السبت، 30 يناير، 2010

آفاق التعاون العربي الأوزبكستاني

آفاق التعاون العربي الأوزبكستاني
كتبها أ.د. محمد البخاري: عربي سوري مقيم في أوزبكستان، ويعمل مستشاراً لرئيس جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية في العلاقات الدولية، وعضواً في هيئة التدريس بقسم العلاقات الدولية، بكلية العلاقات الدولية والاقتصاد. بتاريخ 17/8/2002. ونشرت في العدد رقم 42 نوفمبر 2002 من مجلة تجارة الرياض.
للعلاقات العربية الأوزبكية جذوراً تاريخية مشتركة تعود لبدايات الفتوحات العربية الإسلامية في منتصف القرن السابع الميلادي، عندما ضمت منطقة ما وراء النهر إلى الخلافة العربية الإسلامية في العهد الأموي. ولكن هذا لا ينفي أن العلاقات التجارية والسياسية والثقافية بين العرب وشعوب آسيا المركزية كانت قائمة قبل الفتوحات الإسلامية بوقت طويل، خاصة مع بلاد الشام والرافدين. ولكن الذي حدث مع مطلع القرن الثامن الميلادي أنهم أصبحوا معاً داخل دولة واحدة امتدت حدودها في وقت ما من المحيط الأطلسي غرباً إلى أسوار الصين شرقاً.
ويحمل التاريخ حقائق كثيرة عن توجه جيوش الفتح الإسلامي العربية شرقاً عام 633م، بعد سيطرتها على الدولة الساسانية في فارس، منطلقة منها لنشر الدعوة الإسلامية في ما وراء النهر. واعتبارا من عام 674م انتشرت جيوش الفتح الإسلامي بقيادة عبيد الله بن زياد داخل المنطقة. ولكن المنعطف الكبير حدث بعد تعيين قتيبة بن مسلم الباهلي والياً على خراسان عام 705م حيث دخل بخارى فاتحاً عام 709م، وخوارزم وسمرقند عام 712م، وما أن حل عام 715م حتى خضعت المنطقة الممتدة حتى وادي فرغانة شرقاً للخلافة العربية الإسلامية.
ويفسر الباحثان الأوزبكيان المعاصران بوري باي أحميدوف، وزاهد الله منواروف، أسباب سرعة إنجاز الفتح الإسلامي وانتشار الدين الجديد في المنطقة، بالخلافات التي كانت قائمة آنذاك بين الحكام المحليين، والاهتمام الكبير الذي أبداه القادة العرب المسلمين بالمنطقة، بعد أن استقرت الأمور لصالحهم في خراسان. ويشيران إلى أن العرب "لعبوا دوراً تقدمياً في المنطقة، وغالباً ما كانوا يلجأون في تعاملهم مع سكان المنطقة إلى السبل السلمية، ويعفون من يعتنق الدين الإسلامي من الخراج والجزية". وينوهان إلى حقيقة هامة جداً، وهي أنه لا مجال لمقارنة الفتح العربي الإسلامي، بالغزو المغولي أو الروسي أو البلشفي. لأن الإسلام لعب دوراً إيجابياً أدى إلى توحيد المدن والدول والقبائل والشعوب المختلفة، وإلى تطوير العلاقات بين تلك الشعوب. إضافة للأثر الإيجابي الكبير الذي أضفاه الإسلام على العادات والتقاليد المحلية وحتى على أخلاق وسلوك الناس في المنطقة بأسرها، والذي تم بفضله القضاء على العيوب الاجتماعية الكثيرة التي كانت سائدة آنذاك. وأشارا أيضاً إلى الدور الهام الذي لعبته اللغة العربية قي تعريف شعوب آسيا المركزية وإطلاعهم على مؤلفات علماء اليونان القدامى، والمخترعات الصينية.
ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر الدور الكبير الذي لعبته شعوب آسيا المركزية، وخاصة الأوزبك في تطوير الثقافة العربية الإسلامية وإسهامهم في تطوير الحضارة الإنسانية في القرون الوسطى. لأن أسماء الأعلام الإسلامية الكثيرة من أبناء شعوب آسيا المركزية معروفة، أمثال: عالم الفلك أحمد الفرغاني (توفي عام 850م)، وعالم الرياضيات محمد بن موسى الفرغاني (783م-850م)، والفيلسوف الكبير أبو نصر الفارابي (873م-950م)، والطبيب الموسوعي أبو علي حسين بن سبنا (980م-1037م)، والعالم الموسوعي أبي ريحان البيروني (973م-1048م)، والموسوعي فخر الدين الرازي، والنحوي والمحدث الكبير الزمخشري (1075م-1144م)، وشيخ المحدثين الإمام البخاري، وغيرهم الكثيرين.
وفي ما يخص إسهام العلماء الأوزبك في الحضارة العربية الإسلامية والعالمية الذي استمر لقرون طيلة، ولم تزل أثاره ماثلة للعيون حتى الآن. وهم الذين ارتحلوا من ما وراء النهر طلباً للعلم متنقلين مابين دمشق وبغداد والبصرة والقاهرة. وخير مثال على ذلك ما خلفه إمام المحدثين أبو عبد الله إسماعيل البخاري (809م-869م)، من تراث يضم أكثر من عشرين مؤلفاً في علوم الحديث أشهرها الجامع الصحيح الذي يضم 7250 حديثاً نبوياً شريفاً. وما خلفه غيره من علماء الحديث الشريف أمثال: السمرقندي (785م-868م)، والهمذاني 1048م-1140م).
وعبر مئات السنين استقرت في ما وراء النهر بعض الهجرات العربية، مما أدى إلى حدوث تفاعل واندماج كامل بين العرب وبين شعوب آسيا المركزية، وأدت تلك الهجرات إلى قيام تجمعات سكانية محلية من أصول عربية لم تزل موجودة حتى الآن وخاصة في ولايات بخارى، وسمرقند، وقشقاداريا، وسورخان داريا في جمهورية أوزبكستان، ولم تزل حتى الآن تحتفظ بطابع حياتها المتميزة رغم فقدانها للغتها الأصلية.
ومن مطالعة المصادر التاريخية الكثيرة نلمس أن العلاقات العربية بشعوب المنطقة أخذت تضعف بالتدريج منذ الاجتياح المغولي للمنطقة خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وما نتج عنه من قيام دولة مغولية في المنطقة أسهمت إلى حد كبير في إضعاف تأثير اللغة والثقافة العربية في ما وراء النهر. دون أن تتمكن الدولة المغولية من المساس سلباً بالثقافة الإسلامية، بسبب اعتناق المغول أنفسهم للدين الإسلامي الحنيف. واستمرت العلاقات بالضعف حتى بعد قيام الدولة التيمورية التي أسسها الأمير تيمور "تيمور لانك" (1336م-1405م) والتي امتدت حدودها على أنقاض الدولة المغولية لفترات معينة من ما وراء النهر إلى إيران وأفغانستان والقوقاز وبلاد الرافدين وبلاد الشام وشمال الهند. واتخذت تلك الدولة أيام ازدهارها من سمرقند عاصمة لها. وقامت جمهورية أوزبكستان المعاصرة على القسم المركزي منها، أو وسط ما كان يعرف في مطلع القرن العشرين بتركستان الروسية.
وأدى تفكك الدولة التيمورية في تركستان إلى قيام ثلاث دول مستقلة في المنطقة هي: بخارى، وخيوة، وقوقند. وهو ما سهل الطريق أمام أطماع الإمبراطورية الروسية للتوسع في المنطقة. حيث قامت الإمبراطورية الروسية بعد أن أطبقت جيوشها الجرارة المزودة بأحدث الأسلحة آنذاك على المنطقة بأسرها، بقطع كل الصلات التي كانت تربط بين تركستان (التي أصبحت تعرف منذ ذلك الحين بتركستان الروسية) والعالمين العربي والإسلامي، وجاء الحكم الشيوعي السوفييتي للمنطقة في مطلع القرن العشرين ليشدد من قبضته الحديدية على المنطقة، لتقتصر العلاقات العربية مع دول المنطقة على العلاقات الرسمية التي كانت تمر عبر موسكو فقط. وكان من النادر جداً كما أشار الباحث الأوزبكي زاهد الله منواروف أن تتصل طشقند مباشرة بالعواصم العربية، لأن الاحتلال الروسي والبلشفي قضى على أية إمكانية يمكن أن تسمح بإقامة علاقات مباشرة بين أوزبكستان والدول العربية. ويتابع أنه رغم ذلك فإن الروابط الثقافية والحضارية التي جمعت العرب والأوزبك استمرت، وعلى أساسها قامت العلاقات العربية الأوزبكستانية بعد الاستقلال.
ولذلك لم يكن غريباً أن قيل بأن العرب قد فوجئوا باستقلال جمهورية أوزبكستان في سبتمبر/أيلول عام 1991. لأنهم كانوا أمام واقع الهيمنة السوفييتية على جمهورية أوزبكستان، إضافة لضعف علاقاتهم معها، ولم يكونوا ليتوقعوا أبداً استقلالها، ولهذا كان تقارب الدول العربية مع أوزبكستان بطيئاً جداً في البداية. لأن الدول العربية كانت حريصة على استكشاف الطريق إلى أوزبكستان دون أن تؤثر علاقاتها المحتملة معها، على العلاقات مع الاتحاد السوفييتي قبل انهياره المفاجئ، ومن ثم على العلاقات مع الاتحاد الروسي بعد استقلال الجمهوريات السوفييتية الخمس عشرة وقيام رابطة الدول المستقلة مكانه. خاصة وأنها رافقت فترة صعبة من التاريخ كان العرب فيها منشغلين بتداعيات حرب تحرير الكويت من الاجتياح العراقي، والحلول الدولية المنتظرة لقضية الشرق الأوسط والتمهيد لانعقاد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط.
ومع ذلك نرى أن كماً هائلاً من المؤتمرات والندوات قد انعقدت في العديد من الدول العربية بحثت كلها عن أفضل السبل لإقامة علاقات مع جمهوريات آسيا المركزية ومنها طبعاً أوزبكستان، ولكنها لم تسفر عما كان منتظراً من تلك العلاقات. ورغم سرعة الدول العربية بالاعتراف الدبلوماسي باستقلال جمهورية أوزبكستان، تلبية لقرار مجلس جامعة الدول العربية في آذار/مارس 1992، الذي حث الدول العربية على تنشيط الاتصالات بدول آسيا المركزية وفتح سفارات فيها، وإقامة تعاون معها في كل الميادين، وإقامة مراكز ثقافية عربية فيها، فإننا نرى أن مصر والأردن وفلسطين والجزائر والسعودية والكويت فقط افتتحت سفارات لها في العاصمة طشقند، وكانت مصر الدولة العربية الوحيدة التي أقامت مركزاً ثقافياً عربياً في أوزبكستان، بينما لم تفتح أية دولة عربية مركزاً للاستثمار وللدراسات المالية والاقتصادية والقانونية الذي يعتبر وجوده أمراً مهماً لتنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية، ولهذا استمرت العلاقات الاقتصادية والسياسية ببطئها الشديد الذي لا تتجاوب والعلاقات التاريخية، والعلاقات الاقتصادية المطلوبة في عصر العولمة الذي تتصدره الولايات المتحدة الأمريكية وتهيمن من خلاله على العلاقات الدولية في عالم القطب الواحد.
وعند الحديث عن المصالح الأوزبكستانية العربية المشتركة، لا بد أن نشير إلى حقيقة تظهر واضحة نتيجة لأي عمليات بحث ومراجعة للبحوث والدراسات التي أجرتها مؤسسات البحث العلمي، ومراكز صنع القرار العربية والأوزبكستانية للموقف الجديد الذي تكون في آسيا المركزية بعد استقلال جمهورياتها الخمس. وأظهرت شبكة المصالح المشتركة التي تجمع بين أوزبكستان والدول العربية. وأن هذه الشبكة من المصالح المشتركة تحتم على الجانبين بناء مجموعة من السياسات التي تضمن حماية تلك المصالح المشتركة. ونعتقد أنه لا بد من أن تعتمد الدول العربية في علاقاتها مع أوزبكستان على:
أولاُ: التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهورية أوزبكستان، لأنه بدا واضحاً بعد استقلال جمهوريات آسيا المركزية، أنه هناك تنافساً شديداً بين القوى الإقليمية والعالمية المختلفة، للتأثير على نمط التطور الاقتصادي والسياسي المستقل لجمهوريات آسيا المركزية. وهو ما أسماه بعض المراقبين "بالمباراة الكبرى الجديدة"، تمييزاً لها عن المباراة الكبرى التي كانت قائمة في تركستان بين بريطانيا العظمى والإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وما سيترتب عن النتيجة النهائية لتلك المباراة الكبرى الجديدة من تأثير مباشر على آسيا المركزية والدول العربية في آن معاً. سيما وأن أوزبكستان تقع في قلب المنطقة التي تربط آسيا بأوروبا، وأن ما يحدث فيها لابد وأن يؤثر بشكل ما على الأحداث الجارية في المنطقة العربية خاصة والشرق الأوسط عامة.
وقد تنبأ الباحث المصري إبراهيم عرفات بأن النزاعات الإقليمية في آسيا المركزية، أو نشوء سباق للتسلح فيها، أو إنشاء منطقة منزوعة السلاح النووي فيها، لابد وأن يكون له انعكاسات مباشرة على الأمة العربية، ومن ثم توقع أن يكون من مصلحة العرب أن تتبع دول آسيا المركزية وفي مقدمتها أوزبكستان منهجاً مستقلاً للتطور يعتمد على رؤية الشعب والنخبة الحاكمة للمصالح الوطنية، وألا تهيمن أية قوة إقليمية أو عالمية معينة على دول آسيا المركزية.
ثانياً: المصالح الاقتصادية وهي الأهم برأيينا لأننا إذا أخذنا في اعتبارنا الأهمية الكبيرة للموقع الإستراتيجي المتميز لأوزبكستان وامتلاكها لكميات مهمة من الموارد الطبيعية والخبرات البشرية والتكنولوجية المتطورة. نرى أن أوزبكستان على ضوئها يمكن أن تكون الشريك المحتمل والمهم لاستثمارات مشتركة عربية أوزبكستانية، يمكن أن تقوم على أساس الموارد المالية العربية، والثروات والقدرات والخبرات الأوزبكستانية، بحيث تسمح تلك الاستثمارات بتنويع البدائل الاقتصادية التقليدية بين الدول العربية وأوزبكستان، ومن خلالها الاستفادة من الخبرات والمقدرات العربية والأوزبكستانية في آن معاً. وقد نوه بعض الباحثين العرب إلى ذلك عندما تنبؤا بأن تمثل الكتلة الاقتصادية الجديدة في حال قيامها، عمقاً حضارياً واستراتيجياً، لما تتمتع به جمهوريات آسيا المركزية من قدرات علمية وإستراتيجية مبشرة، إضافة للقدرات التسليحية الكبيرة عند بعضها. والمنحى الذي لا بد وأن يتخذه التنافس بين القوى في الجوار الإقليمي (روسيا، والصين، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وإيران، وباكستان، والهند، وإسرائيل)، والذي لابد وأن ينعكس على موازين القوى الإستراتيجية في آسيا المركزية وفي منطقة الشرق الأوسط بكاملها.
ثالثاُ: هناك مصالح إستراتيجية خاصة لأن أوزبكستان تعمل على التكامل مع المجتمع الدولي منذ استقلالها، وأخذت بنتيجته تلعب دوراً بارزاً في آسيا المركزية، وأخذت تسهم بقسطها في تسوية النزاعات الإقليمية، وخاصة الصراع الدائر على الأرض الأفغانية. إضافة لمبادرة رئيسها إسلام كريموف لإعلان آسيا المركزية منطقة منزوعة السلاح النووي. وقد بات من الواضح أن أوزبكستان تمثل القوة الأساسية في آسيا المركزية. وأن أية علاقات مع دول آسيا المركزية لابد وأن تمر عبر أوزبكستان بحكم دورها التاريخي والحضاري في العلاقات مع دول المنطقة.
رابعاً: على الدور الذي تلعبه أوزبكستان في إبراز الوجه المعتدل للإسلام في مواجهة حركات التطرف الديني الذي رافق استقلال جمهوريات آسيا المركزية، وأدى ظهور حركات دينية إسلامية متطرفة، هدفها الصدام مع النظم السياسية الدستورية القائمة، ومحاولة تغيير تلك الأنظمة بطرق غير ديمقراطية، عن طريق استخدام القوة والعنف المسلح لبلوغ الهدف الذي وضعته لنفسها. وقد أشار إليها الرئيس إسلام كريموف عندما حدد مصادر تهديد الأمن والاستقرار في أوزبكستان. وأصبح معروفاً اليوم أن بعض تلك القوى والتيارات كانت مدعومة من قبل بعض القوى المتواجدة على الساحة الأفغانية، ومن بينها كانت عناصر عربية تعرف باسم "الأفغان العرب"، وتناقلت الأنباء أخبار الدور المدمر الذي لعبته تلك القوى في أفغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها. وهو ما يثبت فهمها الخاطئ للإسلام والشرع الإسلامي، وأدى انتشارها إلى دول الجوار بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واستقلال جمهوريات آسيا المركزية، إلى تهديد الأمن السلام ليس في آسيا المركزية وحسب، بل وأمن وسلامة الشعوب العربية، وإلى تهديد مستقبل العلاقات العربية مع دول المنطقة أيضاً، وأثبتته أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها من ردود أفعال على الصعيد المحلي والدولي. ومن هذا المنطلق كان من مصلحة العرب الحقيقية توضيح الوجه الحقيقي للإسلام أمام شعوب آسيا المركزية، عن طريق التعاون الوثيق مع الحكومات الشرعية لدول المنطقة، ونشر الثقافة الإسلامية الحقيقية بوجهها المتسامح والمعتدل من خلال العلاقات الثنائية الاقتصادية والثقافية والسياسية. ومن خلال الروابط الثقافية العربية الأوزبكستانية، وهو ما تسعى إليه أوزبكستان نفسها. والنشاطات التي تقوم بها ممثلية هيئة الإغاثة الإسلامية الكويتية في أوزبكستان خير مثال على ذلك.
ويرى المحللون أن لأوزبكستان مصالح مع الدول العربية لا تقل عن مصالح الدول العربية مع أوزبكستان. ومن نظرة متعمقة في السياسية الخارجية الأوزبكستانية فإننا نرى أن القيادة الأوزبكستانية قد توصلت لجملة من المصالح المهمة تجعلها تلتقي مع الدول العربية منها أن الدول العربية تعتبر ميداناً لتنويع البدائل في السياسة الخارجية الأوزبكستانية، لأنه على ضوء التنافس الدولي حول آسيا المركزية، يظهر ما للدول العربية من أهمية كامتداد حضاري وثقافي وجغرافي قريب ووثيق الصلة بأوزبكستان، التي تتمتع كما سبق وأشرنا بإمكانيات اقتصادية هائلة كمصدر للاستثمارات وللبضائع الاستهلاكية، وكسوق لليد العاملة والتكنولوجيا والمنتجات الأوزبكستانية. فضلاً عن أنه ليس للعرب أية تطلعات إقليمية أو سياسية في أوزبكستان.
ومن هذا المنطلق فإن علاقات التعاون القوية مع الدول العربية تحقق لأوزبكستان مصلحة جوهرية في توسيع بدائلها المتاحة لرسم سياسة خارجية مستقلة تحقق لها علاقات دولية متوازنة ومستقرة، تضمن مصالحها الوطنية، وتخلق لها مجالاً استراتيجيا جديداً يمكنها من خلال دعم المجموعة العربية من التعامل على قدم المساواة مع القوى الأخرى في العالم، تراعى فيه أيضاُ مصالح المجموعة العربية. ومن المؤكد أنه كلما زادت البدائل المتاحة أمام أوزبكستان في العلاقات الدولية، كلما زادت قدرتها على الحركة في مجال العلاقات الدولية، بشكل يؤمن لها أفضل الشروط في التعامل مع الشركاء الدوليين.
والدول العربية وخاصة الخليجية كمجموعة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تشكل قوة اقتصادية ومالية تستطيع أن تقيم استثمارات رابحة في أوزبكستان، تمكن أوزبكستان في نفس الوقت من استغلال مواردها بشكل فعال. إضافة لامتلاك بعض الدول العربية للخبرات الفنية اللازمة لأوزبكستان لإتمام عملية بناء الدولة الفتية، وبالذات خلال مرحلة التحول الاقتصادي إلى اقتصاد السوق، والمستمرة حتى الآن، وما يترتب عنها من بناء نظم اقتصادية ومصرفية، إضافة لفرص التدريب التي يمكن أن تتيحها أوزبكستان وبعض الدول العربية لبعضها البعض في مجال إعداد الكوادر في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والزراعية.
إضافة لحقيقة هامة أخرى وهي أن الدول العربية بالنسبة لجمهورية أوزبكستان هي الساحة والمدخل المهم للاضطلاع بدور ثقافي وحضاري فعال في العالمين العربي والإسلامي. خاصة وأن أوزبكستان تملك تراثاً ثقافياً ودينياً وحضارياً، سبق وأشرنا إليه، وكان له أثر بالغ في تطور الحضارة العربية الإسلامية. وهو ما يؤهلها لتضطلع بدور حضاري متميز في العالمين العربي والإسلامي.
وانطلاقاً من المصالح المشتركة والمتشابكة نرى أن العرب والأوزبك قد بدؤوا فعلاً بصياغة جملة من السياسات التي يمكن أن تكفل تحقيق وحماية مصالحهما المشتركة على الصعيدين الإقليمي والإسلامي والدولي. وكان من المنطقي أن تكون تلك الصياغة نقطة البداية لإنشاء وتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية والسياسية بين الدول العربية وأوزبكستان. خاصة وأن الرئيس إسلام كريموف ومن أجل هذا الهدف بالذات قام ضمن أولى جولاته بعد الاستقلال بزيارة رسمية شملت كلاً من المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية عام 1992، وأتبعها بزيارة لفلسطين عام 1998، تم خلالها الاتفاق على تبادل العلاقات الدبلوماسية، والتوقيع على مجموعة من الاتفاقيات الثنائية أكثرها لم يرى النور بعد. ونعتقد أن السبب كان في عزوف القادة العرب لأسباب كثيرة عن زيارة أوزبكستان منذ استقلالها وحتى اليوم، باستثناء الرئيس ياسر عرفات الذي كان القائد العربي الوحيد الذي زار أوزبكستان منذ استقلالها وحتى اليوم.
إضافة لضعف التمثيل الدبلوماسي العربي المقيم في أوزبكستان كما سبق وأشرنا، ففي أوزبكستان اليوم سفارات لمصر والسعودية والأردن والجزائر وفلسطين والكويت معتمدة ومقيمة في طشقند، وللمغرب واليمن سفير معتمد غير مقيم. ولأوزبكستان سفارات معتمدة مقيمة في مصر والسعودية وفلسطين، إضافة للتمثيل القنصلي المقيم في دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وجدة بالمملكة العربية السعودية. كما ويمثل السفير الأوزبكستاني في القاهرة بلاده كسفير غير مقيم في الأردن.
وفي إطار العلاقات الدولية نرى أن الدول العربية تدعم المبادرة الأوزبكستانية لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة النووية. وهو ما ظهر أثناء مشاركة بعض الدول العربية في أعمال المؤتمر الدولي الذي عقد في أيلول/سبتمبر 1997 في طشقند لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة النووية، وأعلن الوفد المصري خلاله أن إنشاء تلك المنطقة يعتبر حافزاً لإنشاء منطقة مماثلة في الشرق الأوسط.
كما وبدأت الدول العربية ببناء علاقات اقتصادية مع أوزبكستان، إلا أنها لم تزل محدودة رغم أهميتها. ولابد أن الأسباب تعود لتراجع الموارد المالية لدول الخليج العربية، ولعدم إلمام المستثمرين العرب بالفرص الاستثمارية الكبيرة المتاحة في أوزبكستان. وهي نفس الأسباب التي نعتقد أنها وراء إحجام الدول العربية الخليجية عن الدخول بقوة في السوق الاستثمارية الأوزبكستانية، مكتفية بالأنشطة قصيرة الأجل في التجارة والمقاولات. أما بالنسبة لباقي الدول العربية فالمعضلة الرئيسية هي في نقص مواردها بالعملات الأجنبية، ولو أننا لا نعتبرها سبباً لأن المشكلة كان يمكن حلها عن طريق التبادل التجاري بالتقاص، الذي تحميه الدولة من قبل الجانبين ودون الحاجة للقطع الأجنبي. ومن صيغ الصفقات المتكافئة بين الدول العربية وأوزبكستان نورد ذكر الاتفاقية الموقعة عام 1992 بين مصر وأوزبكستان بقيمة 30 مليون دولار أمريكي.
وفي المجال الثقافي والديني فقد نشطت كلاً من الكويت والسعودية ومصر، من خلال الدور الذي يؤديه كلاً من الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في السعودية، وهيئة الإغاثة الكويتية الإسلامية التي افتتحت لها فرعاً في طشقند كما سبق وأشرنا. إضافة لقيام أوزبكستان بإنشاء صندوق الإمام البخاري الدولي، الذي يخطط حالياً لإنشاء فروع له في مختلف الدول العربية والإسلامية.
وأخيراً لا بد أن نؤكد على حقيقة هامة في عالم العلاقات الدولية المعاصرة الذي تهيمن فيه العلاقات الاقتصادية، وهي أن الاستثمارات المدروسة والناجحة والتي تضمنها الدولة، وتراعى فيها المصالح الوطنية لكلا الجانبين هي الطريق الأمثل لتوسيع وتعزيز العلاقات العربية الأوزبكستانية. فالاستثمارات وخلق المصالح الاقتصادية المشتركة، هي من أفضل السبل التي يمكن أن تبنى على أساسها مبادئ التعاون العلمي والثقافي والسياسي الذي يعزز من الشخصية العربية في المنطقة، ويعزز من شأن الأقلية ذات الأصول العربية من أبناء المنطقة، وهي الأقلية شبه المجهولة اليوم في آسيا المركزية في الإحصائيات الرسمية على الأقل.
والاستثمارات الإنتاجية في المجالات الزراعية، والثروة الحيوانية، والصناعية هي الطريق الأمثل الذي يمكن أن تشجع أطراف المعادلة في العلاقات الثنائية المشتركة بين الحكومات العربية القادرة وحكومات دول آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان، على دفع التعاون العلمي والثقافي بين مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي نحو العمل المشترك، وخاصة من خلال تمويل البحوث العلمية المشتركة لخلق جو بناء يساعد على الحوار والتفاهم والعمل المشترك نحو إزالة ما علق بصورة العرب من تشويه ورثته دول المنطقة عن العهد البائد، وتستغله اليوم بعض الجهات المشبوهة للتأثير السلبي على العلاقات المشتركة العربية الأوزبكستانية، وخاصة خلال العقد الأخير، واشتد قوة وشراسة بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تقصير البعض، والتسرع والحماس الزائد للبعض الآخر، وجهل الآخرين لحقيقة ما يجري في تلك الجمهورية الفتية. ناهيك عن الغياب شبه الكامل للإعلام العربي عن ساحة آسيا المركزية وضمنها أوزبكستان.
هذا إن لم نتحدث صراحة عن كثرة الاستثمارات الهزيلة والاستثمارات الانتهازية لتجار الشنطة العرب الذين جاءوا للمنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لانتهاز الفرص، وتجار الشنطة الأوزبك الذين توجهوا إلى بعض الدول العربية بتشجيع من الطلاب العرب الكثيرون الذين كانوا يدرسون في مؤسسات التعليم العالي الأوزبكستانية بمنح الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، وتحولوا بعد انهياره كما خيل لهم إلى تجار يمارسون تجارة الاستيراد والتصدير، بجهل تام لأصول التجارة والاستثمار الاقتصادي الدولي، مما أوقعهم في أخطاء خلقت مشاكل وعراقيل للاستثمارات العربية الجادة، وأحرجت سفارات الدول التي ينتمون إليها وحتى السفارات العربية التي لا ينتمون إليها أيضاً، وكانت تلك الأخطاء من العوامل المساعدة على تشويه صورة الدول العربية وخاصة تلك التي لم تفتح لنفسها سفارات في المنطقة بعد.
ولتبديل الصورة غير الواضحة بعد في العلاقات العربية الأوزبكستانية لابد من الاستثمار، لأن الاستثمارات العربية في مشاريع التنمية الحكومية الاقتصادية الإنتاجية الأوزبكستانية في المجالات الزراعية، والثروة الحيوانية، والبتروكيماوية، والصناعية، وفي مجال النقل الجوي والبري وبالسكك الحديدية تخلق نوعاً من الاعتماد المتبادل والثقة بين الدول العربية ودول آسيا المركزية وخاصة أوزبكستان التي لا تملك منافذ على البحر. وتعزز من الشخصية العربية داخل المجتمع الأوزبكستاني متعدد القوميات وتعزز من أواصر الصداقة والتفاهم والتعاون المشترك بين الشعوب والحكومات، وتخلق مصالح اقتصادية، من صالح الجانبين الدفاع عنها وتعزيزها لما فيه مصلحة الطرفين.
ولأوزبكستان مصالح وطنية إستراتيجية تتفهم أهمية تطوير التعاون مع الدول العربية لا بد من الاستفادة منها لتعزيز التعاون العربي الأوزبكستاني المشترك. وتنطلق تلك المصالح الإستراتيجية من جملة حقائق سياسية واقتصادية ودينية وثقافية ثابتة، ربطت العرب بشعوب آسيا المركزية عبر تاريخ طويل ومشترك كما سبق وأشرنا، ولم تتمكن روسيا القيصرية ولا القيادة السوفييتية من بعدها من القضاء عليها. إضافة للظروف المثالية المتاحة للاستثمار في أوزبكستان وتؤهل أية علاقات تجارية واقتصادية ومالية للتطور الناجح لمصلحة كل الأطراف المشاركة في معادلة الاستثمار، لو صبت تلك الاستثمارات في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي أعدتها الحكومة الأوزبكستانية للنهوض باقتصادها الوطني بشكل علمي ومدروس.
لأن أوزبكستان تملك ثروات زراعية وحيوانية ضخمة، إضافة للاحتياطي الكبير من الثروات الطبيعية، وتنتج العديد من المنتجات الصناعية اللازمة للدول العربية كالتعدين والآلات والمعدات الزراعية والجرارات والسيارات والطائرات والمواد الأولية اللازمة لصناعات كثيرة، إضافة لمصادر الطاقة المتنوعة الكافية لتطوير البنية الأساسية للاقتصاد الوطني المستقل، والكوادر التقنية والفنية والعلمية المدربة تدريباً جيداً، والخبرة الكبيرة في مجالات الري والزراعة في المناطق الصحراوية. وهي بحد ذاتها تشكل قاعدة صلبة لأي تعاون أو شراكة بين أوزبكستان وأية دولة عربية في المستقبل، وتعتبر مجالاً واسعاً لتوظيف رؤوس الأموال العربية.
وعند الحديث عن الثروة الزراعية نرى أن أوزبكستان تشغل اليوم المركز الرابع في الإنتاج والمركز الثاني في تصدير القطن بين دول العالم المنتجة للقطن، إذ يبلغ إنتاجها من هذه المادة الإستراتيجية الهامة حوالي أربع ملايين طن سنوياً. إضافة لإنتاجها لأكثر من ثلاثين ألف طن من شرانق الحرير الطبيعي، ناهيك عن التنوع الكبير في المحاصيل الزراعية التي تشمل إنتاج أكثر من ثلاثة ملايين طن من الخضراوات والفواكه، يمكن تجهيزها وتصنيعها وتصدير أكثر من نصفها للأسواق الخارجية. ومنها الأسواق العربية لو وجدت المستثمرين العرب الراغبين في ذلك. إضافة للثروة الحيوانية الضخمة التي يمكن أن تصبح المصدر الرئيسي لتزويد أسواق دول الخليج العربية باللحوم لو أحسن الاستثمار المشترك فيها.
وأما ما يتعلق بالثروات الباطنية التي تشمل الذهب والفضة وغيرها من المعادن الثمينة، إضافة للغاز الطبيعي والبترول. فأوزبكستان تشغل المركز الرابع في إنتاج واحتياطي الذهب في العالم، وتستخرج سنوياً حوالي 70 طن من الذهب، وتشغل المركز الثاني بين دول رابطة الدول المستقلة، بعد جمهورية روسيا الاتحادية التي أنتجت 130 طناً من الذهب عام 1995. كما ويستثمر جزئياً مناجم لـ 96 معدناً من بينها التيتان، والمنغنيز، والفضة، والنحاس، والزنك، والسترونتيوم، واليورانيوم، وغيرها من الثروات الباطنية. والاستثمارات العربية يمكنها أن تسهم في تلك المجالات اليوم من خلال دعم الجانب الأوزبكستاني في التعامل مع المصارف الدولية الممولة. ولأن الاستثمار في أوزبكستان أصبح اليوم يعتمد على قاعدة قانونية صلبة وملا ثمة للمستثمرين الأجانب، وتضمن مصلحتهم ومصلحة تطوير الاقتصاد الوطني الأوزبكستاني، وتضمن تفعيل الاتفاقيات الثنائية في مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري والنقل الموقعة بين الحكومة الأوزبكستانية وبعض الحكومات العربية ولم تر النور بعد. لأن تلك القاعدة القانونية مجهولة للكثير من المستثمرين العرب على ما نعتقد بسبب انعدام وجود مكاتب علمية للاستشارات والدراسات الاستثمارية والقانونية العربية في أوزبكستان، بين المكاتب العلمية للدراسات الاستثمارية الأجنبية والمشتركة المعتمدة والكثيرة في طشقند، والتي على ما نعتقد أن لا مصلحة لها بتشجيع أية صورة من صور التعاون الاقتصادي العربي الأوزبكستاني وهذا مفهوم لأن السوق الاستثمارية تعتمد قبل كل شيء على روح المنافسة، والسعي لاحتكار السوق الاستثمارية قدر الإمكان. فهل تبادر المؤسسات الاستثمارية العربية لفتح مكاتب لها في أوزبكستان يا ترى ؟ حرصاً منها على عدم إضاعة أية فرصة للاستثمار الخارجي الناجح قبل فوات الأوان. وهو سؤال نتركه لأصحاب القرار !!
السبت، 09 جمادى الثانية، 1423، الموافق 17 أغسطس، 2002

هناك تعليق واحد: