الأحد، 31 يناير، 2010

إنتاج الذهب في أوزبكستان الواقع والآفاق

إنتاج الذهب في أوزبكستان: الواقع والآفاق
كتبها أ.د. محمد البخاري: مستشار رئيس جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية في العلاقات الدولية بتاريخ 27/4/2001 وأرسلت إلى مجلة معلومات دولية بدمشق، وبعدها لصحيفة الاتحاد بأبو ظبي.
معروف أن أوزبكستان تتمتع بثروات طبيعية هائلة، وهو ما أكده اكتشاف كل أنواع المعادن التي يشملها جدول مندلييف للمعادن في أراضيها فعلاً، إذ تم حتى اليوم اكتشاف أكثر من 2500 موقع يحوي أكثر من 100 معدن خام، يستخرج من بعضها ويستثمر صناعياً أكثر من 60 معدناً. ومن بين المواقع التي تم اكتشافها أكثر من 900 موقع تقدر قيمة المعادن الخام المختزنة في باطنها بأكثر من 970 مليار دولار أمريكي، من القيمة الإجمالية للثروة الطبيعية في الجمهورية المقدرة بأكثر من 3,3 ترليون دولار أمريكي.
ومن الثروات الإستراتيجية الهامة كالنفط والغاز الطبيعي تم مؤخراً في أوزبكستان اكتشاف 155 موقعاً، ومن المعادن الثمينة أكثر من 40 موقعاً، ومن المعادن النادرة والمشعة 40 موقعاً، ومن الخامات الكيميائية 15 موقعاً. وبفضل المستوى العلمي والتقني للكوادر الوطنية، ومستواها التكنولوجي تم اكتشاف الكثير من مواقع الثروات الطبيعية، التي دخل بعضها حيز الاستثمار الفعلي ومن بينها مواقع غنية بالمعادن الملونة والمشعة والنادرة، إضافة لكل أنواع مصادر الطاقة كالنفط والغاز والفحم الحجري، ومواد البناء، وهو ما يسمح للخبراء الاقتصاديين بتقدير مدى المستقبل الذي ينتظر أوزبكستان على المدى القريب، لو تم توظيف الاستثمارات المحلية والأجنبية بالشكل الذي يضمن مصالحها ومستقبل تطور اقتصادها الوطني. إذ تقدر قيمة الثروات الطبيعية التي تستخرج سنوياً من باطن أرض أوزبكستان بـ 5,5 مليار دولار أمريكي، وهو ما يشجع على التوسع في عمليات التنقيب والاستكشاف واكتشافات المزيد منها لزيادة احتياطي الثروات الوطنية التي تكفل لهذه الدولة الفتية الوصول للمستقبل الذي تنشده.
ومن بين الثروات الطبيعية الهامة المكتشفة في الجمهورية الذهب، والفضة، واليورانيوم، والتيتان، والمنغنيز، والنحاس، والزنك، والسترونتيوم، والولفرام، والملح القلوي، والفوسفوريت، والكاولين. إذ يشغل احتياطي أوزبكستان اليوم من الذهب المركز الرابع في العالم، وفي الذهب المستخرج المركز السابع. وفي احتياطي النحاس المركز 10، واليورانيوم المركز 7.
ووفقاً لنتائج أعمال التنقيب الجارية، وتقديرات الأخصائيين يوجد في باطن الأرض الأوزبكستانية كميات كبيرة من النفط والغاز والفحم الحجري، وأن حوالي 60 % من أراضي الجمهورية صالحة لإنتاجهما. ويبلغ احتياطي الغاز 2 ترليون متراً مكعباً، ومن الفحم الحجري أكثر من 2 مليار طن، إضافة لأكثر من 160 موقعاً منتجاً للنفط.
ويمكننا على سبيل المثال ذكر خمسة مناطق رئيسية لإنتاج النفط والغاز في أوزبكستان، وهي: منطقة أوستي يورط، ومنطقة بخارى، ومنطقة خيوة، ومنطقة جنوب غرب غيسارة، ومنطقة سورخانداريا، ومنطقة فرغانة. حيث تبلغ قيمة احتياطي النفط والغاز حسب التقديرات الحالية للخبراء أكثر من ترليون دولار أمريكي.
وتعتبر آبار شورتان ومبارك من أكبر المواقع المنتجة للغاز الطبيعي في الجمهورية بالمقارنة مع آبار جنوب غرب غيسارة وبخارى وخيوة. ويحتوي الغاز المنتج في الجمهورية على "الإيتان" و"البر وبان" و"البوتان"، وغيرها من عناصر الغاز الطبيعي، الصالحة للحصول على مواد "البولومير"، و"البولي إيتلين" و"البوليوي نيلخلوريد" وغيرها. بالإضافة إلى غاز "البر وبان" ينتج المجمع الكيميائي في شرتان حمض "نيتريل أكريل" الصالح لإنتاج خيوط "النيترون".
ولهذا نرى أن الخطاب السياسي للقادة الأوزبكستانيين بعد الاستقلال ركز على أهمية اشتراك رؤوس الأموال الأجنبية في مجال استثمار ثروات باطن الأرض سعياً للخروج من فترة ما بعد الاستقلال الانتقالية، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود، ونلمس هذا في تصريحات رئيس الجمهورية إسلام كريموف الذي أكد أكثر من مرة على "أن أوزبكستان تتبع سياسة الأبواب المفتوحة مع أولئك المستثمرون الأجانب الذين يقدمون للجمهورية التكنولوجيا المتقدمة بمستوى عالمي، ويساهمون في بناء البنية الحديثة للاقتصاد الوطني".[1]
ولم يخف القادة الأوزبكستانيون في أكثر من مناسبة تطلعهم لتحقيق تعاون استثماري فعال مع كافة دول العالم وخاصة الدول العربية وفي طليعتها مجموعة الدول العربية الخليجية، تلك العلاقات التي تعزز من استقلال وسيادة أوزبكستان وتتيح لها البدائل المطلوبة لتحقيق سياسة خارجية متوازنة تضمن مصالحها الوطنية. وترجمت الرغبة تلك بإرساء قاعدة قانونية ملائمة لمشاركة المستثمرين الأجانب، في استثمار وتطوير استخراج وتصنيع الثروات الطبيعية بهدف النهوض بالاقتصاد الوطني الذي لم يزل يعاني من آثار المرحلة الانتقالية بعد الاستقلال.
ومعروف أن سوق الذهب في الدول الخليجية العربية يتمتع بفرادة خاصة من بين الأسواق العالمية الأخرى للذهب، إذ يعتبر من الأسواق الهامة لتسويق الذهب المكتشف والمستثمر جزئياً في أوزبكستان. فأوزبكستان شغلت في التسعينات المركز الرابع في إنتاج واحتياطي الذهب في العالم، بعد أن بلغ إنتاجها السنوي من الذهب 70 طناً. بينما كانت أوزبكستان خلال سنوات السلطة السوفييتية تنتج ثلث الذهب المنتج في الاتحاد السوفييتي السابق، واستطاعت المحافظة على مركزها بين دول رابطة الدول المستقلة بعد الاستقلال، وشغلت المركز الثاني بعد جمهورية روسيا الاتحادية في إنتاج الذهب.[2]
وهذا لا يعني ولا يجب أن يفسر بأنه دعوة لغض النظر عن الاستثمار في إنتاج وتصنيع المعادن الأخرى المتوفرة في أوزبكستان، والتي يمكن أن تكون مجالاً رحباً للاستثمارات المالية الخليجية العربية، تضاف إليها الخبرات العلمية والتقنية الأوزبكستانية وتكنولوجيا الدول المتقدمة في العالم، خاصة وأن القواعد القانونية الملائمة لضمان مشاركة المستثمرين الأجانب في الاستثمار وتطوير الاقتصاد الوطني الأوزبكستاني تتكامل يوماً بعد يوم.
وعند الحديث عن الثروات الباطنية من المعادن الثمينة كالذهب والفضة وغيرها، نرى أن الاستثمارات العربية لم تزل حتى الآن بعيدة عنها بدليل أن شركة "زر فشان نيومونت" الأوزبكستانية-الأمريكية، وشركة "لو نرو" البريطانية، كانتا الشركتين الاستثماريتين الوحيدتين المستثمرتين في مجال استثمار واستخراج وتصنيع الذهب في جمهورية أوزبكستان إلى أن دخلت حلبة الاستثمار شركة "أمان تاي تاو غولد فيلدس" الأوزبكستانية - البريطانية المشتركة لاستخراج وتصنيع المواد الخام الحاوية على معدن الذهب.
ففي ولاية نوائي أحدثت مؤخراً شركة "أمان تاي تاو غولد فيلدس" الأوزبكستانية - البريطانية المشتركة لاستخراج وتصنيع الخامات الحاوية على معدن الذهب. التي شارك في تأسيسها كلا من: مؤسسة الجيولوجيا الحكومية الأوزبكستانية، وشركة استخراج وتصنيع المعادن بولاية نوائي، وشركة "أو كسوس ريسورسيز كاربريشين" البريطانية، بحصص متساوية في رأس المال.
وأشارت معطيات الدراسات التقنية والاقتصادية للمشروع الجديد، إلى أن تنفيذه سيتم على مرحلتين يتم خلال المرحلة الأولى منه بناء منشآت معالجة المواد الخام بطاقة إنتاجية تبلغ مليون طن من المواد الخام سنوياً، وتشمل بناء وإعداد وتجهيز مناجم الاستخراج ومعامل التكرير بالمعدات اللازمة للعمل. وتبلغ الكلفة الإجمالية للمرحلة 45 مليون دولار أمريكي منها 5,8 مليون دولار لبناء منشآت البنية التحتية للمشروع التي من المتوقع الانتهاء منها خلال العام الحالي، ويتم في نفس الوقت توريد المعدات والتكنولوجيا اللازمة للمشروع حسب تصريح الجانب الأوزبكستاني في المشروع.
وفي المرحلة الثانية سيتم بناء الأنفاق في مناجم استخراج المواد الخام، ومصنع تكرير مادة "أوبورني سول فيد" التي لا تملك أوزبكستان حالياً التقنية اللازمة لمعالجتها، وتشمل فصل مادتي "سول فيد" - و "مشياك" ومعالجتهما والحد من أخطارهما الضارة، عن طريق التخمر البيولوجي المستخدم عالمياً وهي الطريقة الجديدة في أوزبكستان التي أعطت المخابر الأوزبكستانية نتائج ملموسة جيدة لها.
كما وتشير الدراسات الأولية إلى أن المشروع يحتاج لإنفاق حوالي 160-170 مليون دولار تستثمر في شراء المعدات التكنولوجية الحديثة، وإعداد الكوادر البشرية اللازمة للمشروع التي تقدر بنحو 600 متخصصاً محلياً، إلى جانب 10 خبراء أجانب يستمرون في عملهم بعد اكتمال المشروع ودخوله مرحلة الاستثمار القصوى المخططة.
واستناداً للجانب الأوزبكستاني، فإن شركة "أو كسوس ريسورسيز كاربريشين" ستقوم بتمويل المرحلة الأولى للمشروع، إضافة للقروض الممنوحة من المصارف، دون أي إسهام مالي من الجانب الأوزبكستاني. ويتم استرداد الأموال المستثمرة في المشروع من قيمة الذهب المستخرج لاحقاً. بينما يتم تمويل المرحلة الثانية من المشروع ويتم تطويره من الأرباح المحققة بعد بدء الإنتاج الفعلي للمشروع.
وأعتقد هنا أن للمستثمرين العرب الراغبين بالمشاركة بمثل هذه المشاريع فوائد استثمارية من خلال توظيف أموالهم فيها، أو بمنح القروض الميسرة التي تدعم وتعزز من موقف الجانب الأوزبكستاني في المشروع وتقلل من تكاليفه. خاصة وأن الجانب الأوزبكستاني يتوقع أن يحصل على دخل قدره 200 مليون دولار أمريكي من الضرائب وعائدات حصته خلال السنوات العشر المقررة للمشروع. وأن يستمر المشروع بعد انتهاء العشر سنوات الأولى، على ضوء النتائج الفعلية المحققة والاحتياطي المتوفر من المواد الخام، والأعمال الاستكشافية التي يقوم بها الجانب الأوزبكستاني والتي ترافق المشروع وتستمر لعشرة أو عشرين سنة قادمة.
وكانت شركة "نيومونت مايننغ" إحدى كبريات استخراج الذهب في العالم، التي استخرجت 152 طناً من الذهب خلال عام 2000، محققة ربحاً قدره 1,6 مليار دولار أمريكي، قد بدأت استثماراتها في أوزبكستان عام 1995، بالاشتراك في إنشاء شركة "زر فشان نيومونت" الأوزبكستانية – الأمريكية المشتركة، التي استخرجت حتى عام 2000 حسب تصريح رونالد كمبري رئيس مجلس إدارة شركة "نيومونت مايننغ" للتلفزيون الأوزبكستاني في شباط/فبراير الماضي، 350 طناً من الذهب قسمت عائداتها بالتساوي مابين الشريكين الأوزبكستاني والأمريكي. وهو ما يعني تجاوز إنتاج الذهب الأوزبكستاني لمعدل السبعين طناً سنوياً، إذا أخذنا بعين الاعتبار إنتاج الشركات الأخرى العاملة في هذا المجال في أوزبكستان.
ورغم تراجع أعمال البحث والتنقيب في العالم بسبب انخفاض أسعار الذهب العالمية في السنوات الأخيرة، توقع كمبري أن لا يؤثر ذلك على علاقات شركته مع أوزبكستان، وأن تستمر أعمال البحث والتنقيب والإنتاج، خاصة وأنه من المتوقع حدوث تحسن في أسعار الذهب خلال السنوات القادمة.
وقد ترددت أنباء بعد استقبال إسلام كريموف رئيس جمهورية أوزبكستان لرولاند كمبري رئيس مجلس إدارة شركة "نيومونت مايننغ"، وواين ميروي المدير العام التنفيذي للشركة، عن مشروع جديد لاستخراج الذهب في منطقة أنغرين الغنية بالمعادن شرق العاصمة الأوزبكستانية، يقدم له بنك التعمير والتنمية الأوروبي قرضاً قيمته 500 مليون دولار أمريكي.
والدرس المستفاد من شراكة البنوك العالمية كشريك غير متضامن في المشاريع الاستثمارية في أوزبكستان وغيرها من دول العالم، هو الحصول على الأرباح المضمونة بكفالة حكومية من خلال الفوائد المستحقة على القروض الممنوحة، دون التعرض لأي مسؤولية أو تبعية أو خطورة من أخطار الاستثمار والإنتاج والتسويق. وهو الدرس الذي يمكن للمستثمرين العرب الاستفادة منه، في تحقيق أرباح مضمونة، تزيد من خلالها إمكانيات الاعتماد المتبادل الأوزبكستانية العربية في معادلات العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية الدولية المعقدة في عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي.
هوامش:
[1] انظر:إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق تعميق الإصلاحات الاقتصادية. طشقند- أوزبكستان 1995. ص 107.
[2] تتحدث أرقام عام 1995 عن أن روسيا الاتحادية استخرجت 130 طناً من الذهب. انظر صحيفة ترود 27/2/1996.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق