالمي، بسبب إزدهار تهريب المخدرات والسلاح، وانتشار الإرهاب والتطرف الديني إلى الدول المجاورة لها، وهو ما أثبتته الوقائع الجارية في المنطقة وأنحاء متفرقة من العالم. وأشار إليها البيان الختامي للقاء طشقند الذي شارك فيه ممثليين عن القوتين الرئيسيتين على الساحة الأفغانية. وهي نفس الأسباب التي دعت الرئيس الأوزبكستاني في حزيران/يونيو الماضي لتوجيه النقد إلى الأسلوب الذي تتعامل به مع تلك المشاكل، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، التي انضمت إليها أوزبكستان مع بقية دول آسيا المركزية منذ سبع سنوات مضت.
وكان آخر المبادرات الإيجابية التي قدمها الرئيس الأوزبكستاني لحل القضية الأفغانية، مبادرة عام 1997، التي دعى فيها إلى إنشاء مجموعة للتنسيق تضم الدول الست المحيطة بأفغانستان، بالإضافة للولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والتي عرفت باسم مجموعة " 6+2 ". وبالفعل عقدت المجموعة أولى جلساتها في نيويورك في 16/10/1997. وتوجت اللقاءآت، باللقاء الأخير للمجموعة الذي عقد في العاصمة الأوزبكستانية طشقند ضمن الجهود الدولية لحل الأزمة المستعصية، وبمشاركة طرفي الصراع على الأرض الأفغانية، والأخضر الإبراهيمي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، الذي أشار في المؤتمر الصحفي الذي عقد إثر التوقيع على بيان طشقند للمبادئ الأساسية لحل القضية الأفغانية، إلى الأهمية الخاصة للقاء طشقند الذي شارك فيه وللمرة الأولى ممثلين عن الجهتين الرئيسيتين المعنيتين في الصراع الدامي الجاري على الأرض الأفغانية، وهي: حركة "طاليبان"، والجبهة المتحدة. معتبراً بيان طشقند خطوة هامة على طريق إحلال السلام في أفغانستان. وقال: أن البيان جاء نتيجة لجهود طويلة قامت بها المجموعة في البحث عن المبادئ الأساسية لإحلال السلام على الأرض الأفغانية، تمكنت من خلالها مجموعة "6+2" من توحيد مواقف المشاركين فيها، ولو أنها لاتعتبر الهدف الأخير، فهي أساس لمتابعة المفاوضات بين أعضاء مجموعة "6+2"، وبين الأطراف المتنازعة على الأرض الأفغانية، حركة "طاليبان"، والجبهة المتحدة، اللتان أكد ممثليهما في المؤتمر الصحفي عن استعدادهما لمتابعة المفاوضات.
وتراوحت المواقف الأمريكية والروسية من البيان الذي وقعتاه إلى جانب ممثلي حكومات الصين، وإيران، وباكستان، وطاجكستان، وأوزبكستان، وكمراقب ممثل منظمة الأمم المتحدة، بين التفاؤل والحذر. فقد اعتبر رئيس الوفد الأمريكي كارل إندرفورس، في تصريح له لمراسل وكالة الأنباء الأوزبكستانية الرسمية، بأن لقاء طشقند أكبر ملتقى دولي لحل القضية الأفغانية، هدفه جمع الأطراف المتصارعة خلف مائدة المفاوضات أولاً ( وهو ماحدث فعلاً في طشقند )، وتهيئة السبل لتشكيل حكومة وحدة وطنية في أفغانستان.
بينما جاء الموقف الروسي على لسان نائب وزير الخارجية فاسيلي سريدين، الذي اعتبر الأوضاع في أفغانستان متفجرة للغاية ! ودعى لاتخاذ إجراءآت لمنع تطور الأحداث فيها إلى الصدام المسلح. وقال: أن على الأطراف الأفغانية الآن أن تأخذ في حسابها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد الجهود التي بذلتها مجوعة 6+2 لتحديد المواقف.
ولكن الرد الحقيقي على كل التساؤالات التي يمكن أن تطرح في المستقبل، هو إلى أي مدى ستلتزم حركة "طاليبان" التي تسيطر على 85 % من الأراضي الأفغانية، بما أعلنه ممثلها في لقاء طشقند أمير خان متقي عن نية الحركة تحسين الأوضاع في أفغانستان واستعدادها للتفاوض مع المعارضة، ومدى الجدية التي ستتعامل بها الحركة مع ماجاء من مطالب في بيان طشقند لحل القضية الأفغانية بصورة عادلة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل فئات الشعب الأفغاني الذي أقضت مضاجعه تلك الحرب المدمرة، حكومة تقيم علاقات تعاون وحسن جوار مع جيرانها من الدول، وهي نفسها تقريباً ماتطالب به المعارضة الأفغانية أيضاً.
ولتجني أوزبكستان أخيراً ثمار مبادراتها، وتدعم هدوئها وطمأنينتها وإستقرارها، الذي تتمناه لجارتها أفغانستان، ولتعود علاقات حسن الجوار إلى ماضي عهدها، وتعود الطرق التجارية البرية التقليدية التي كانت تربط أوزبكستان في الماضي عبر الأراضي الأفغانية بباكستان والهند والموانئ البحرية على المحيط الهندي وبحر العرب منذ الأزل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق