الثلاثاء، 19 يناير، 2010

الولايات المتحدة الأمريكية والمأزق الأفغاني

الولايات المتحدة الأمريكية والمأزق الأفغاني
كتبها أ.د. محمد البخاري: أستاذ في قسم العلاقات الدولية بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية. طشقند بتاريخ 2/8/2002
من المعروف أن العمل الدبلوماسي أساساً يسعى لتحقيق الأهداف المحددة للسياسة الخارجية لأي دولة في العالم، والحفاظ على علاقات ودية بين الدول، خدمة للأمن والسلام والاستقرار العالمي. ولذلك فالعمل الدبلوماسي لا يتوقف عند نشوب حرب أو نزاع مسلح بين دولتين أو أكثر، بل على العكس نرى أن العمل الدبلوماسي يشتد ويتكاثف قبل وخلال وبعد النزاعات المسلحة والحروب بقصد الحيلولة أولاً دون نشوبها أو وقفها والتخفيف من آثارها عند حدوثها. ويختلف العمل الدبلوماسي أثناء الأزمات وفق مواقف ومصالح الدول المعنية في الصراع:
فالدولة التي اختارت الحل العسكري لحسم الوضع لصالحها كما حدث مع الولايات المتحدة الأمريكية وقوات التحالف الدولية في الحالة الأفغانية، تسبق العمليات العسكرية التي تقوم بها وتواكبها بحملة دبلوماسية مكثفة، الهدف منها تبرير وتفسير أسباب لجوئها لاستخدام القوة المسلحة لحسم الوضع لصالحها، وكسب تأييد وتعاطف الرأي العام العالمي، وعدد كبير من دول العالم لقرارها في اللجوء إلى الحرب، أو على الأقل تحييد مواقف الدول التي لا تؤيد موقفها كي لا تتعاطف مع الخصم أثناء النزاع المسلح.
وقد عملت الولايات المتحدة الأمريكية قبل وأثناء العمليات العسكرية على الأرض والأجواء الأفغانية وبعدها للجوء إلى مجلس الأمن الدولي في منظمة الأمم المتحدة، والتجمعات الإقليمية والدولية الأخرى وخاصة حلف الناتو، وبشكل عاجل من أجل تكثيف جهودها واتصالاتها بكافة السبل والطرق الدبلوماسية للحصول على تغطية شرعية لخطواتها ولحسم الصراع لصالحها، مع التهديد بضرب مناطق أخرى من العالم تحت نفس الحجة وهي مكافحة الإرهاب.
ولهذا نرى أن معظم الدول المعنية في الصراع الدائر وحتى الداخلة منها في التحالف الدولي ضد الإرهاب، والتجمعات الإقليمية والدولية التي تتأثر مصالحها الوطنية من الصراع الدائر على الساحة الدولية قد لجأت إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية، لاحتواء الموقف وتحجيم ساحة الصراع العسكري ومنع امتداده إلى مناطق أخرى من العالم، كالتهديدات التي وجهتها الولايات المتحدة وبريطانيا مثلاً باجتياح العراق وتغيير نظام الحكم فيه بالقوة. وتمثلت تلك الجهود بعرض الوساطة بين طرفي الصراع، ومحاولة حل النزاع عن طريق طرح المبادرات السلمية تحول دون تفاقم الوضع.
في الوقت الذي نرى فيه أن الدول الكبرى الأخرى وخاصة الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن ماضية بتكثيف جهودها الدبلوماسية المباشرة، وغير المباشرة، ومن خلال المنظمات الدولية والإقليمية، لاحتواء الصراع الدائر على الساحة الدولية حماية لمصالحها الوطنية العليا، والتأثير على مسار العمليات العسكرية الجارية في أفغانستان حتى الآن، بالتدخل مباشرة في الصراع لصالح الطرف الحليف المتورط في الصراع وهو الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل ينعكس مباشرة على نتائج الحرب لصالحها وصالح حلفائها، وهو ما حدث فعلاً في الحالة الأفغانية، وتمتنع عنه في حالات أخرى.
ولكن السؤال المطروح هنا إلى أي مدى ستبقى دول الجوار مستعدة لوضع التسهيلات اللازمة للولايات المتحدة الأمريكية على أراضيها لتوجيه الدعم أو ضربات إلى دولة مجاورة على ضوء المصالح الأمريكية والروسية والصينية المتضاربة في المنطقة؟ وإلى أي مدى سيؤثر ذلك التعارض على الساحة الميدانية في أفغانستان؟
فللولايات المتحدة الأمريكية مصالح في التواجد بقوة في المنطقة أولها إبعاد المصالح الروسية التي تتضارب والمصالح الأمريكية عن منطقة آسيا المركزية، للسيطرة على موقعها الإستراتيجي والتحكم بثرواتها الطبيعية الضخمة. وثانيها منع التقارب بين الدول الإسلامية في المنطقة وإيجاد عوائق سياسية وتضارب في المصالح تحول دون اللقاء بينها، وإطباق الحصار على العراق وإيران من كل الجوانب. وثالثها إتمام حلقة الحصار حول الصين وكوريا الشمالية الذي لابد وأن يمر عبر آسيا المركزية وباكستان والهند. وهو ما تحقق لها فعلاً على ما نعتقد. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه حالياً هو إلى أي مدى ستبقى الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للخوض في المستنقع الأفغاني الذي سبق وغرقت فيه المصالح البريطانية في القرنين التاسع عشر وبداية العشرين أيام الصراع البريطاني الروسي على المنطقة، وغرقت فيه المصالح السوفييتية في القرن العشرين وكان أحد الأسباب الرئيسية لانهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تنس بعد الدرس الذي تلقته من تدخلها في الشؤون الفيتنامية حتى خروجها منها عام 1975. ومن المعروف عشق الولايات المتحدة الأمريكية للانتصارات الرخيصة والفورية كالتدخل الأمريكي في جزيرة غرينادا، وهاييتي، وفي باناما وغيرها من الدول الضعيفة من العالم. ومعروف أيضاً تنصلها وانسحابها السريع من مناطق يمكن أن تقاومها أو تلحق بها خسائر بشرية كما حدث أثناء التدخل الأمريكي في لبنان إبان الحرب الأهلية الدامية فيها، وأثناء تدخلها في الصومال بحجة تقديم المساعدات الإنسانية وغيرها من المناطق الساخنة من العالم.
ومن الخبرة الحاصلة من التدخل الأمريكي في الأحداث التي جرت في يوغسلافيا والبلقان، أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتنصل من التواجد العسكري المباشر في أفغانستان، وهو ما ستحذو به وتفعله الدول الحليفة الأخرى للولايات المتحدة الأمريكية في الناتو المتواجدة على الساحة الأفغانية، فاسحة المجال أمام قوات حليفة لها وخاصة من العالم النامي للتواجد على الأرض الأفغانية لتلقي الضربات الموجعة مقابل المساعدات والدعم الاقتصادي الذي يمكن أن تتلقاه من الولايات المتحدة، ولا طالة مدى الصراع على الساحة الأفغانية الذي يكفل لها إمكانية التواجد الشرعي في المنطقة لتحقيق أهدافها المشار إليها أعلاه دون أي تذمر أو احتجاج من أحد بسبب استمرار الأزمة وتهديدها لدول الجوار، وإن لزم الأمر توسيع الصراع ليشمل مناطق أخرى من المنطقة لتخضع حكوماتها تماماً للشروط الأمريكية التي يمكن أن تكفل لها الاستقرار الحذر والاستمرار في السلطة، والتي تجبر أطراف الصراع الأخرى على الخضوع تماماً لرغباتها خوفاً من مواجهة التصفية سياسياً وعسكرياً. في نفس الوقت الذي تحتفظ فيه لنفسها بالمرونة الكافية وإمكانية توجيه الضربات الموجعة عن بعد دون خسائر بشرية تذكر ودون تواجد كثيف على الأرض في ساحة الصراع، ونرى في تسليم قيادة قوات التحالف الدولي المرابطة في أفغانستان لضابط تركي بداية لتحقيق تلك الأهداف التي يمكن أن تتحقق في القريب العاجل.
أعلنت إذاعة BBC الموجهة على الأمواج القصيرة إلى مناطق آسيا المركزية والقوقاز باللغة الروسية في برامجها المذاعة في السادسة صباحاً يوم الخميس، 1/8/2002 الخبر التالي:
أن مقاتلي الجبهة الإسلامية الأوزبكستانية بقيادة جمعة نمنغاني التي لم تؤكد أي مصادر إعلامية موثوقة مقتله أثناء العمليات العسكرية التي شنتها قوات التحالف الدولي على أفغانستان، آخذة بالتجمع على الأراضي الطاجكستانية وقدرت عددهم بألف وخمسمائة رجل، تمهيداً للتسلل إلى جنوب قرغيزستان لشن هجمات ضد قرغيزستان وأوزبكستان.
وأشارت إلى أن القوات الفرنسية المرابطة في قرغيزستان والبالغ عددها حوالي أربعمائة رجل لن تشترك في أية عمليات عسكرية للتصدي لأي قوة تتسلل إلى قرغيزستان، وأنها ستنسحب من هناك في الخريف القادم، حيث سيتم استبدالها بقوات أوروبية من فنلندا وهولندا وأن تلك القوات ستشترك في عمليات عسكرية محتملة دفاعاً عن سلامة الأراضي القرغيزية. بينما لم تشر بشيء إلى القوات الأمريكية المرابطة هناك. (انتهى الخبر)
وما يمكن استخلاصه من الخبر هو التأكيد على أن مقاتلي الجبهة الإسلامية الأوزبكستانية لم تزل قوة فاعلة في المنطقة، وتشكل تهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، إضافة لتوجيه أصابع الاتهام إلى القوات الروسية المتواجدة في طاجكستان منذ استقلالها، من ناحية، ومن ناحية أخرى تؤكد عدم رغبة الدول الكبرى ومن بينها الولايات المتحدة الأمريكية والبريطانية والفرنسية بالمشاركة بأي عمليات عسكرية محتملة في المنطقة. وهي رسالة واضحة موجهة من تلك الدول إلى حكومات المنطقة لتحقيق أغراض محددة، والتأكيد أمام الرأي العام على أن المنطقة لم تزل بعيدة عن الاستقرار الذي تنشده، وتضع روسيا أما الأمر الواقع، وفي حالة من التشكك والخوف من نواهاياها حيال المنطقة في المستقبل القريب. وأن المخرج الوحيد لدول المنطقة للخروج من دائرة الأخطار المحتملة هو تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار الأنباء التي نقلتها وكالات الأنباء العالمية في الآونة الأخيرة عن تسلل مقاتلين شيشانيين من الأراضي الجورجية (التي تتواجد على أراضيها قوات أمريكية ؟) إلى داخل الأراضي التي تسيطر عليها القوات الروسية في الشيشان، ومن العودة لأخبار مسلسل الأحداث التي جرت في صيف عام 2000 عندما قامت عناصر مسلحة انطلاقاً من الأراضي الشيشانية بمهاجمة الأراضي الروسية في داغستان وانتهت إلى ما إليه من أوضاع اليوم هناك. نرى أنه وفي نفس الوقت شنت عناصر مسلحة تسللت آنذاك من أفغانستان وطاجكستان إلى جنوب قرغيزستان وجنوب شرق أوزبكستان وانتهت بإجبارها على الانسحاب إلى حيث أتت بعد خسائر بشرية ومادية تكبدتها كل الأطراف المتصارعة آنذاك. فإن التوقعات التي أوردها الخبر المشار إليه أعلاه يبقى ضمن الاحتمالات الممكنة والتي يمكن أن تحقق من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية والناتو بعضاً من أهدافهما غير المعلنة والمتفقة مع مصالحهما الإستراتيجية في المنطقة، وتضع روسيا في مأزق حقيقي مع حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة وفي مقدمتهم قرغيزستان وقازاقستان قد تضر على المستوى البعيد بالمصالح الإستراتيجية لروسيا في المنطقة، من خلال طرح سؤال التالي: كيف تمكن المقاتلين الآخذين بالتجمع في طاجكستان من التسلل عبر الحدود الأفغانية الطاجيكية التي تحرسها القوات الروسية المتواجدة في طاجكستان منذ استقلالها وحتى اليوم ؟

هناك تعليق واحد: