الخميس، 28 يناير، 2010

صفحات من تاريخ المسلمين في شبه الجزيرة الكورية

صفحات من تاريخ المسلمين في شبه الجزيرة الكورية
كتبها أ.د. محمد البخاري: مستشار رئيس جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية في طشقند بتاريخ 30/7/2002. ونشرت بمجلة الفيصل الرياض، في العدد 333 مايو/أيار 2004 ص 32-53.
مع استقلال جمهوريات آسيا المركزية عما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق، بعد انهياره المفاجئ في مطلع تسعينات القرن العشرين، ازداد اهتمام جمهورية كوريا "الجنوبية" بتلك الجمهوريات لوجود جاليات كورية كبيرة كانت قد رحلت قسراً من قبل السلطات السوفييتية من مناطق سكنها الأصلية في الشرق الأقصى فيما يعرف اليوم بالاتحاد الروسي، للتوطين والسكن الدائم في آسيا المركزية. وكان ولم يزل لهذا الاهتمام هدفين اثنين: أولهما كسب تأييد تلك الجاليات لصالح جمهورية كوريا على حساب النفوذ الكبير الذي لعبته في أوساطهم واستفادت منه آنذاك حليفة الاتحاد السوفييتي السابق جمهورية كوريا الديمقراطية (الشمالية). وثانيهما استخدام تلك الجاليات التي تتمتع بحقوق المواطنة الكاملة في تلك الجمهوريات الفتية كوسيلة من وسائل الدبلوماسية الشعبية لكسب ود وتأييد حكومات جمهوريات المنطقة في إطار التعاون الإقليمي والدولي لصالحها عن طريق تحقيق استثمارات اقتصادية واعدة في تلك الجمهوريات تدعم من مواقف الحكومة الكورية الجنوبية، واستخدام تلك الجاليات أيضاً كوسيلة فاعلة من وسائل تدعيم فاعلية التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي معها. وبالفعل نرى أن كوريا الجنوبية نجحت على ما يبدو في تحقيق شيء من أهدافها بعد مرور أكثر من عقد على استقلال جمهوريات المنطقة، خاصة وأن المشاريع الاستثمارية المشتركة من الضخامة والفاعلية في وضع يسمح بتحقيق شيء من تلك الأهداف، هذا إن لم نشر إلى برامج التعاون الثقافي والعلمي ونقل التكنولوجيا المتقدمة القائمة بين تلك الدول حتى اليوم.
ورافق توجه جمهورية كوريا إلى المنطقة، تركيز اهتمام بعثات التبشير المسيحية القادمة منذ مطلع تسعينات القرن المنصرم وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق من كوريا واليابان وأوروبا وأمريكا الشمالية بالجالية الكورية في آسيا المركزية، وكان من أبرز نشطاء التبشير المسيحي في تلك الآونة الكنيسة البروتستانتية والجماعة التي يرأسها الكوري الأصل "مون" التي نجحت في تحويل النذر اليسير من المواطنين من أصل كوري في المنطقة إلى الديانة المسيحية من خلال الإغراءات المختلفة التي قدمتها أو وعدت بتقديمها، خاصة في أوساط الشباب. ولو أن نشاط تلك البعثات التبشيرية أخذ بالانحسار في الآونة الأخيرة مع ازدياد الوعي الفردي للإنسان المتعطش لكل ما هو روحاني بعد سنوات من الحكم الإلحادي الذي أنكر كل الأديان، فإننا نرى أن المسيحية بقيت راسخة حيث أوجدت لنفسها موطئ قدم في ظروف التعايش السلمي بين الأديان وعدم تدخل الدولة في الشؤون الدينية إلا في الإطار الذي تحدده دساتيرها والقوانين النافذة في الدول العلمانية التي قامت على أنقاض السلطة السوفييتية في آسيا المركزية.
ومن المؤسف أنه في الوقت الذي كانت تنشط به في المنطقة البعثات التبشيرية المسيحية حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، كانت الهيئات الإسلامية الشرعية وغير الشرعية منهمكة في صراعاتها الداخلية تحت تأثير ثبت لاحقاً أنه آت من الخارج. ولو أن عدداً لا بأس به من أبناء تلك الجاليات قد اعتنق الإسلام لظروف عدة منها التزاوج بين أبناء الجالية وأبناء السكان الأصليين المسلمين في البلاد، فلم يلاحظ إقدام مشابه للإقدام على اعتناق المسيحية بين الملحدين أو معتنقي الديانات الأخرى بينهم، الذين بقوا على ما يعتقدون ويؤمنون به خلال الفترة التي تلت الاستقلال.
وكان لابد للمتخصصين في الدراسات الشرقية من الاهتمام بتلك الظواهر الجديدة على المجتمع في آسيا المركزية، فكانت دراسات عن أصل وتكون تلك الجاليات، ودراسات عن عاداتها وتقاليدها ودورها الاجتماعي ومدى انصهارها في المجتمعات المحلية وهي دراسات عديدة يصعب حصرها هنا. ولكن الملفت للنظر كانت دراسات تناولت تاريخ وواقع الجالية المسلمة في جمهورية كوريا، رأيت أنه من الضروري إطلاع القارئ العربي على مضمونها ونتائجها لما تتمتع به من أهمية بالغة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وتداعياتها التي أصبح بنتيجتها كل ما هو إسلامي متهم ولو في وسائل الإعلام الجماهيرية المغرضة على الأقل. ولما كانت تلك الدراسات قد سبقت تلك الأحداث الأليمة فإنها برأيي تعرض لوحات من الواقع الذي واجهته تلك الجماعة الإسلامية عبر تاريخ شبه الجزيرة الكورية، وتواجهه اليوم في الواقع المعاصر، وهو وضع مشابه على ما أعتقد بين كل الأقليات المسلمة في دول غير إسلامية، علها تلقي بشيء من الضوء على ثغرات قد تجد من يعمل على سدها لتجنب الجاليات الإسلامية في الدول غير الإسلامية مرارة الواقع الجاثم على الصدور في عالم اليوم.
إذ تؤكد المصادر التاريخية الكثيرة أن صلات المسلمين بشبه الجزيرة الكورية ترجع لبدايات القرن الحادي عشر الميلادي، عندما وصل أول التجار العرب المسلمين إلى المنطقة خلال فترة حكم "فان مون تشونغ" (1047-1083م)، الملك الحادي عشر من أسرة "كوريو"، وتذكر أن بعض أولئك التجار أقام هناك من أجل تقوية العلاقات التجارية بين العالم الإسلامي وشبه الجزيرة الكورية آنذاك. وهو ما تؤكده بعض المصادر التاريخية الكورية التي تحدثت عن تاريخ أسرة "كوريو"، عندما ذكرت أنه في " سبتمبر/أيلول من العام الخامس عشر من حكم فان خيونجونغ (1024م) وصلت إلى البلاد مجموعة من التجار العرب المسلمين مؤلفة من مائة شخص". بينما تشير المراجع الكورية المتأخرة إلى خلفيات الزيارات المنتظمة لتجار من شبه الجزيرة العربية والعالم الإسلامي إلى شبه الجزيرة الكورية، وتضيف أن الصلات التجارية بين المسلمين العرب وأسرة "كوريو" امتدت حتى عام 1392م. [1]
وتتحدث بعض المصادر التاريخية المتأخرة أيضاً عن أن بعض مشاهير المؤرخين والجغرافيين العرب أمثال: ابن حديبة، وسليمان التاجر، والمسعودي زاروا المنطقة وأتوا في أعمالهم على ذكر دولة "سيللا" أو "شلة" أو "سيلا"، التي تقع إلى الشرق من الحدود الصينية، أي شبه الجزيرة الكورية وذكروا أن تلك الأصقاع بلاد غنية بالذهب والفضة. وهذا يعني أن العرب المسلمين سبقوا الرحالة والجغرافيين الأوربيين بالتعرف على تلك البلاد وإقامة صلات تجارية منتظمة معها بحوالي خمسة قرون تقريباً، وهو الوقت الذي ظهر فيه أول كتاب في أوروبا يتحدث عن شبه الجزيرة الكورية.[2]
وتذكر المصادر التاريخية أن الحكام الكوريين حددوا جزيرة "بيونغ نان"، الواقعة عند مدخل نهر "إيسونغ" بالقرب من مدينة "كيسون" عاصمة أسرة "كوريو" مكاناً لتجارة جميع التجار الأجانب، بما فيهم الصينيين والمسلمين. وذكرت أن التجار العرب والمسلمين كانوا يحضرون معهم للبيع الزئبق، والعطور، والأدوية، والعسل، والزبيب. وأنهم كانوا يشترون أو يبادلون بضاعتهم بالذهب، والفضة والملابس الحريرية. [3]
ومعروف أنه خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين تعرضت شبه الجزيرة الكورية للاجتياح والغزو المغولي، مما أدى إلى تحول كوريا إلى دولة تابعة للأسرة المغولية المسلمة. وامتدت تلك التبعية مابين عام 1269م وعام 1368م. تم خلال تلك الحقبة التاريخية الهامة اختلاط واسع بين المغول المسلمين والكوريين، الاختلاط الذي ترك بصماته على الثقافة الكورية، حيث تزوج الكثير من الملوك الكوريين من أميرات مغوليات، ناهيك عن الحضور الدائم للموظفين والجنود المغول الذين أقاموا مجتمعهم الإسلامي الخاص بهم، وبنوا المساجد في شبه الجزيرة الكورية.
ولكن مع وصول أسرة "تشونسون" إلى السلطة في شبه الجزيرة الكورية، بدأت الكتابات عن نشاطات التجار العرب والمسلمين بالاختفاء تدريجياً من المراجع التاريخية الكورية والعربية، هذا على الرغم من استمرار التأثير الثقافي الإسلامي الذي بدأ في عهد أسرة "كوريو" في المنطقة، حتى تم منعه بالكامل بقرار ملكي عام 1427م، بهدف منع أي تأثير ثقافي أجنبي في شبه الجزيرة الكورية. ولكن الكوريون يعترفون اليوم بالإسهامات الهامة للثقافة الإسلامية وتأثيرها على الثقافة في شبه الجزيرة الكورية، ويعتبرون تعرف الكوريين على التقويم الإسلامي كان من أهم تلك الإسهامات التي مكنتهم من حساب مواعيد خسوف الشمس والقمر.
وأدت السياسة التي اتبعتها أسرة "لي" بحصر والحد من العلاقات التي ربطت بين شبه الجزيرة الكورية والعالم الإسلامي، تلك العلاقات التي توقفت تقريباً بسبب ذلك زهاء الخمسة قرون. وخلال تلك الحقبة التاريخية الطويلة كان المسلمون القلائل الموزعون في شبه الجزيرة الكورية قد انصهروا تماماً مع المحيط المحلي في دولة "تشونسون".
أما في الصين المجاورة خلال تلك الحقبة التاريخية فقد كان الدين الإسلامي متواجد إلى جانب الأديان المعترف بها رسمياً في تلك الدولة. وترتبط تقاليد الثقافة لإسلامية في الصين بظهور الإسلام في "يون نان" خلال النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، عندما أرسل الخليفة العباسي من بغداد معونة للإمبراطور الصيني مؤلفة من ثلاثة آلاف مقاتل لسحق تمرد "آن لوشان"، بقي قسم منهم للحياة في "يون نان"، مشكلين بذلك البداية الأولى لتشكل المجتمع الإسلامي في المقاطعة. ولكن بعض المراجع تعتبر ذلك مجرد أسطورة، وتعتبر أن الفضل لظهور الإسلام في الصين كان للتجار العرب والفرس المسلمين، الذين أقاموا موطئ قدم لهم في "كون مين" مع نهاية القرن العاشر الميلادي. ويعتبرون أن التحول الفعال إلى الدين الجديد بين السكان المحليين في الصين بدأ فعلاً خلال مرحلة الغزو المغولي للصين، عندما حكم "يون نان" حاكم محلي من "خوبيلايا"، وهو المسلم الغيور "ساي ديانتشي"، الذي زار في نهاية القرن الثالث عشر الميلادي "كون مين".
وجاء "ماركو بولو" على وصف تلك المرحلة التاريخية فذكر أن "كون مين" "مدينة كبيرة ومعتبرة، والتجار والحرفيون هناك كثيرون، ويوجد هنا مسلمون، وعبدة للأصنام، ومسيحيين". ومن بين المسلمين في "يون نان" الذين أصبح الصينيون ينظرون إليهم كأقلية من الأقليات المحلية التي أطلق عليها آنذاك اسم "خويي"، وهي الأقلية التي خرج منها الملاح البحري والدبلوماسي الشهير "تشجين خي"، في بداية القرن الخامس عشر الميلادي، وهو الملاح المسلم الذي وصل بعمارته البحرية المؤلفة من سفن عديدة إلى سواحل شرق إفريقيا والخليج العربي.[4]
وخلال الثلاثينات والخمسينات من القرن التاسع عشر الميلادي، وهو الوقت الذي شهدت خلاله المنطقة ازدياد النفوذ والتواجد الأوروبي في المنطقة انتهت الحياة الهادئة والمسالمة للمسلمين في "يون نان"، عندما تعرضوا لسياسة الاضطهاد الديني التي اتبعها الحكام المحليين، حيث تعرض الصينيين المسلمين وغير المسلمين لهجمات مدمرة أدت خلال يومين فقط من مايو/أيار عام 1856م، إلى مقتل حوالي 20 ألف شخص في "كون مين" وضواحيها. ونتيجة للهجمات هبت انتفاضة شعبية استولى بنتيجتها المنتفضون على مدينة "دالي" الصغيرة التي بلغ عدد سكانها آنذاك 50 ألف نسمة، من بينهم عدد كبير من المسلمين. وقادة تلك الانتفاضة "دوفينسيو" الذي اختير "قائداً عاماً لكل القوات المنتفضة"، وأدت إلى نشوء دولة مستقلة هناك عاصمتها مدينة "دالي".
وفي خريف عام 1861م تجمع أكثر من عشرين مقاطعة ومنطقة تحت قيادة وحكم "دوفينسيو"، الذي تجمع تحت قيادته جيش جرار مؤلف من 200 ألف مقاتل من الصينيين المسلمين وسواهم من غير الراضين عن حكم "تسين". واستمر حكم "دوفينسيو" لمدة ثمانية عشر عاماً، أقام خلالها أجهزة للحكم المركزي والمحلي، وأصدر العديد من القوانين والقرارات، وأجرى العديد من الإصلاحات على الضريبية، والاقتصادية، والتجارية، وفي التعليم وغيرها من شؤون الدولة. وفي ديسمبر/كانون أول عام 1872م دخلت قوات "تسن" بقيادة الجنرال "يان يويكي” مدينة "دالي" وقامت بمذبحة دموية هائلة، قتل نتيجتها أكثر من ثلاثين ألف إنسان أكثرهم من المسلمين، ليتعرض السكان المسلمين بذلك إلى خسارة كبيرة.[5]
وفي عام 1909م وصل إلى كوريا وكتب ملاحظاته عنها المبعوث الخاص للسلطان العثماني الذي أرسله للتجول في المنطقة والتعرف على الحياة في اليابان. وفي عام 1920م وصل إلى شبه الجزيرة الكورية حوالي 200 مسلم من آسيا الوسطى وهم يبحثون عن ملجأ اثر هروبهم من بطش السلطات البلشفية، ترك أكثريتهم شبه الجزيرة الكورية بعد ذلك، بينما هاجر الآخرون من شبه الجزيرة الكورية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولم تترك تلك الجماعة الإسلامية وراءها أي أثر ملحوظ للإسلام ولم تضع الأساس اللازم لتطور الدين الإسلامي في الحياة المحلية الكورية.
والجماعة الإسلامية المعاصرة في التاريخ الحديث للإسلام في شبه الجزيرة الكورية تربطها المصادر التاريخية الكورية بأواسط القرن العشرين، مع بداية الدعوة الإسلامية التي جرت بشكل واسع في كوريا الجنوبية أثناء الحرب في شبه الجزيرة الكورية (1950-1953م)، على أيدي القوات التركية التي أرسلتها الحكومة التركية إلى هناك بطلب من مجلس الأمن الدولي التابع لمنظمة الأمم المتحدة. وكانت الوحدة العسكرية التركية قد وصلت إلى كوريا الجنوبية في 17 أكتوبر/تشرين أول عام 1950م، وبلغ عدد أفرادها آنذاك 4500 جندي. وتعتبر هذه الواقعة بداية للتاريخ الذي يمكن اعتباره نقطة انعطاف في تاريخ الإسلام في كوريا الجنوبية، حيث كانت تلك الوحدة العسكرية تقيم وبشكل دائم في أيام الجمع داخل القاعدة العسكرية التركية في سيؤول صلاة الجمعة، التي سرعان ما بدأت تجذب جموع من الكوريين إلى الإيمان بالدين الإسلامي الحنيف وبدأت بالبحث عن إمكانية للمشاركة في تلك المشاعر الدينية. وكانت تلك المجموعة من الكوريين الذين عادوا إلى وطنهم من مهاجرهم في منشوريا.
إذ تذكر المراجع التاريخية أن حوالي مليون كوري كانوا قد هاجروا إلى منشوريا خلال الفترة الممتدة ما بين الأعوام 1895-1928م، حيث تعرفوا شيئاً ما على الدين الإسلامي، وازداد تعرفهم بالدين الإسلامي قوة بعد احتكاكهم بالجنود الأتراك المسلمين إثر عودتهم إلى مواطنهم الأصلية. ويذكر الباحث الإنكليزي المعروف "م. برومهول" أنه قام بجمع معلومات متضاربة جداً عن عدد معتنقي الدين الإسلامي في منشوريا من المبشرين المسيحيين في كوريا، تشير إلى أن أعدادهم تتراوح ما بين 5,7 وحتى 9,8 مليون إنسان، وهو ما يثبت أن الإسلام في بعض مناطق منشوريا كان مهماً ويعتبر قوة دينية هامة.
إلا أنه من الصعب جداً التحقق اليوم من عدد الكوريين في الصين الذين يؤمنون بالدين الإسلامي الحنيف. ولكن وكما يؤكد الإمام "دو يونغ يونا"، والحاج "صابرا سو غيل جونغا"، و"توان حجي كيم غيو جين"، فإن عدد المسلمين الكوريون في منشوريا كان غير قليل. وأن المسلمين الكوريين الذين كانوا مقيمين في منشوريا هم الذي وضعوا الأساس لمستقبل الجماعات الإسلامية في كوريا الجنوبية. وتذكر بعض المصادر أنه في نهاية عام 1950 جرى لقاء بين إمام القوات التركية "ك. ظافر"، و"كيم غيو جين"، جرى بنتيجتها تنظيم صلاة الجمعة خاصة للكوريين، أمها الإمام "ظافر" نفسه.
لكن الصعوبة الكبرى التي واجهت الدعوة الإسلامية مع بداية انتشار الإسلام في كوريا الجنوبية كانت محصورة بملائمة تعاليم الدين الإسلامي مع تقاليد الحياة في كوريا، ومشكلة تحقيق ترجمة وصياغة ملائمة لعلوم دين غريب تماماً عن اللغة والثقافة الكورية. وبفضل جهود الإمام التركي ظافر، و"يون يونغ دو"، و"كيم غيو جين" وغيرهم تم التوصل إلى نجاحات معينة في هذا الاتجاه.
وفي 15/9/1955م جرى في كلية الزراعة بسيؤول اجتماع تأسيسي لأولى الجماعات الإسلامية في كوريا الجنوبية، وانتخب أثناء الاجتماع "يون يونغ دو" كأول إمام مسلم كوري غير اسمه رسمياً نتيجة لذلك وأصبح الإمام "محمد يون يونغ دو". وأثناء الاجتماع التأسيسي انضم عشرة أشخاص إلى الجماعة الإسلامية حديثة التأسيس.
وسرعان ما تبدلت الظروف بعد ذلك الحدث لتغيير مكان أداء الشعائر الدينية للمسلمين الكوريين، وانتقل إلى "المسجد الجامع" الذي أقيم خصيصاً لذلك في حي "إيمان دونغ" بمنطقة "دونغ ديمون" بمدينة سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية. وكان يؤم المصلين فيه الإمام "محمد يون يونغ دو"، واستمر الإمام التركي ظافر بزيارة "المسجد الجامع" مرتين في الأسبوع بشكل دائم. وحتى يوليو/تموز من عام 1957 بلغ عدد الكوريين المسلمين 208.[6]
ومع توطد الجماعة الإسلامية في كوريا الجنوبية توجه "عمر كيم جين غيو" و"صابر سو جونغ كيل" في نوفمبر/تشرين ثاني عام 1958 إلى بعض الدول الإسلامية، ومن ضمنها المملكة العربية السعودية وباكستان وماليزيا لبحث مسائل التعاون المشترك والمساعدة على تطوير ونشر الدعوة الإسلامية في كوريا الجنوبية، وتمكن المبعوثان بنتيجتها من إيفاد 11 طالباً كورياً من بينهم ثلاث فتيات، لدراسة العلوم الإسلامية في "كلية كلانغ الإسلامية" في ماليزيا لمدة ستة أشهر في عام 1962م، تحملت الحكومة الماليزية مصاريف إقامة ودراسة الطلاب الكوريين بالكامل.
واستمر دعم ومساندة الحكومة الماليزية للمسلمين في كوريا الجنوبية، وأصبح الدعم والمساعدة يحظى باهتمام الساسة البارزين بما فيهم نائب الوزير الأول ورئيس البرلمان الماليزي، اللذان قاما بزيارة كوريا الجنوبية خلال عامي 1962-1963م، وأثناء زيارتهما للعاصمة الكورية الجنوبية سيؤول قدما باسم رئيس حكومة ماليزيا 33 ألف دولار أمريكي للجماعة الإسلامية الكورية من أجل بناء المساجد. وسرعان ما بدأت الجماعة الإسلامية في بناء مساجد في سيؤول بتلك الأموال اعتبارا من أكتوبر/تشرين أول عام 1964م، ونتيجة لعدم كفاية الأموال سرعان ما توقف وانهار مشروع بناء مسجد الجمعية الإسلامية الكورية، ونتيجة لذلك تفرقت الجماعة الإسلامية الكورية في سيؤول إلى عدة جماعات إسلامية صغيرة.
وفي أبريل/نيسان عام 1965 وهي الذكرى العاشرة لتأسيس الجماعة الإسلامية في كوريا، قامت مجموعة من المسلمين الكوريين بتأسيس رابطة المسلمين الكوريين، كوريث شرعي للجماعة الإسلامية الكورية في محاولة استطاعت من خلالها توحيد الجماعات الإسلامية الصغيرة المتفرقة، رافقها زيارة عدد من الشخصيات من العالم الإسلامي لكوريا للإسهام في دعم وتطوير الدعوة الإسلامية في كوريا الجنوبية.
وكان الهدف الأساسي لتـأسيس رابطة المسلمين الكوريين هو بناء المسجد الجامع، ولهذا الغرض أوفدت الرابطة رئيسها "حجي خبري سو" و"أوتمان كيم"، مدير العلاقات الخارجية في الرابطة إلى بعض الدول الإسلامية من أجل طلب العون المادي لتحقيق تلك الغاية. ونتيجة للجولة التي استمرت زهاء السبعة أشهر استطاعا جمع بعض الأموال، بما فيها 14 ألف دولار أمريكي من الصندوق الإسلامي في الكويت.
وعن الشخصيات الإسلامية البارزة التي أسهمت في دعم ومساندة الدعوة الإسلامية في كوريا الجنوبية، تطالعنا المصادر باسم الفاضل مولان سيد محمد جميلي، رئيس جمعية القرآن الشريف في باكستان. وهي الشخصية التي شغلت أحد المراكز الرفيعة في الحكومة الباكستانية، ووهب بعدها نفسه للدعوة الإسلامية. وأثناء جولة قام بها لأنحاء مختلفة من العالم وصل مولان سيد محمد جميلي في 25/10/1965م إلى كوريا الجنوبية وأقام فيها لمدة أربعين يوماً. تحدثت صحيفة "كوري إسلام هيرالد" عن بعض نتائج زيارته تلك لكوريا الجنوبية وذكرت أن زهاء 90 شخصاً اعتنقوا الدين الإسلامي آنذاك، من بينهم محام شهير في البلاد هو "محمد كفون يونغ سون"، وطبيبين، وأستاذين جامعيين، وثلاثة معلمين في المدارس المتوسطة، وثلاثة صحفيين وخمسة مستخدمين. [7]
وذكرت الصحيفة أن مولان سيد محمد جميلي عاش خلال إقامته في سيؤول بين العمال والبسطاء من الشعب الكوري شارحاً لهم تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. والتقى بالصحفيين، ومختلف الشخصيات الاجتماعية والرسمية الكورية الجنوبية. وألقى ثلاث محاضرات في الاتحاد المسيحي للشباب (Y.M.C.A. – Young Men’s Christian Association) في سيؤول. وأن الزيارة كانت المرة الأولى التي سمعت الساحة الكورية الجنوبية خلالها شرحاً أكاديمياً عن جوهر الإسلام ألقاها مسلم أجنبي، وأكدت أن الأكثرية المطلقة من الذين استمعوا لتلك المحاضرات كانوا لا يعرفوا شيئاً، أو كانوا يعرفون النذر القليل عن الإسلام بوجهه الحقيقي المتسامح.
وكانت السلسلة الثانية من المحاضرات التي ألقاها مولان سيد محمد جميلي في نوفمبر/تشرين ثاني عام 1966م في "كلية ميونغجي" في سيؤول، وكان موضوعها "ما هو الإسلام؟" وفي كل مرة كان يجتمع لسماعه زهاء 500 طالب، وأدت بالنتيجة إلى تأسيس "الاتحاد الإسلامي لميونغجي"، الذي أخذ بزمام الدعوة للدين الإسلامي الحنيف ولفتت أنظار الطلاب والشباب الكوري إلى الدين الإسلامي الحنيف. وذكرت صحيفة "كوريا إسلام هيرالد" أن مولان سيد محمد جميلي خلال تلك الزيارة خصص ست منح دراسية من أجل دراسة الطلاب الكوريين في المعاهد الإسلامية في باكستان، ووجه الدعوة للشخصيتين الإسلاميتين الكوريتين "سو غي جونغ" و"كيم سون جونغ" لزيارة باكستان. [8]
وأثناء زيارته لكوريا الجنوبية في يونيو/حزيران عام 1969م حاول مولان سيد محمد جميلي وضع أسس لإقامة علاقات مشتركة بين المسلمين الكوريين واليابانيين. وعن زيارته التالية لكوريا الجنوبية في عام 1970م كانت المعلومات قليلة جداً، وكل ما عرف أنه حصل على لقب بروفيسور فخري من "كلية ميونغجي". كما وتذكر بعض المصادر أنباء زيارات قام بها عدد غير قليل من الشخصيات الإسلامية، ورجال الدعوة الإسلامية، والشخصيات الدبلوماسية، ورجال أعمال من الدول العربية، وتركيا، وإندونيسيا، وماليزيا وغيرها من الدول الإسلامية لكوريا الجنوبية خلال الأعوام 1960-1970.
ومن المصادر المتوفرة نستطيع القول أن المسلمين الكوريين رغم إمكانياتهم الضعيفة، والصعوبات الأخرى قد بذلوا فعلاً جهوداً كبيرة تسجل لهم من أجل نشر الدعوة الإسلامية في بلادهم. وهذا واضح من القرار الذي اتخذته رابطة المسلمين الكوريين في أبريل/نيسان 1968 ويتضمن سبعة مبادئ أساسية لنشر الدعوة الإسلامية في كوريا الجنوبية، ونلخصها بالتالي: على كل مسلم شهرياً أن يدعو شخص للمشاركة في الشعائر الدينية؛ وعلى المسلمين زيارة بيوت أصدقائهم من غير المسلمين لتنويرهم ودعوتهم إلى الدين الإسلامي؛ ويجب إعادة طبع وتوزيع مقتطفات من المصحف الشريف، والحديث الشريف، وأنباء عن العالم الإسلامي على المسلمين الكوريين؛ وترجمة "كتاب البيان" إلى اللغة الكورية وتوزيعه في البلاد؛ والمشاركة يومياً في حلقات المناقشة التي يجريها في المسجد المسلمين الأجانب؛ وتدريس اللغة العربية في المسجد كل يوم أحد؛ والسعي لنشر معلومات عن الدين الإسلامي عبر كل وسائل الإعلام الجماهيرية.
ولكن العقبة الرئيسية التي واجهت الدعوة الإسلامية في كرويا الجنوبية كما هو واضح من تلك المصادر كانت مشكلة إعداد الكوادر الدينية القيادية المؤهلة والمزودة بالتعاليم الإسلامية الصحيحة. وهو الأمر الذي نوهت إليه صحيفة "كوريا إسلام هيرالد"،[9] وأشارت إلى ثقتها بأن الطلاب الذين يدرسون في الخارج، سيحصلون على تعليم إسلامي وخبرة شخصية وعملية في الدول الإسلامية التي يدرسون فيها، ويصبحون قادة إسلاميين في كوريا، وفي المستقبل القريب سينشرون الإسلام في كل البلاد. ورابطة المسلمين الكوريين إلى جانب العديد من الدول الإسلامية باستمرار تقدم المنح الدراسية الحكومية للطلاب الكوريين للدراسة في الجامعات الإسلامية. ففي عام 1967 درس عشرة طلاب كوريين مسلمين في باكستان، والجمهورية العربية المتحدة، والأردن، والعراق.[10] وفي أكتوبر/تشرين أول من عام 1968م ستوفد رابطة المسلمين الكوريين 20 طالباً للدراسة في الدول المشار إليها أعلاه، إضافة لليبيا وإندونيسيا.[11] وكحد أدنى غادر عشرة طلاب كوريين في نهاية الستينات للدراسة في الدول الإسلامية المختلفة.
وعن الدور الهام للتعليم الإسلامي تتحدث قصة "حجي عثمان كيم سون يونغ"، الذي بشر بآمال كبيرة أثناء دراسته للعلوم السياسية والدبلوماسية في جامعة "إنسي".[12] وتوجهه في 28/12/1967م إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وبعد ذلك سفره إلى القاهرة ليلتحق بالدراسة الجامعية بمنحة قدمتها له حكومة الجمهورية العربية المتحدة، ودرس خلالها ولمدة ثلاث سنوات تاريخ الإسلام، وبعد عودته من القاهرة أخذ يعلم اللغة العربية وتاريخ الدول العربية في جامعة "هانغوغ"، وبعدها دافع عن أطروحته وحصل على درجة الدكتوراه من الجامعة الكورية. والدور الذي لعبه "حجي عثمان كيم" منذ عودته إلى كوريا في حياة الجماعة الإسلامية الكورية كان كبيراً خاصة وأنه شغل منصب السكرتير التنفيذي لرابطة المسلمين الكوريين. وتشير المصادر إلى أنه حتى ذلك الوقت كان نشر الدعوة الإسلامية في كوريا الجنوبية يعتمد على رجال الأعمال والتجار الكوريين المسلمين فقط لأنه كان من السهل عليهم دعوة العاملين لديهم إلى الدين الإسلامي الذي يجمعهم معاً على طريق واحدة بعد ذلك.
وإضافة لجهود الجماعة الإسلامية الكورية في مجال الأعمال الخيرية التي بدأتها منذ باكورة تأسيسها، وخاصة في مجال كفالة الأيتام، وقيامها بتأسيس دار لكفالة اليتيم في العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول. ومن لا يعرف آثار الحرب في شبه الجزيرة الكورية (1950-1953) التي خلفت وراءها أكثر من مليون قتيل، وأكثر من 2,5 مليون مشرد. إضافة لعشرات الآلاف من الأطفال اليتامى الذين تحولوا إلى مشردين في وطنهم. وفي تلك الظروف الصعبة التي واجهت كوريا آنذاك وجد أكثر من 300 يتيم الملجأ والرعاية في مركز الجماعة الإسلامية الكورية في سيؤول، حيث كانت تقدم لهم المواد الغذائية والملابس التي وفرتها لدار كفالة اليتيم القوات التركية، والرعاية التي قدمها الطلاب الكوريون المسلمون الذين كانوا يعملون في الدار بالمجان كمربين ومعلمين. ومن الأعمال الخيرية ذات الأثر الاجتماعي الكبير كانت محاولة الجماعة الإسلامية الكورية توفير العمل للعاطلين عن العمل من العمال المهرة الكوريين في الدول الإسلامية.[13]
وعلى الصعيد الثقافي كان من النشاطات الهامة للمسلمين الكوريين في المرحلة المبكرة للدعوة الإسلامية كما سبق وأشرت، ترجمة المراجع الإسلامية إلى اللغة الكورية وتوزيعها. وحسب المصادر المتوفرة نرى أن الإسهام الأكبر في هذا المجال كان لـ"صابر سو غيل جونغ"، الذي ترجم إلى اللغة الكورية معاني 37 سورة من القرآن الكريم، إضافة للعديد من المراجع الدينية، من بينها كتاب الأنصاري "ما هو الإسلام؟ مقدمة في جوهر الإسلام"؛ وكتاب حجي إبراهيم ما "ما هذا الدين: الإسلام؟"؛ وكتاب محمد جميل "ما هو الإسلام؟"؛ وكتاب "الإسلام: الدين غير المفهوم" واستخدمت كل تلك الكتب حسب المصادر بشكل واسع من قبل الكوريين المهتمين بالدين الإسلامي.
كما وأصدرت رابطة المسلمين الكوريين نشرة إخبارية أسبوعية، كان الفضل الأكبر في إصدارها للإمام "محمد يون يونغ". وتألفت تلك النشرة من قسمين، الأول: ويحتوي على فقرات من القرآن الكريم والحديث الشريف، والثاني: ويتضمن أخبار الجماعة الإسلامية، وخطبة الإمام التي سيلقيها أثناء صلاة الجمعة في الأسبوع التالي لصدور النشرة. وصحيفة "كوريا إسلام هيرالد" التي بدأت بالصدور اعتبارا من 25/6/1967م، واستمرت حتى توقفت نهائياً في سبتمبر/أيلول عام 1969، بسبب الصعوبات المالية الناتجة عن بناء المسجد الجامع، وكانت الصحيفة تصدر بـ 5000 نسخة، توزع على المهتمين بالمجان بما فيها 300 نسخة كانت ترسل إلى خارج كوريا الجنوبية.
كما ونظمت رابطة المسلمين الكوريين مكتبة عامة غير كبيرة فتحت أبوابها للجمهور، وتضمنت مراجع علمية تلقتها من الدول الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك كانت الرابطة قد زودت بالمراجع الدينية الإسلامية أكثر من ثلاثين مكتبة في كوريا الجنوبية، من بينها مكتبة سيؤول العامة.
ومن بين النتائج الهامة لجهود مولان سيد محمد جميلي في الدعوة الإسلامية كان اعتناق البروفيسور "أبو بكر كيم سون جون" رئيس قسم التجارة الخارجية، وعميد الشؤون الطلابية في "كلية ميونغجي" في سيؤول للدين الإسلامي، ليصبح بذلك أول بروفيسور كوري مسلم. ونتيجة للجهود المشتركة التي قام بها البروفيسور "أبو بكر كيم سون جون" ومولان سيد محمد جميلي تم إقامة أول منظمة طلابية إسلامية في الكلية، وتعتبر أول منظمة طلابية في كوريا الجنوبية تعمل في صفوف الطلاب والشباب في كوريا الجنوبية. وحسب المصادر تم فيما بعد تغيير اسم المنظمة التي أصبحت تعرف باسم "اتحاد الطلاب المسلمين في ميونغجي"، وظل البروفيسور "أبو بكر كيم سون جون" مستشاراً لهذا الاتحاد.
أما المنظمة الطلابية الأخرى للمسلمين الكوريين فقد أسست عام 1967 في جامعة "هانغوغ"، التي أعيد تشكيلها وتغيير اسمها في الاجتماع السنوي الذي عقد في نهاية تسعينات القرن العشرين، وأصبحت تعرف باسم "رابطة الدراسات العربية والإسلامية". والفكرة من إعادة التشكيل وتغيير الاسم كان تقوية الروابط مع الطلاب الكوريين غير المسلمين، من بين المهتمين بتاريخ وثقافة العالم العربي. والرابطة تضم في عضويتها منذ بدايات السبعينات من القرن الماضي حوالي مائة عضو.
والحدث الهام في حياة المسلمين في كوريا الجنوبية كان قرار وزير الثقافة في جمهورية كوريا في عام 1967 بالاعتراف بالدين الإسلامي كواحد من الأديان الرسمية في البلاد. وكانت حينها رعاية الشؤون الإسلامية في كوريا الجنوبية مرتبطة بمنظمتين دينيتين، هي: "رابطة المسلمين الكوريين" و"الصندوق الإسلامي الكوري"، حيث تنصب جهود الأولى على رعاية الشؤون الدينية للجماعة الإسلامية، والثانية أخذت على عاتقها مسؤولية الممتلكات الإسلامية والمسائل المالية. واستناداً للمعطيات الحكومية آنذاك، كان عدد ومكان إقامة المسلمين الكوريين في عام 1969 موزعاً كالتالي:[14] في سيؤول2800 مسلم منهم 1950 رجال، و870 نساء؛ وفي بوسان 7 مسلمين منهم 5 رجال، و2 نساء؛ وفي كيونغيدو رجل وامرأة فقط؛ وفي كانغوندو رجل وامرأة فقط؛ وفي تشخونتشخون بوكلو رجل واحد فقط؛ وفي تشخونتشخون نامدو رجلين فقط؛ وفي كيونغسان بوكدو 4 مسلمين منهم 3 رجال، و1 امرأة؛ وفي كيونغسان نامدو 165 مسلم منهم 142 رجال، و23 نساء؛ وهكذا يكون مجموعهم 3003 مسلم منهم 2105 رجال، و898 نساء.
وتعليقاً على تلك المعطيات أشار الإمام "محمد دو يونغ يون"، بأن تلك الأرقام تضمن كل أعضاء أسر المسلمين الكوريين، بما فيهم الأطفال غير البالغين. وحسب رأيه حوالي 500 إنسان فقط يمكن اعتبارهم من الأعضاء الفاعلين في الجماعة الإسلامية، والآخرين كانوا بمثابة مشاركين في الشعائر الدينية لمرات عدة فقط خلال العام.
وكانت الحكومة الكورية في عام 1970 قد منحت ودون مقابل لرابطة المسلمين الكوريين، 5 آلاف متراُ مربعاً من الأرض في سيؤول العاصمة لبناء مسجد جامع. وقامت رابطة المسلمين الكوريين حينها بعدة حملات لجمع التبرعات المالية من أجل بناء المسجد، شملت العديد من الدول الإسلامية. ونتيجة لتلك الجهود اكتمل بناء المسجد وتم افتتاحه رسمياً في مايو/أيار عام 1976، وشارك في حفل الافتتاح 51 شخصية من 21 دولة إسلامية. كما ورافقه إقامة مركز إسلامي تابع للمسجد المركزي يهتم بالتعليم الإسلامي ومسائل الدعوة الإسلامية في جمهورية كوريا.[15]
كما وتذكر المراجع أنه تم في عام 1976 وبمساندة الرابطة الإسلامية العالمية، وحكومة المملكة العربية السعودية تأسيس ممثلية إسلامية في المسجد. وفي مارس/آذار 1978 افتتحت رابطة المسلمين الكوريين فرعاً لها في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، من أجل العمل على نشر الدين الإسلامي الحنيف في أوساط عمال البناء الكوريين العاملين في المملكة، وكان من نتيجتها اعتناق العديد من العمال الكوريين للدين الإسلامي الحنيف.
وفي أبريل/نيسان عام 1976 اعتنقت الدين الإسلامي جماعة من الكوريين في "سانغيونغني" بمنطقة "كوانجو" بمقاطعة "كيونغي" وبدأت تلك الجماعة بأداء الشعائر الدينية الإسلامية في حجرة خاصة، ومع مرور الوقت تحولت الحجرة إلى مسجد تم تشييده في عام 1980. وفي نفس العام في "بوساني" المدينة الثانية من حيث الحجم في جمهورية كوريا تم افتتاح مسجد ثالث. وفي خريف نفس العام ولأول مرة في تاريخ الإسلام في جمهورية كوريا توجه 132 من الكوريين المسلمين إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبعد أداء شعائر الحج تشرف الحجاج الكوريون بمقابلة سمو الأمير فهد ولي العهد السعودي، قبل توليه مقاليد الحكم في المملكة وحمله للقب خادم الحرمين الشريفين. كما وزار "تشهي غيوها" رئيس جمهورية كوريا في مايو/أيار من نفس العام المملكة العربية السعودية، من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين الدولتين الصديقتين في المجال الاقتصادية، والسياسية والثقافية.
وكان عام 1980 بالنسبة للمسلمين الكوريين عاماً حزيناً رغم كل نجاحاته، فقد فقدت الجماعة الإسلامية في كوريا خلاله عدد من المؤسسين الأوائل للجماعة الإسلامية في جمهورية كوريا، حيث انتقل إلى جوار ربه كلاً من "عمر كيم"، و"صبري سو"، و"محمد يون"، و"يوسف يون"، و"محمد سليمان لي". وفي هذا العام أيضاً بدأ المسلمون الكوريون بتنظيم معسكر تدريب صيفي تطوعي للشباب الكوري، بتمويل من "رابطة الشباب العالمية الإسلامية".
وهكذا نرى من المراجع المتوفرة أن الإسلام المعاصر في جمهورية كوريا يملك تاريخاً مشرقاً عبر أكثر من نصف قرن، وأن رابطة المسلمين الكوريين قد قطعت شوطاً كبيراً ومتنوعاً في نشر الدعوة الإسلامية في الجمهورية، إضافة لدور مشرف في تعريف المجتمع الكوري بتعاليم الدين الإسلامي السمحة وتعزيز وتطوير علاقات جمهورية كوريا مع الدول الإسلامية. وعن هذا تتحدث الأرقام التي تشير إلى أن عدد المسلمين في جمهورية كوريا قد بلغ مع نهاية القرن العشرين حوالي 40 ألف مسلم، إضافة لحوالي 70 ألف مسلم من بعض الدول الإسلامية يعيشون حالياً هناك.[16]
وتربط المراجع التي اطلعنا عليها الإسلام في كوريا الحديثة بالدين المثير للدهشة، والسبب ليس بقلة عدد المسلمين في كوريا وحسب، بل للفوارق الكبيرة في العادات والتقاليد الاجتماعية والثقافية للكوريين، وخصوصيات الثقافة الإسلامية وطريقة الحياة اليومية التي تتفاوت كثيراً بين المجتمع الكوري والمجتمعات الإسلامية. وتورد تلك المراجع أمثلة كثيرة على ذلك منها فريضة صيام شهر رمضان المبارك، حيث يمتنع المسلمون الكوريون في هذا الشهر الفضيل عن تناول الطعام والشراب من شروق الشمس وحتى مغربها. فإن صيام هذا الشهر الفضيل بالنسبة لهم في كوريا مشكلة لأن الحكومات الإسلامية اعتادت على مراعاة ظروف الحياة في هذا الشهر الفضيل، وتتخذ جملة من الإجراءات العملية التي تساعد المؤمنين على أداء واجبهم الديني، تبدأ من تخفيض ساعات العمل اليومية. ولكن الوضع في كوريا مختلف تماماً لأنه باستثناء المسلمين منهم لا يعرف الناس هناك ولا يملكون أي تصور واضح عن أهمية الشهر الفضيل وفريضة الصيام بالنسبة للمسلمين ولهذا يمر هذا الشهر الفضيل دون أن يلاحظه الكثيرون، ولهذا كان الصيام بالنسبة للمسلمين الكوريين ولم يزل مهمة صعبة واختباراً حقيقياً لإيمانهم الصادق.
ولا تنتهي الأمور عند ذلك، بل تذهب بعيداً تحت وطأة الرأي العام المحلي الذي لم يعتد على متطلبات الدين الإسلامي مما يشكل للمسلمين الكوريين وضعاً صعباً جداً تناولته صحيفة "كوريا هيرالد"، على لسان "لي تشجون خان" أحد زوار المسجد، والطالب بجامعة اللغات الأجنبية الذي ذكر أن "الصعوبة تكمن في شرح لماذا أنا لا أشرب ولا أكل ؟ وإذا قلت بأني مسلم، تتغير النظرة عني بسرعة، فيعتقد الناس أني عضو في جماعة إباحية". أو ما ذكره شاب كوري مسلم آخر، "عما أؤمن أحدث فقط أكثر الأصدقاء قرباً مني، ولكن أحد أفضل الأصدقاء هذا مسيحي، فأراد ذات مرة أن يقنعني بالامتناع عن إيماني. وهذا غير مفهوم لي، خاصة وأني لم أحاول دعوته إلى الإسلام أبداً"، وتابع "لي تشجون خان" قوله، قائلاً "على ما أعتقد أن المجتمع الكوري مجتمع محافظ جداً، والناس هنا كقاعدة ينظرون بالريبة إلى كل شيء جديد يبدوا لهم من غير المعتاد، وعلى ما أعتقد لهذه الأسباب ينظرون إلى المسلمين هنا بشكل دائم كغرباء".
كما وتشير المراجع إلى حقيقة أخرى هامة جداً تفيد بأنه خلال السنوات الأخيرة ازداد بوضوح وقوة تأثير الأفكار الغربية والثقافة الغربية على المجتمع الكوري، بينما بقيت الصلات مع العالم الإسلامي محدودة جداً، وفي أكثر الحالات تكون تلك العلاقات مع الدول الإسلامية مبهمة وعديمة الفهم في المجتمع الكوري، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره الطالب "سين سان هو" رئيس رابطة الطلاب المسلمين في سيؤول الذي قال أن "المسلمون في كوريا متهمون بالإرهابيين وبالمقاتلين، المدججين بالسلاح، ولكن هذه النظرة غير صحيحة، لأن الإسلام من أكثر الأديان حباً للسلام والإنسانية، ولهذا نراه ينتشر بشكل واسع في الدول غير الإسلامية وفي العالم كله".
ومن الصعوبات الأخرى التي تواجه المسلمين الكوريين في الوقت الحاضر أنهم من الأقليات وهذا لم يزل يعني أن المسلم لم يزل غريباً عن المجتمع الكوري، لأن الكوريين لهم نظرة خاصة من الأقليات. فالمسلم يجب أن يصلي خمس مرات في اليوم، والقيام بهذا الواجب الديني أثناء العمل غير ممكن على الإطلاق، لأن مكان الصلاة ببساطة غير موجود، هذا إن لم نتعرض لأماكن الطهارة والوضوء. وحتى وإن حلت تلك المشكلة واستطاع الموظف أداء فريضة الصلاة داخل مكتبه فإنه يواجه عدم الرضا والريبة من الموظفين الموجودين داخل المكتب.[17]
وعن الحلال الطاهر من الطعام والمواد الغذائية فتذكر المراجع أنه من الصعب جداَ شراءها في كوريا. لأن المخزن الصغير والوحيد ليس في سيؤول وحدها بل وفي جمهورية كوريا، الذي تباع فيه اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية، يقع إلى جانب المسجد في "خاننام دون".
إضافة لبعض التصرفات التي يحرمها الدين الإسلامي، كعبادة الأموات من الأقرباء الشائعة في كوريا فنرى أن الكثيرين من المسلمين الكوريين يضطرون للمشاركة في أداء مثل تلك التقاليد خوفاً من المشاكل داخل الأسرة، ناهيك عن نظرة الريبة التي يوجهها المجتمع المحلي ضد الإسلام وتجبر الكثير من المسلمين على إخفاء انتمائهم لأي دين آخر غير دين آبائهم وأجدادهم، وخاصة في ظروف بحثهم للحصول على عمل.
ومع ذلك فإننا نرى التفاؤل واضحاً لدى مساعد السكرتير الأول لرابطة المسلمين الكوريين "لي تشجو هوا" (عبد الرحمن لي)، الذي ذكر أنه بغض النظر عن الصعوبات الحالية، فالوضع في النهاية لابد وأن يتحسن. ويبني تفاؤله هذا على الاهتمام المتصاعد بالإسلام في أوساط الشباب. "لأن الإسلام أكثر وأكثر، يشهد اهتماماً متصاعداً في الأوساط الأكاديمية الكورية، وهذه الظاهرة ستكون قاعدة لتطور الإسلام في السنوات القادمة".[18] ويتابع "حقاً أن الكثير من الطلاب الذين يزورون الرابطة في السنوات الأخيرة هم من الذين عندهم إلمام سابق ببلدان الشرقين الأوسط والأدنى، وجنوب شرق آسيا، وأكثرهم يحضرون للمسجد المركزي في سيؤول لدراسة اللغة العربية والتعمق في الدراسات الدينية الإسلامية. والكثير منهم عندما حضروا للمرة الأولى كان هدفهم فقط التعرف على البلدان الإسلامية والتدرب على اللغة العربية، ولكن الكثير منهم سرعان ما بدءوا بالاهتمام بدراسة القرآن الكريم والدين الإسلامي الحنيف.
وتذكر بعض المراجع أن الذين اعتنقوا الإسلام في الفترة الأخيرة انطلقوا في قرارهم اعتناق الدين الإسلامي من المعاملة الحسنة التي تلقوها خلال زيارتهم لبعض البلدان الإسلامية واختلاطهم بالناس هناك، وما شاهدوه لدى السكان المحليين في البلاد التي زاروها من إحساس بالسلام والطمأنينة في أعماق القلوب والعلاقات الحميمة بين الناس، وهي لم تستطع أن لا تترك أكبر الأثر في نفوس الشباب المحصور داخل المجتمع الكوري التقليدي. ومن الأمثلة على ذلك ما أوردته الصحيفة على لسان ”سين سان هو" الذي قال: "إذا تحدثت بلغتهم أو أخبرتهم بأنك مسلم سرعان ما يسمونك "أخ" ويعاملونك كعضو من أفراد العائلة. وعندما كنت هناك، كان من السهل علي أن أجد لغة مشتركة مع الناس، وأحسست بنفسي مرتاحاً".
وختاماً لابد أن أشير إلى أن الجهود الكبيرة التي قامت بها رابطة المسلمين الكوريين خلال السنوات الأخيرة كانت واضحة من خلال المراجع التي أتيح لي الإطلاع عليها، ولابد أن أشير إلى الجهود الكبيرة التي تبذلها من أجل توضيح صورة الإسلام السمحة داخل المجتمع الكوري. وأن هذه الجهود التي تقوم بها الرابطة اليوم لمواجهة ما ألحق بالإسلام دون حق والوضع المضطرب الذي يواجهه الإسلام في المؤسسات التعليمية والصحافة الكورية بسبب جهل جوهر الدين الإسلامي، هي جهود كبيرة بالنسبة لحجمها وقدراتها الذاتية. ورغم بعض النتائج التي حققتها الرابطة، ومنها إدخال تاريخ الإسلام في الكتب المدرسية إلى جانب المسيحية والبوذية، فإننا نرى أن من واجب الدول الإسلامية القادرة، أن تضاعف جهودها الإعلامية الموجهة باللغة الكورية عبر قنواتها المكتوبة والمسموعة والمرئية والإلكترونية، وإيجاد مثل تلك الخدمات الإعلامية في الدول التي لا تملكها بعد. لتصب في بوتقة واحدة مع الجهود التي يقوم بها المسلمون الكوريون لمواجهة وإزالة ما لحق بالإسلام من تهم باطلة، ومن ظلم وبهتان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية.
المراجع
1. A Handbook of Korea. Korea Overseas Information Service. – Seoul, 1993.
2. Korea Herald. 1999, December 31.
3. Korea Islam Herald. 1965, June 25. 1967, August 25. 1967, December 25. 1968, October 25. 1969, June 25. 1969, September 25.
4. Ким Г.Н. Об истории и современности ислама в Корее // Алматы: Хабаршы - Вестник, № 3 (17), 2001.
5. Ким Г.Н. Ислам в Корее // Шелковый путь и Казахстан: Материалы научно-практической конференции. – Алматы, 2-3 сентября 1998. – Алматы: Жибек жолы, 1999.
6. Lee Hee-soo. Han-Islam Kyoryusa (История корейско-исламских культурных связей). – Seoul, 1971.
7. Ли Ги Бэк. История Кореи: новая трактовка. – М.: Первое марта. 2000.
8. Ларн В.Л. По Юго-Западному Китаю. – М.: Наука, 1990.
9. Religious Culture in Korea. – Seoul: Hollim, 1996.
10. Sun Yoon-Kyung. Islam in Korea. – Hartford, 1971.
11. Son Yoon-Kyung. Islam in Korea. Hartford, 1971.
نشرت بمجلة الفيصل العدد 333 مايو/أيار 2004 ص 32-53.
هوامش:
[1] Ли Ги Бэк. История Кореи: новая трактовка. – М.: Первое марта. 2000; - Sun Yoon-Kyung. Islam in Korea. – Hartford, 1971; - Religious Culture in Korea. – Seoul: Hollim, 1996; Lee Hee-soo. Han-Islam Kyoryusa (История корейско-исламских культурных связей). – Seoul, 1971.
[2] المصدر السابق.
[3] المصدر السابق.
[4] Religious Culture in Korea. – Seoul: Hollim, 1996. – P. 99-101.
[5] Ларн В.Л. По Юго-Западному Китаю. – М.: Наука, 1990. – с. 164-165.
[6] Ким Г.Н. Ислам в Корее // Шелковый путь и Казахстан: Материалы научно-практической конференции. – Алматы, 2-3 сентября 1998. – Алматы: Жибек жолы, 1999. – с. 55-63.
[7] Korea Islam Herald. 1965, June 25.
[8] Korea Islam Herald. 1969, June 25.
[9] Korea Islam Herald. 1969, September 25.
[10] Korea Islam Herald. 1967, December 15.
[11] Korea Islam Herald. 1968, October 25.
[12] Korea Islam Herald. 1967, August 25.
[13] Korea Islam Herald. 1967, December 25.
[14] Son Yoon-Kyung. Islam in Korea. Hartford, 1971.
[15] A Handbook of Korea. Korea Overseas Information Service. – Seoul, 1993. – p. 144.
[16] Religions Culture in Korea. – Seoul: Hollim, 1996. P. 101.
[17] Korea Herald. 1999, December 31.
[18] Korea Herald. 1999, December 31.

هناك تعليق واحد: